ولد ابن سينا بقرية من قرى ضواحي مدينة بخارى (370-428هـ)، وحين بلغ العاشرة من عمره كان قد حفظ القرآن الكريم، ودرس الكثير من الأدب وتعلم في صباه الحساب والفقه، كما درس المنطق ورياضيات إقليدس وفلك المجسطي، وشرع في دراسة الطب. وحين بلغ السادسة عشر من عمره عالج سلطان بخارى من مرض عجز الأطباء قبله عن علاجه، فقرّبه وأتاح له الاطلاع على مكتبته الضخمة، فأقبل عليها يقرأها كتابًا كتابًا.
وحين بلغ الثامنة عشر من عمره صار طبيبًا ناجحًا، وذاعت شهرته كطبيب. وقد اعتمد ابن سينا في الطب على الملاحظة في وصفه للعضو المريض وصفًا تشريحيًّا وفسيولوجيًّا فأفاده في تشخيص المرض. واعتمد في ممارسته الطبية على التجربة والاستفادة من تجارب من سبقوه، وهذا واضح في موسوعته الطبية الكبيرة والفريدة “القانون”.

اكتشف ابن سينا كثيرًا من الأمراض، وكان أول من قال بـ”العدوى” وانتقال الأمراض المعدية عن طريق الماء والتراب، وبخاصة عدوى السل الرئوي.

اكتشافاته في الطب

اكتشف ابن سينا كثيرًا من الأمراض، وكان أول من قال بـ”العدوى” وانتقال الأمراض المعدية عن طريق الماء والتراب، وبخاصة عدوى السل الرئوي. ويعتبر ابن سينا أول من وصف التهاب السحايا، وأظهر الفرق بينه وبين التهاب الحجاب الفاصل بين الرئتين، وأول من اكتشف الدودة المستديرة أو دودة الإنكلستوما قبل الطبيب البرتغالي “رونتيني” بأكثر من ثمانمائة عام، وأول من تحدث وبشكل دقيق عن السكتة الدماغية أو ما يسمى بـ”الموت الفجائي”. واكتشف أنواعًا من المخدرات التي يجب أن تعطى للمرضى قبل إجراء العمليات الجراحية، تخفيفًا لما يعانونه من ألم أثناء الجراحات وبعدها.
وله كثير من الاكتشافات العلمية والطبية يمكن متابعتها في تلك الدراسات التي تمت على كتابه الكبير “القانون” الذي تُرجم في وقت مبكر إلى اللغة اللاتينية، وظلت أوروبا تعتمد عليه في معالجاتها حتى بداية عصر النهضة الأوروبية الحديثة.

براعته في الكيمياء

وقد أظهر ابن سينا براعة نادرة في إجراء الملاحظات والتجارب، ولم يقتصر ذلك على ميدان علم الطب، بل اعتمد عليها في الجيولوجيا وعلم الآثار العلوية، وعلم الهيئة وعلمي النبات والحيوان، وكلها تدخل في نطاق العلوم الطبيعية، كما برع في علم الكيمياء.
واتفق مع جابر بن حيان في نظرية العناصر، ثم خالفه -بحس العالم التجريبي- في إمكانية تحويل العناصر من واحد إلى آخر، وأنكر بذلك علم الصنعة -أي تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة- إنكارًا تامًّا؛ حيث ارتأى أن التركيب الأساسي للعنصر في الطبيعة لا يمكن تفكيكه وإعادة تركيبه، حيث اعتبر أن تقليد الطبيعة أمر عسير، بل متعذر على الإنسان. ولهذا لم يؤمن بنظرية استحالة العناصر أو التدبير والصنعة على الرغم من أنها كانت نظرية سائدة في عصره، وآمن بها كثير من العلماء والمفكرين.
وكان طبيبًا ماهرًا، وصيدلانيًّا بارعًا، ذائع الصيت. وقام بصنع الأدوية بنفسه التي أوردها في الجزأين الأخيرين من كتاب “القانون” في الطب.
هذا وقد أشار إلى عدد كبير من العمليات الكيميائية، كالتقطير والترشيح والتصعيد والاستخلاص والتشميع، واستعمل أجهزة مختلفة للوصول إلى طلبه، شأنه شأن أبي بكر الرازي، وذكر عددًا من المركبات الكيميائية منها ما كان من أصل نباتي أو حيواني أو معدني.
وعلى الرغم من اعتماده في دراسته للنبات والحيوان والطبيعة على كل من الكندي وأبي حنيفة الدينوري والرازي، إلا أننا نجد له كثيرًا من النظريات العلمية الصائبة في هذه العلوم، ونلمس بشكل واضح جهدًا تجريبيًّا كبيرًا يقوم به في هذا المجال.

