هناك أشخاص يتحلَّون بموهبة قراءة أفكار الآخرين وخواطرهم.. هذه حاسة يسميها العلماء حاسة الإحساس الفذ، أو الإحساس المسبق وهو التنبؤ. إنها الحاسة السادسة، وهي حاسة لا إرادية تظهر في بعض الأحيان. وقد سميت بالحاسة السادسة لأنها لا تَستخدم قنوات الحواس الخمس للتوصل إلى المعلومات، ومن خلالها تنتقل المعلومات من اللاوعي إلى العقل الواعي. وقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن الحاسة السادسة لدى كل إنسان تظهر بصورة واضحة عند الشعور بالخطر، وتوجد فعليًّا في جزء من المخ يتعامل مع حل الصراعات.

تقول “جيرترود شميدلر” أستاذة علم النفس بجامعة نيويورك، إنها قد استخلصت من دراسات أجرتها، أن أغلب الناس لديهم الحاسة السادسة، وعن طريقها تتحقق تخميناتهم أو استبصاراتهم -بشكل أو بآخر- خلال حياتهم اليومية.

وقد تتعرف أحيانًا على شخص وسيم لبق رقيق، لكن لا ترتاح نفسك إليه، بل على العكس ينتابك هاجس لا تدرك مصدره، ولا تعرف له سببًا ينفّرك منه، وكأنما هاتف من أعماقك يطالبك بأن تتجنبه.. وإذا ما توطدت علاقتك به، أثبتت لك الأيام صدق إحساسك الخفي الذي حذّرك منه.. وهذا أيضًا مظهر من مظاهر الحدس أو الاستبصار أو التنبؤ.

وقد ذكر “آرثر كوستلار” أن الحاسة السادسة إحدى اثنتين: إما أن تكون نابعة من قوى وقدرات ووظائف روح الإنسان، وهي بذلك قدرة تتجلى وتتفتح تدريجيًّا مثلما ينمو الحس والضمير والوعي درجة بعد درجة تصاعديًّا على سلم النمو والتطور.

وإما أن تكون على عكس ذلك؛ حاسة بدائية قديمة من خصائص الإنسان البدائي القديم، كان في أمس الحاجة إليها كوسيلة للاتصال، ثم ضمرت وتلاشت وحلت محلها أشكال الإدراك والاتصال الحسية الأخرى.. وفي كلتا الحالتين ينطوي الاحتمالان على احتمال ثالث، وهو احتمال بعث الحاسة السادسة من جديد عن طريق روحانية الإنسان، أي عن طريق تدريب وتقوية قواه الروحية.

وتفسير “كوستلار” السابق -على ما فيه من حيرة- يؤكد أهمية متابعة دراسة ظواهر البارا سيكولوجي عامة، والحاسة السادسة بصفة خاصة على وجه مكثف.

والحاسة السادسة موجودة لدى كل البشر، ولكن بدرجات متفاوتة. وذلك يتوقف على بعض العوامل، مثل صفاء الذهن، وهدوء الأعصاب، واعتدال المزاج.. فكلما كان الإنسان في حالة جيدة تنشط الحاسة السادسة والعكس صحيح.

ويرى بعض الباحثين أن الإنسان كلما اقترب من الفطرة وكلما كان تلقائيًّا بسيطًا ومرتبطًا بالطبيعة، زادت الحاسة السادسة لديه؛ لأنه قد يعتمد عليها في أمور حياتية كثيرة. كما أن القبائل الإفريقية، وكذلك سكان أستراليا الأصليون، يعتبرون هذه الحاسة طبيعية، ويستطيعون عن طريقها توقع التقلبات الجوية ومعرفة أماكن المياه في الأرض، وبعض مظاهر تقلبات الطبيعة الأخرى.

ويتفاوت مسمى “الحاسة السادسة” لدى الناس ما بين الحدس، والبديهة العالية، على الرغم من أنها ليست كذلك بالمعنى الدقيق. فقد ميزها الفلاسفة والمفكرون عن الفراسة والذكاء والفطنة، لأنها لا علاقة لها بالعقل الظاهر، أما علم “الباراسكولوجي” فيرى أن مركزها العقل الباطن.

