ظاهرة كثيرًا ما لفتت نظري في كتابات الأستاذ فتح الله كولن، وهي ظاهرة استدعاء المورث سواء أكان هذا الموروث شخصياتٍ أو أحداثًا أو اقتباساتٍ.. فالأستاذ كولن رجل يقدر التراث ويحترمه، فهو القائل: “ينبغي على الأمة جميعًا وبالأخص على النخب والمثقفين منها، أن يؤسّسوا “سَلامًا” بينهم وبين تاريخهم”، بل يعتبر أن “كل حركة تجديدية وعملية تغييرية تم وضعها من أجل إنشاء المستقبل، ينبغي أن يتم التخطيط لها بناءً على مقوماتنا التاريخية وجذورنا الروحية”، ومن ثم فالتراث عنده بشخوصه وأحداثه وكلامه، ينبوع دائم التفجر بأنصع القيم وأبقاها، وهو الأرض الصلبة التي يدعو إلى الوقوف عليها ليبني فوقها الحاضر الجديد ومن ثم المستقبل المشرق، وهو الحصن المنيع الذي يلجأ إليه كلما عصفت العواصف فيهديه الأمن والسكينة.
وفي كل مرة ارتد فيها الأستاذ كولن إلى التراث، لم يخذله ولو مرة، لأنه يرجع إلى تراث عريض ممتد في أعماق الإنسانية ولا يقتصر على التراث الإسلامي وحده، بل يشمل أيضًا تراث الأمم والحضارات الأخرى. وقد استطاع الأستاذ كولن من خلال الارتداد إلى شخصيات التراث أن يعكس روح العصر من جهة، وأصالة الماضي من جهة أخرى، وأن يعيد بناء الماضي وفق رؤية إنسانية معاصرة، مما يعني أن الماضي يعيش في الحاضر ويرتبط معه بعلاقة جدلية تعتمد على التأثير والتأثر. ففي كتاب “الغرباء” الذي يضم مقالات متنوعة نشرت في مجلة حراء، نجده قد استدعى “فاوست” و”مفيسو” بطلَي الأساطير الشعبية الألمانية، ليكفكف دموع الصغير في أول رشحة من رشحات مقاله في هذا الكتاب، كما استدعى “هلينا” الساحرة و”أسطورة طروادة” في مقال في الكتاب عينه بعنوان “طويلاً بكينا”.
وإذا قمنا بجولة سريعة في مقالات الكتاب لنتأمل ما استدعاه من شخصيات وموروث متنوع، فسنجده قد استدعى من المسيح أنفاسه، ومن هرقل عضلاته، ومن “الحسين” تأوهاته في كربلاء في شهر المحرم، ومن “خبيب” فداءه لرسول الله  في مشهد مقتله، ومن “مصعب” وفاءه لعقيدته حتى بعد أن تمزقت أعضاءه في غزوة أحد، ومن “خالد” المعزول تواضعه وانصياعه بعد سلسلة من الانتصارات التي حققها في الغزوات المختلفة، ومن “قتادة” الصحابي الجليل إيثاره لدينه وعقيدته وقوة إرادته وعشقه للحبيب.. هذا إلى جانب استدعاء الأنصار الذين كانوا يرددون نشيد ثنية الوداع منتظرين البطل في مقال “أين أنت؟”.
كما استدعى صفاتٍ من شخصيات الأنبياء وعلى رأسهم مفخرة الإنسانية النور الخالد محمد ، واستدعى أيضًا من صفات الأولياء من أمثال جلال الدين الرومي وشمس التبريزي، ولم يغب عنه في كل كتاباته استدعاء صفات من شخصية المجدد والمصلح الأستاذ النورسي أو بعض من أقواله. ويمضي في التاريخ حتى يصل إلى صلاح الدين وشهامته مع ريتشارد قلب الأسد، وألب أرسلان وأصالته مع “رومين ديوجين” في موقعة ملاذكرت، كما يستدعي من شخصية سليم الأول تواضعه وإنكاره لذاته واحتجابه حتى مغيب الشمس حتى لا ينسب النصر له.