إنكاره لعلم الصنعة

لقد درس ابن سينا تكوين المعادن دراسة مستفيضة، وقد أدته دراسته إلى تحديد موقفه من إمكانية صناعة الكيمياء أو عدم إمكانها، إذ إن صناعة الكيمياء -كما يقول ابن خلدون- “قائمة عند الباحثين فيها على حلّ المعادن السبعة المنطرقة، وهي الذهب والفضة والرصاص والقصدير والنحاس والحديد والخارصين، وهي تختلف فيما بينها بالفصول، أي إنها كلها أنواع قائمة بأنفسها”.
وحين أنكر ابن سينا إمكانية علم الصنعة، لم ينكر العمليات الكيميائية الكثيرة والمشروعة، مثل التبخير والتصعيد وغيرها من العمليات التي قام هو نفسه بإجرائها، ولكنه أنكر إمكان تحويل معدن إلى معدن آخر. فقد تفشت نظرية تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة في زمنه، وأخذت بها مدارس علم الكيمياء أو الصنعة. وابن سينا لم ينكر التجارب الكيميائية، ولم يعارض في تحليل الأجسام والمواد المعدنية إلى عناصرها الأولية لمعرفة بسائطها، فهو في رسالته “الإكسير”، يقسمها إلى تسعة فصول تبحث في الجوهر المختلط وفي طلب صنعته، وفي التركيب وفي غيرها من المعدنيات، وفي العمليات الكيميائية التي يمكن للباحث القيام بها من تفحص رسالته.

قد أظهر ابن سينا براعة نادرة في إجراء الملاحظات والتجارب، ولم يقتصر ذلك على ميدان علم الطب، بل اعتمد عليها في الجيولوجيا وعلم الآثار العلوية، وعلم الهيئة وعلمي النبات والحيوان

وقد تمكن من فهم التفاعلات الكيميائية التي تحصل للأجسام، ووصفها وصفًا دقيقًا يقوم على الملاحظة والمشاهدة بما كان يستحضره من معدنيات ومواد كيميائية، إذ إن النتائج التي كان يصل إليها كلها مستوحاة من تجاربه. فقد كان جادًّا في الكشف عن تلك التفاعلات، ولم يَفُتْه في هذا المجال أن يستخلص كل خواص العمليات الكيميائية وقوانينها.
ومن أهم هذه العمليات التي كان يسميها “تدابير”، والتي تُتخذ دائمًا لتحضير العقاقير: الطبخ، والشي والقلي، والتبخير، والتدخين، والتصعيد، والتذويب، والتليين، والإشعال، والتجمير، والتفحيم، وما يقبل ذلك وما لا يقبله، بالإضافة إلى التنقية والتشميع، والحل والعقد والتقطير والاستنزال.
ولا أدل على انخراط ابن سينا في علم الكيمياء، وبراعته في ممارسة عملياته وتجاربه من شهادة “إدوارد فابر” في كتابه “نوابغ علم الكيمياء”، حيث يذكر أن ابن سينا لم يكتف باستخدام الطريقة المنطقية لشرح بعض النقاط الغامضة في مؤلفات أسلافه في علم الكيمياء؛ بل أجرى تجارب كثيرة في ميدان الكيمياء، مثل تعيين الوزن النوعي لمعادن كثيرة ومواد كيميائية عديدة. كما قام بدراسة مفصلة لخواص بعض المواد الكيميائية والأحماض. فهو أول من شرح طريقة إعداد زيت الزاج أو حامض الكبريت (Acid) والكحول، وتقديم خواصهما بالتفصيل. ويؤكد على ذلك “بنجمين لي جوردن” بقوله: “هناك إجماع بين مؤرخي العلوم، أن ابن سينا ليس فقط أول من وصف زيت الزاج والكحول، ولكن هو أول من ابتكر طريقة إعدادهما”.
وفي طبيعيات الشفاء -الموسوعة الفلسفية والطبيعية لابن سينا- يشير إلى هذه العمليات بالتفصيل، كما يشير إلى عملية الانصهار الكيميائي للأجسام وللمادة الكيميائية الكفيلة بتحقيق ذلك. وفي رأيه أن الأجسام (المعادن) لا تنصهر من الداخل، أي لا تنحل كيميائيًّا، وإنما هي تتفكك وتنصهر بفعل عوامل طبيعية خارجية وهي الحرارة. ويراد بالجوهر في نصه، المادة التي من شأنها أن تسمح بعملية الانصهار، وهي تقابل في الكيمياء الحديثة العنصر الكيميائي الفاعل. ويفرق ابن سينا بين موضوع الانصهار الكيميائي وبين مادته، فالعملية الكيميائية تتوقف على هذين الأخيرين مع بعضهما البعض، وهما اللذان يجعلان الأجسام (المعادن) قابلة للتشكل والتركيب الكيميائي. ومن هنا يرى ابن سينا أن كل الأجسام أو المعادن تحتفظ بعنصرها الكيميائي الذي تتركب منه، أي تحافظ على طبيعتها ونوعها إذا ما تعرضت إلى عملية تفاعل كيميائي، إذ قد تطرأ التبدلات والتغيرات التي تخص حجمها وسمكها، ولكنها لا تفقد عنصرها الكيميائي الذي تتركب منه كالنحاس والفضة، فلا يمكن أن ينقلبا إلى ذهب، ولا يمكن أن يتغيرا أو يستحيلا في طبيعتهما. ومن هنا كان إنكاره لعلم الصنعة.

