طعون كثيرة هي الموجهة إلى علم الانثروبولوجي، وترجمته “علم الإنسان”، مرجع هذا، ذلك التطرف الفكري الذي يصيب بعض فرضيات الانثروبولوجيا، على نحو خاص فرضية التطور الوارد شرحها في كتاب أصل الأنواع لتشارلز داروين، والتي تعد المرجع الأصيل لمعظم الدراسات البيولوجية والوراثية وما يتصل بهما من بحوث أخري عديدة.

والحقيقة أن علم الانثروبولوجي هو علم حديث شهد القرن 18 بدايات بزوغه، وما إن جاء القرنين التاسع عشر والعشرين إلا وتطورت أدواته وفرضياته. فهذا العلم انطلق مع الحقبة الاستعمارية التي قويت فيها شوكة الغرب الأوروبي والذي اتخذ من علم الانثروبولوجي وسيلة لفرض هيمنته على العالم النامي، وذلك بدراسة الشعوب وأصولها بهدف التوصل إلى آليات تمكن من إحكام القبضة عليها والتحكم في ثرواتها، ونهبها ومسخ هويتها وبث الثقافة الأوروبية بما يضمن السيطرة مع استمرار التفوق الغربي تحت زعم سموه تنظيرًا بالأمم الأخرى.

وعبقرية هذا العلم الإسلامي تبدو في تأسيسه، كحقيقة علمية علم الانثروبولوجي قبل أن يولد هذا العلم كمتخصص مستقل، ومن ثم ولا جدال كان البيروني “أول عالم انثروبولوجيًّا” وإثبات ذلك أنه أول من وضع منهج علمي في دراسة الإنسان.

وإذا كانت النظرة السوداوية هي الطاغية على أصل وأساس نشأة علم الانثروبولوجي، إلا أنه ـوللحقيقة، حدثت موجات ثورية علمية تطورية، جعلت لهذا العلم موقعًا لا غنى عنه في المجتمع العلمي المعاصر، بفعل اجتياز بحوثه مجالات عدة تتصل بعلوم أخرى، أثر فيها وأثرت فيه، فتواري الكثير من أفكاره وفرضياته، أو بالأقل تعديل منطقها إلى حد كبير، فلا تخلو دراسة هذا العلم من فائدة، نتيجة للمجالات التي يتطرق إليها، وكلها متأثرة بالانفجار العلمي المعاصر، من التقنيات الوراثية إلى البيولوجيا الجزيئية ومنهما إلى تقانة النانو وتكنولوجيا التحكم البيئي، وتقنيات المعلومات والاتصالات وكل منتجات الثورة المعرفية التي لا تقع تحت حصر، ناهيك عن كشوف علمي الآثار والحفريات.

لذا جدر توجيه محافل الدراسات الإسلامية، إلى أن تضع علم الانثروبولوجي في مقدمة اهتماماته البحثية، فهذا العلم لم يعد مقتصرًا على فرضية أصل الأنواع، لقد تطور علم الانثروبولوجي ولابد من ملاحقة دراساته ومزاحمتها والتصدي للنتائج إيجابًا أو سلبًا، فليس من شان فرضية تصادرها الشريعة أن يصادر الاجتهاد الإسلامي علم الانثروبولوجي في مجموعه بإسقاطه من دائرة بحوثنا، بل إن الشريعة ذاتها تحرض على الإحاطة التامة بكل المعارف وحتى معارف الكفر والوثنية في أدق تفاصيلها، والسبب واضح ألا وهو إظهار محاسن شرعنا وحقائقه الربوية في مواجهة البدع العلمية، إذ كيف نرد على هذه البدع ما لم نكن محيطين بما يقولون وما يفعلون؟ إن الرد على الانثروبولوجيا المخالفة قواعد شرعتنا، من الأدق قطعًا والأوقع أن يباشره الانثروبولوجيون المسلمون.