ولا يتوقف الأمر عند حد استدعاء الموروث التاريخي العريض الممتد، بل يغوص في بحر التراث الشعري التركي الثري فيستدعي من شعر “نامق كمال”؛ ما يجعله يمد معه ذراعًا إلى الروضة الشريفة وآخر إلى كربلاء، ويستدعى من شعر “رحمي”؛ ليبشر بمولود يخرج من رحم الليل قبل أن يولد النهار، ومن “يونس أَمْرَه” شكايته وعورة الطريق وقلة المنافذ، وصبره الجميل في جفاء الجلال ووفاء الجمال في قوله:
إن جاءني جفاء من جلالك
أو جاءني وفاء من جمالك
فهما للقلب صفاء
فلطفك حلو وقهرك حلو
ثم نسلم أنفسنا إلى صبر جميل
كما يستدعى من شعر “نسيمي”، و”محمد عاكف”، و”نجيب فاضل”، وشيخه “محمد لطفي الألوارلي”، كل ذلك يوظفه في بناء أفكاره وترجمة عواطفه وأحاسيسه.

إن ارتداد الأستاذ كولن إلى التراث، واستدعاء الشخصيات منه لم يكن استدعاء عشوائيًّا، بل كان استدعاء منظمًا واعيًا ينتقي فيه الشخصيات التي لها تجارب معبرة عن التجربة التي يعمل على تمكينها في نفوس المتلقين.

وهكذا نجد أن الموروث الديني، والموروث التاريخي، والموروث الصوفي، والموروث الأدبي، بل وحتى الموروث الفلكلوري والأسطوري، حاضر في أدبياته بكثافة، وكأن هذا الموروث المتعدد الثري مكتبةٌ حاضرة في مخيلته، يمد يديه إلى أحد أرففها فيختار ما يشاء من كتبها ويوظفه في إبداعه الفكري وعطائه الروحي.
كيف تعامل الأستاذ كولن مع هذا التراث؟
إن التعامل مع التراث -سواء أكان شخصياتٍ أم أحداثًا أم اقتباساتٍ شعرية أو نثرية- قد مر في تاريخنا المعاصر بمرحلتين: مرحلة التسجيل أو التعبير عن التراث، ويقصد به تصوير العناصر التراثية كما هي في التراث دون إضفاء أي دلالات معاصرة عليها أو تفسيرها أي تفسير معاصر، ثم تطور إلى مرحلة التعبير بالموروث أو توظيفه وتحيينه، بعد تجريده من ملابساته ودلالاته الوقتية العابرة، لتصبح بعد ذلك صالحة للتعبير بها عن كل العصور وكل المواقف الشبيهة بالموقف الذي ارتبطت به في التراث.
وقد تعامل الأستاذ كولن مع التراث بمثل هذا التعامل الأخير، حيث وظفَّه توظيفًا فنيًّا يعبر به عن آلام إنساننا المعاصر، وآماله أفراحه وأتراحه وقضاياه التي تشغله وأفكاره، وعمد إلى تأويل عناصر التراث التراثية تأويلاً معاصرًا واستخلص منها دلالتها الشاملة، وذلك -بالطبع- بعدما أضفى عليها طابع الديمومة وجردها من عوامل التحيين والتأقيت؛ ففي تعضيده لفكرة الحب وتأكيده عليها يجمع بين الأنبياء والأولياء والفراعنة والنماريد وهاروت وماروت في لوحة واحدة حيث يقول: “إن كان في الوجود إكسير استطاع أن يبطل أشد مكائد الشيطان فتكًا حتى اليوم؛ فهو الحب. لقد أطفأ الأنبياءُ نيرانَ غيظ الفراعنة والنماريد بكوثر الحب، وجمع أولياءُ الحق شتات الأرواح الضالة الثائرة المبعثرة كعقد انفرطت حباته بالحب، وألّفوا بين قلوبهم في عالم من المشاعر الإنسانية النابضة بالحب. لقد كانت -ولا تزال- قوة الحب فائقة متجاوزة تبطل سحر هاروت وماروت وتطفئ نيران جهنم على الدوام”. ويستدعي من “الرومي” نداءه الشهير في قصيدته التي تقول:
“تعالَ.. تعالَ
لا يهم من أنت، ولا إلى أي طريق تنتهي
تعالَ.. لا يهم من تكون
عابر سبيل.. ناسكًا.. أو عاشقًا للحياة
تعالَ.. فلا مكان لليأس هنا
تعالَ.. حتى لو أخللتَ بعهدك ألف مرة
فقط تعالَ لنتكلم عن الله”.