لقد درس ابن سينا تكوين المعادن دراسة مستفيضة، وقد أدته دراسته إلى تحديد موقفه من إمكانية صناعة الكيمياء أو عدم إمكانها

وقد كانت هناك مدرستان فيما يتصل بهذا العلم، فريق منهما يرى إمكان تحويل معدن خسيس إلى معدن نفيس كالذهب، وفريق آخر ينكر هذا التحويل، وقد كان الرازي والفارابي وجابر بن حيان من الفريق الذي يرى إمكان ذلك. وقد ذكر جابر بن حيان أن أسرار الطبيعة قد تمتنع على الناس لأحد سببين؛ فإما أن يكون ذلك لشدة خفائها وعسر الكشف عنها، وإما أن يكون ذلك للطافة تلك الأسرار حيث يتعذر الإمساك بها. وسواء أكان الأمر هو هذا أو ذاك، كان في وسع الباحث أن يلتمس طريقًا إلى تحقيقه، فلا صعوبة الموضوع ولا لطافته ودقته تجيز للعلماء أن يتراجعوا عن البحث فيه. ومن هنا يجعل “جابر بن حيان” الفكرة الرئيسة في بحوثه الكيميائية هي استحالة المعادن وهو ممكن في نظره؛ لأن للمعادن مقوّمين أساسيين هما الكبريت والزئبق، وهما قد تكونا منذ قديم الزمان في جوف الأرض من العناصر الأساسية الأربعة. وحيث إن كل معدن ما هو إلا تركيب من زئبق وكبريت بنسب متفاوتة، والذهب معدن غني في الزئبق فقير في الكبريت، بينما يتوفر الكبريت في الحديد أو في أي معدن آخر خسيس، إذن يمكن تحويل الثاني إلى الأول بالإكسير الذي يبدأ تركيبه من مزيج يشمل عنصري الكبريت والزئبق بنسب معينة محددة.
ويذكر المستشرق “هوليمار” أن الرازي قد صنف كتابًا في تفنيد المشككين والرد العنيف عليهم. وكان من المشككين بهذه الفكرة المترجم “حنين بن إسحق” وبعض العلماء والفلاسفة الذين سيكون على رأسهم ابن سينا، الذي تناول بالتفصيل عملية توليد الفلزات والمعادن ووصفها في كتابه “الشفاء”، وكذلك في الجزء الثاني من “القانون”.

العلماء وابن سينا

دارت بين ابن سينا والبيروني مناقشات واسعة حول هذا الموضوع، وقد كان للبيروني أيضًا إسهامات كبيرة في علم المعادن خاصة في كتابه “الجماهر” الذي حدد فيه كثيرًا من الأوزان النوعية لهذه المعادن والجواهر. حين يقسم ابن سينا المعادن إلى أربعة أقسام، وهي الحجارة، المواد القابلة للانصهار، الكباريت، الأملاح، نجده يسلك مسلك “جابر بن حيان” من حيث تكوين المعادن. وقد جاءت نظريته في هذا الموضوع مطابقة لنظرية جابر إلى حد كبير، وفي ذلك يقول: “إن المعادن كلها تتكون نتيجة لاتحاد الزئبق بالكبريت أو أجسام مشابهة لهما، فإذا كان الزئبق نقيًّا واتحد بالكبريت النقي الممتاز، كان الناتج فضة”.