فمثلا قام الانثروبولوجيون حديثًا بدراسة أصل الأسر المالكة في الجزيرة العربية، وأصل قبائل الحكام، وهذا نهج لا شك يمثل إضافات تاريخية وتراثية، وقبول بحث كهذا ومناقشة نتائجه، له انعكاساته وأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية على شعوب الجزيرة؛ إذ أنه من شان التحقق من سلف مشترك وقبيلة واحدة أن يهيأ كل ذلك إيديولوجية فكرية، تبحث بأسلوب علمي سبل توحيد بلاد العرب تحت راية واحدة

وهناك بحث علمي انثروبولوجي استرعى اهتمامي، حيث قام فريق من الباحثين بدراسة أصل سكان صيدا وصور اللبنانيتين، ذلك لأنه ساد بين شريحة اجتماعية كبيرة مقولة إن المسيحيين اللبنانيين هم فقط ما يصدق عليهم انحدارهم من الفينيقيون، وقد أثبت البحث عكس ذلك الافتراض وبالتالي تم دحض التفرقة الاثنية المزعومة بين المسيحيين والمسلمين فالجميع طبقًا للنتائج البحثية منحدر من شعوب البحر والذين اختلطوا بالكنعانيين منذ القدم.

والحقيقة أن علم الانثروبولوجي هو علم حديث شهد القرن 18 بدايات بزوغه، وما إن جاء القرنين التاسع عشر والعشرين إلا وتطورت أدواته وفرضياته.

ثم لماذا لا ندرس الانثروبولوجيا وفينا أبو حامد البيروني وابن خلدون …لقد وثق التراث الإسلامي سوابق معرفة أعلامنا بالانثروبولوجيا قبل أن يسمع عنها الغرب حتى القرن الثامن عشر الميلادي.

الفكر الانثروبولوجي للبيروني

أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، هو عالم مسلم من أصل فارسي ولد في العام 973م وتوفي في العام 1048م، ويعد البيروني أحد أبرز العلماء على الإطلاق، لا في القرن الحادي عشر الميلادي وحسب، بل وعبر العصور أيضًا، وحقيقة الأمر، أنه كان متعدد الجوانب الثقافية، وهذا واضح من أثاره العلمية الثابتة في مؤلفاته الرائعة التي تنتشر بالمكتبات العربية والأجنبية.

وعبقرية هذا العلم الإسلامي تبدو في تأسيسه، كحقيقة علمية علم الانثروبولوجي قبل أن يولد هذا العلم كمتخصص مستقل، ومن ثم ولا جدال كان البيروني “أول عالم انثروبولوجيًّا” وإثبات ذلك أنه أول من وضع منهج علمي في دراسة الإنسان.

لقد كان كاتبًا محايدًا فهو يبحث مجردًا من أية ميول عصبية وذلك في كافة الظواهر التي يعاينها وهذا ما نلمسه في أحاديثه عن عادات ومعتقدات الشعوب، وكان البيروني أول عالم مسلم يدرس المجتمعات الهندية وعاداتها وفضلاً عن ذلك، فقد وضع دراسات مقارنة مفصلة تفصيلاً عن انثروبولوجيا الأديان والثقافات في منطقة الشرق الأوسط، وحوض البحر المتوسط، خصوصًا جنوب أسيا، ولم تكن الدراسات الانثروبولوجية للأديان ممكنة إلا لعالم متعمق بشدة في معارف الشعوب الأخرى.

وإذ اشتهر كرياضي وعالم فلك وتاريخي وخبير في العلوم الطبيعية، فقد استخدم البيروني اهتماماته المتشعبة التخصصات من وجهة نظر انثروبولوجية، إن هذا الاهتمام وهذه المعرفة ساهما في تشكيل الوعي الثقافي للبيروني، الذي يتجلى في كتابه العظيم “تاريخ الهند” وإذ عاصر البيروني الفترة التي شهدت ذروة الانجازات الثقافية والعلمية الإسلامية، فقد انصب تركيزه على اهتمامات انثروبولوجية حديثة بما في ذلك الطبقات الاجتماعية ونظام التقسيم الطبقي والطقوس والعادات والتقاليد والممارسات الثقافية وقضايا المرأة.