ويوظف هذا النداء في فكرة الحب التي يؤكد عليها في مقال بعنوان “حب الإنسان”، ويوسع المعاني انطلاقًا من هذه الفكرة قائلاً: “إن روحًا أحست بهذه المعاني الدقيقة تُتحِفنا بأناشيد ساحرة من لسان قلبها، وتترنم مثل جلال الدين الرومي “تعال، هلمّ إلينا، شاركنا، نحن أهل العشق، منحنا قلوبنا للحق تعالى. هيا تعال، التحق بنا، ادلف من باب المحبة، اجلس في بيتنا معنا. اُدنُ نتحدث بلغة القلب فيما بيننا، أقبل كي تتعانق قلوبُنا ونتكلم بعيدًا عن الآذان والأعين.. تعال نتبادل بسمات كالورود دون شفاه أو أصوات.. تعال نتقابل كالأفكار دون فم أو لسان.. ها قد صرنا جميعًا شيئًا واحدًا، إذن هيا لِنُناجِ بعضنا بقلوبنا دون لسان أو شفاه. ها قد تشابكت أيدينا، تعال نتحدث بلغة الحال. إن لسان الحال أعمق تعبيرًا عن سلوك القلب، فهلمّ نمسك ألسنتنا، ونتحدث بقلوبنا المرتعشة”.
إن استحضار شخصية “الرومي” هنا، له دلالة فنية ذات أثر قيمي عظيم، لأن تجربة الرومي في الحب والتسامح، ذات تأثير كبير في الشرق والغرب، وكانت مصدر إلهام ثري يمتح منه السائرون في درب المحبة الإنسانية.
ومن ثم نستطيع القول إن ارتداد الأستاذ كولن إلى التراث، واستدعاء الشخصيات منه لم يكن استدعاء عشوائيًّا، بل كان استدعاء منظمًا واعيًا ينتقي فيه الشخصيات التي لها تجارب معبرة عن التجربة التي يعمل على تمكينها في نفوس المتلقين. فهو استخدام مميز يدل على مدى تمكن الأستاذ كولن من خلفيات هذه الشخصيات والإلمام بمرجعياتها الثقافية، وهذه هي أهم شروط الاستدعاء التي تحقق للنص حاجته الفنية والدلالية.
تكنيكات توظيف الموروث
للأستاذ كولن أكثر من تكنيك في توظيف هذا الموروث، فقد يلمح إلى الفكرة باستدعاء الشخصية بشكل عابر ومباشر وهذا في أغلب المقالات، وقد يستدعي شخصيات متعددة تحمل ملامح مشتركة، أو تتقاطع في صفة مشتركة بينها من خلال حدث بارز اشتهرت به، ويوزع هذا الاستدعاء على مدار المقال ليربط بينه وبين الفكرة التي يعبر عنها، سواء أكان هذا التوظيف طرديًّا أم عكسيًّا يحمل لونًا من ألوان المفارقة. ففي رحلة بحثه عن البطل المنتظر في مقاله “أين أنت؟” يصور مشاعر اللهفة على قدوم هذا البطل باستدعاء موقف انتظار الأنصار للنبي  عند ثنية الوداع قائلاً: “كم من مرة تبدّى لنا في الأفق البعيد خيالٌ توهمناه إياك، فخرجنا للُقياه مردّدين نشيد “ثنية الوداع”.. وفي مفارقة عكسية يستدعي الإسكندر الأكبر، للتعبير عن خيبة أمله فيمن كان يظنه البطل المنشود كالإسكندر الأكبر، وإذا به يجده عاجزًا كليلاً في قوله: “وكم من مرة -عندما لفّنا الصمت وضربت علينا الوحدة قبابها- حسبنا البُغاث نسرًا، وظننا المقعدين المشلولين الإسكندر الأكبر فصفّقنا لهم”. ومن مثل تلك المفارقة العكسية يستدعي المحرم و”الحسين”  وواقعة كربلاء، للتعبير عن مدى الحزن الذي يغلف الزمان الخالي من منشوده، حيث يقول: “لقد تحول الزمان بنا إلى المحرّم، وغدا المكان جميعه كربلاء، فراحت نفوسنا تتأوه بآهات الحسين”.
وفي المقال ذاته يطوف على التاريخ طوافًا واسعًا، ليستدعي منه كل صفات البطولة والتضحية والفداء والتواضع، التي يتسم بها منشوده من خلال استدعاء مواقف خاصة جرت مع “خبيب” و”أبي قتادة” و”خالد” ، وكذلك السلطان العثماني “سليم الأول”. ويختم بتصوير مدى شوقه ولهفته لهذا البطل، واستعداده لاقتلاع قلبه وإهدائه لمن يحمل إليه أخبارًا عنه ولو كانت أكاذيب، قائلاً: “ولكننا -على نهج الرومي- لن نتوانى لحظة واحدة عن اقتلاع قلوبنا وإهدائها ولو مقابل أكاذيب تقال في سبيلك”، وهو هنا يستدعي موقفًا حدث مع جلال الدين الرومي لما اشتد شوقه وحنينه إلى صديقه شمس، جاءه رجل يزعم أنه يحمل أخبارًا عن شمس، وراح يقص عليه حكايات لا أصل لها، ولما انتهى من حديثه خلع الرومي عباءته فرحًا وأهداها الرجل، فقالوا له: لقد كذب. فقال: أعلم، أهديته عباءتي مقابل كذبه عن شمس، ولو صدق لكنت أهديته روحي”. فهو يختار ما يناسب فكرته من ملامح هذه الشخصيات، ويؤولها تأويلاً خاصًّا يتلاءم مع طبيعة العرض الذي يقدمه، ويضفي عليه الأبعاد المعاصرة من خلال هذه الملامح بعد تأويلها.