اعتمد ابن سينا في دراسته وتحليله المواد الكيميائية وعلى الملاحظة التجريبية، أما التركيب الكيميائي فقد يصل إليه عن طريق القياس

ويحصر ابن سينا عملية التكوين الكيميائي للمعادن على أساس خصائص وصفات كل من الكبريت والزئبق من حيث النقاوة وعدمها، فإذا كان الكبريت غير نقي والزئبق كذلك، فإنهما ينعقدان ليكونا النحاس، ونفس الشيء إذا كان الزئبق فاسد ترابيًّا يعوزه التماسك، فإن الحاصل يكون حديدًا.
ولكن إذا كان ابن سينا يتفق وجابر في نظرية تكوين العناصر، فإنه يخالفه في عملية تحويل المعادن قصد الحصول على الذهب والفضة من المعادن الخسيسة. وإذا كان ابن سينا يعتمد في التحليل والتركيب الكيميائي على كل المواد النباتية والحيوانية والمعدنية مثل ما يفعل جابر بن حيان، فإنه لم يعتمد في وصف العناصر على التركيب الداخلي أو التحويل الجوهري للعنصر، بقدر ما اعتمد في هذا الوصف على الخصائص الطبيعية أو الفيزيائية، أو البنية الذاتية للعنصر في الطبيعة، وبذلك عمد إلى التجربة واستخلاص النتائج مخبريًّا.

منهجه في البحث

اعتمد ابن سينا في دراسته وتحليله المواد الكيميائية وعلى الملاحظة التجريبية، أما التركيب الكيميائي فقد يصل إليه عن طريق القياس، ولذلك ليس غريبًا أن ينتهي إلى النتيجة العلمية الدقيقة والصحيحة معًا -وهي “عدم إمكان تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة”- وإن كان يسلّم -كما يقول الفخر الرازي- فقط بإمكان صبغ النحاس بصبغ الفضة، والفضة بصبغ الذهب، وأن يُزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص. ويوضح ذلك في رسالة الإكسير؛ حيث نجد فيها فرقًا بين تحويل الجوهر من معدن إلى آخر وبين إصباغ المعادن، وهو ما يؤكد عليه في طبيعيات الشفاء، حيث يقول: “فيجب أن تعلم أنه ليس في أيديهم أن يقلبوا الأوضاع قلبًا حقيقيًّا، لكن في أيديهم تشبيهات حسية حتى يصبغوا صبغًا أبيض شديد الشبه بالفضة، ويصبغوه صبغًا أصفر شديد الشبه بالذهب، وأن يصبغوا الأبيض أيضًا أيّ صبغ شاءوا حتى يشتد شبهه بالذهب أو النحاس، وأن يسلبوا الرصاصات أكثر ما فيها من النقص والعيوب، إلا أن جواهرها تكون محفوظة، وإنما غلب عليها كيفيات مستفادة بحيث يغلط في أمرها”.
وهكذا أنكر ابن سينا إمكان التحول الكيميائي (Chemical Transmutation) بين معدن وآخر، كما يؤكد على ذلك مؤرخ العلم “جورج سارتون” في مقدمته. وعلى ذلك تكون أعمال الكيميائيين عنده، أعمالاً باطلة شأنها في ذلك شأن أعمال المشتغلين بالتنجيم، إذ إن ما يخلقه الله تعالى بواسطة الطبيعة هنا، تعجز عنه الصناعة.

(*) رئيس قسم الفلسفة والاجتماع، كلية التربية، جامعة عين شمس /مصر.
المراجع
(1) الشفاء (الطبيعيات)، لابن سينا، تحقيق د. محمود قاسم، دار الكتاب العربي، القاهرة عام 1969م.
(2) النجاة، تحقيق د. عبد الرحمن بدوي، القاهرة عام 1954م.
(3) رسالة الأكسير، تحقيق أحمد عطاس، إسطنبول عام 1953م.
(4) إخراج ما في القوة إلى الفعل، لجابر بن حيان، نشر بول كرواس، الخانجي، القاهرة عام 1935م.
(5) ابن سينا وكيمياؤه، فاضل أحمد الطائي، مجلة المجمع العلمي العراقي، ج25، بغداد عام 1974م.
(6) المنهج التجريبي عند ابن سينا، لبركات محمد مراد، المجلة الفلسفية المصرية، العدد:3، عام 1994م.

About The Author

أستاذ دكتور مصري متخصص في الفلسفة الإسلامية والفكر التربوي، ورئيس قسم الفلسفة جامعة عين شمس سابقًا. له مجموعة من الكتب منها: - التراث العلمي عند العرب - البيروني فيلسوفا - تأملات في فلسفة ابن رشد - فلسفة الإمام بن باديس في الاصلاح والتجديد ظاهرة العولمة رؤية نقدية - حقوق الملكية الفكرية

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.