وبالانتقال إلى فرضيات ابن خلدون في العلوم الاجتماعية نجد أنها شكلت مداخل الفكر الانثروبولوجي سواء لديه، أو لدي الانثروبولوجين المعاصرين، فبعض كتب ابن خلدون تغطي تاريخ البشرية حتي عصره، بينما تغطي كتب أخري له تاريخ البربر، سكان شمال إفريقيا، و الذي لا يزال يعد عملاً مهمًا لمؤرخي اليوم، حيث أنها تستند إلى المعرفة الشخصية لابن خلدون بالبربر قبل أن يولد علم الانثروبولوجي كتخصص مستقل أساسًا، فإضافة إلى توصيفاته وتحليلاته المفصلة لتفاصيل حياة جماعات البربر وطبيعتها، اجري ابن خلدون دراسة مقارنة بين مختلف علماء الأنساب العرب والبربر الذين سبقوه بفترة طويلة، وخلص في تحليله إلى أن أجداد البربر وفدوا في الأصل من سورية، بينما وفدت بعض القبائل وتحديدًا قبيلة صنهاجة وقطامة من اليمن ويتفق هذا الاستنتاج، الذي خلص إليه ابن خلدون مع النتائج الوراثية الحديثة التي توحي بأن ثمة خلفية وراثية مشتركة بين البربر الحاليين والعرب.

وبالانتقال إلى فرضيات ابن خلدون في العلوم الاجتماعية نجد أنها شكلت مداخل الفكر الانثروبولوجي سواء لديه، أو لدي الانثروبولوجين المعاصرين

وفيما يتعلق بعلم الاجتماع، خلص ابن خلدون إلى نظرية الصراع الاجتماعي، وقسم حياة المجتمعات إلى حياة استيطان في مقابل حياة الترحال، فضلًا عن الفقدان الحتمي للقوة الناجم عن غزو محاربي الصحراء لمدينة ما، و انتهي إلى مفهوم محوري يعرف بـ”العصبية” ترجم لاحقا إلى “الانسجام الاجتماعي” أو “التماسك الاجتماعي” أو “القبلية”.

ساهم ابن خلدون أيضًا من خلال كتاباته بأفكار ساعدت العلماء التاليين له على وضع أساس معرفي لما نعرفه حاليًّا باسم علم الانثروبولوجيا البيولوجي، وتحديدًا موضوع التطور البيولوجي وأصل الإنسان، وحقيقة الأمر أن الفكرة العامة للتطور البيولوجي ظهرت قبل داروين بألف عام على يد المفكر والكاتب العراقي عمرو بن بحر الجاحظ ( 800م :868 م) في كتابه الرائع ” الحيوان ” الذي ناقش فيه للمرة الأولى السلاسل الغذائية، وكان مؤيدًا كبيرًا للقدرية البيئية، حيث حاجج بأن البيئة تمكن أن تحدد السمات المادية للكائنات التي تعيش فيها، وأن أصول ألوان البشرة البشرية المختلفة هي نتيجة حتمية للبيئة.

وكان الجاحظ أيضا أول من وصف الصراع من أجل البقاء، وقدم لنا نظرية مبكرة عن التطور وفقًا للانتخاب الطبيعي، واعتبر واضعًا لنظرية التطور. ولاحقًا وضع ابن الهيثم (1000م : 1038م ) كتابًا قال فيه بنظرية التطور، وناقش ابن مسكويه خلال الفترة نفسها ( 1000م : 1030م ) أفكارًا تتعلق بالتطور، وبعد ذلك طرح ابن خلدون ( 1332م : 1406م ) هذا الموضوع في فقرات موجزة ، لكن بقدر أكبر من الدقة كما ورد في مقدمته.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.