ملامح هذا التوظيف
أما عن ملامح هذا التوظيف فقد يستعير صفة من صفات هذه الشخصية، وقد مر بنا طرف غير يسير من ذلك، وقد يستعير بعض أحداث حياتها، ويبرز في ذلك موقف سليم الأول خاصة، حيث تكرر استدعاء مواقف من حياته أكثر من مرة في أكثر من مقال، ومن ذلك استدعاؤه هذا الموقف قائلاً: “أتذكُر يوم كنت تمشي أمام شيخك، فطفر بعض الوحل من قدم حصانه فأصاب جبّتك المغسولة بالعطر؟ كنت آنذاك سلطانًا عظيمًا وحاكمًا كبيرًا يرى الدنيا لا تسع سلطانين، كنت حاكمًا يقف على بابه فُرس إيران ويخدمه مماليك مصر، كانت الأُسود ترتجف رعبًا من براثن سطوتك. فماذا فعلت آنذاك؟ لقد أوصيت أن تُلَفّ تلك الجبة الملطخة بالوحل حول نعشك. من أنت؟ أصوفي أم درويش؟ أم مَلَك يمشي على الأرض؟ أيها الأسد الهصور أين أنت؟”.
وقد يقتبس بعضًا من أقوالها، سواء أكانت شعرًا أم نثرًا، وهذا كثير في هذا الكتاب وغيره، لكن يظل حضور “النورسي” قويًّا بأقواله ومواقفه في أكثر المقالات، بل أحيانًا ما يُصدّر المقال أو يختمه بعبارات منه تشي بأن فكرته في المقال كلها تدور حول هذا المعنى.
طريقة التوظيف
تنوعت طرق توظيف الأستاذ كولن للشخصيات في كتاب “الغرباء”، فتارة يتحدث إلى الشخصية:
– أتذكُر يوم وضعوا حياتك في كفّة وشوكةً يشاك بها خليلُك في كفة؟
– في إحدى المرات مُنِعتَ من التحدث إلى أخيك، أخيك الذي لم تفارقه لحظة واحدة حتى ذلك اليوم.
وتارة يتحدث عنها:
– لقد فتح آدم عليه السلام الأبواب التي أُوصِدت في وجهه واحدًا بعد آخر بمفتاح الوفاء السحري الذي حمله في قلبه.
– أما نبي الطوفان عليه السلام فقد عاش لقرون يعاني، ومع ذلك كان وفيًّا.
– ثم انظر إلى خليل الرحمن وأبي الأنبياء عليه السلام عندما تصدّى لنار النمرود! كم كان وفيًّا فداه روحي.
– كذلك رائد القدسيين، وإمام السابقين واللاحقين صلى الله عليه وسلم إنما نال سعادة السياحة إلى ما وراء السماوات -تلك الرحلة التي لم تكتب لأحد سواه- بفضل حس الوفاء المكنون في روحه.
وتارة يتحدث من خلالها؛ ولكن في مواضع محدودة وبضمير الجمع غالبًا، كما عبر عن انتظاره الملهوف باستدعاء انتظار الأنصار في ثنية الوداع للنبي ، وكذلك باستعداده لاقتلاع قلبه وإهدائه لمن يأتيه بخبر ولو كاذب عن هذا البطل المنشود على غرار ما فعل الرومي.
إن البحث في فكرة استدعاء الشخصيات التراثية في أدبيات الأستاذ فتح الله كولن يحتاج إلى دراسة مفصلة توفيه حقه، ولكنا اكتفينا بما أوردناه هنا على عجالة، طامحين أن نوسع دائرة البحث في هذا الموضوع في فرصة سانحة.

(*) كاتب وباحث مصري.
المراجع
(1) الغرباء، فتح الله كولن، إعداد: نوزاد صواش، صابر المشرفي، دار الانبعاث للتوزيع والنشر، القاهرة 2019م.