ولعل الحاسة السادسة هي ذكاء القلب وإحساسه المتقد، تبدو كذاكرة مؤجلة تأتي على شكل تخيل أو توقع نتيجة إحساس فطري لا إرادي، يمكّن صاحبه من توقع أمور أو حالات تومض داخله كبرق، تتعلق بما يخصه أو يخص الآخرين.. وبمعنى آخر هي إدراك الأحداث التي ستقع دون استخدام حواسنا المعروفة كالبصر واللمس والسمع والشم والتذوق.

والحقيقة أن الحاسة السادسة هي جزء طبيعي من العقلية البشرية، وليست حكرًا على الأشخاص الموهوبين. وقد زود كل إنسان منذ اللحظة الأولى التي يخرج فيها للحياة بما يمكنه من الاتصال بالعالم الروحي، والذي يتخلص فيه من الجسم المادي ويسمو بروحه التي تحركه حيثما تشاء، وهي نفس النظرية التي استخدمت الإلكترون في نقل المعلومات عبر الأجهزة مثل التلفزيون والراديو.

وقد لوحظ قديمًا وحديثًا أن ثمة أعدادًا متزايدة من البشر من مختلف الأعمار، تبرز لديهم قدرات تمكنهم من القيام بأعمال يعجز عنها الآخرون، وتتجاوز المدى الحسي المتعارف عليه، وتحدث من غير وسائط حسية، منها القدرة على التواصل مع الآخرين تخاطريًّا، ورؤية أحداث خارج المدى الحسي العادي ومعرفة أمور تحدث في المستقبل، والتأثير في الناس والأشياء الأخرى، والاستشفاء وتحريك الأشياء، وإلحاق الأذى بالآخرين، وتعطيل وتدمير الأشياء الأخرى.

أين توجد الحاسة السادسة؟

الحاسة السادسة مصطلح فضفاض يشمل الظواهر النفسية الخارقة، كالإلهام والتخاطر والاستبصار والرؤية عن بعد.. وما يزيدها غموضًا هو عدم اكتشاف مكانها داخل الجسم أو علاقتها بأي عضو فيه لدرجة تبدو دائمًا كفيض يرد من خارج الجسد المادي نلمس نتائجها من خلاله.

في كتابه “الحاسة السادسة” يقول الدكتور “جوزيف سينيل”: “تعد الغدة الصنوبرية مصدر الحاسة السادسة في الحيوانات الفقارية والمسؤولة عن تواصلها من مسافات بعيدة، وبفضلها تنسق الحيوانات أعمالها، وتشعر الأم بالمخاطر التي تحيط بصغيرها ولو كان على بعد أميال. وقد دلت أبحاثي على مسؤولية هذا العضو عن التواصل الغريزي والاستثنائي لدى الإنسان. كما اتضح أنها في الحيوانات أكبر منها لدى الإنسان، ولدى الرجل البدائي أكبر منها لدى الرجل المتحضر، ولدى الأطفال أكبر منها لدى البالغين”.

ومن الثابت حاليًّا أن الغدة الصنوبرية حساسة جدًّا للضوء، وتتأثر بالذبذبات الكهرومغناطيسية الضعيفة. وهي تقع في الحيوانات الثديية في مؤخرة الرأس (تحت الجلد مباشرة)، مما يتيح لها التفاعل مع الضوء والظلام. وبفضل حساسيتها للضوء -وزمن الإضاءة- تنظم حياة الكائنات تبعًا لتغير الفصول وطول النهار. فهي المسؤولة -مثلاً- عن توقيت سن البلوغ واليأس لدى الحيوانات، وهي التي تحثها على التزاوج في فصل الربيع أو بداية الصيف، بحيث تأتي المواليد بعد الشتاء.

أما لدى الإنسان فتقع هذه الغدة خلف عظام الجمجمة، مما يصعب وصول النور إليها مقارنة ببقية المخلوقات. ولكنها في المقابل تتأثر بالأشعة السينية والكهرومغناطيسية التي -بعكس الضوء- تستطيع اختراق العظام والتغلغل بداخلها. وبما أن دماغ الإنسان نفسه يصدر ذبذبات كهربائية وتموجات مغناطيسية، يعتقد بعض العلماء أن الغدة الصنوبرية مسؤولة عن استقبال هذه التموجات من أدمغة الآخرين والتواصل معهم عن بعد. كما يعتقد البعض الآخر من العلماء بأنها مسؤولة عن الظواهر النفسية الخارقة، وتلعب دورًا مهمًّا في توارد الخواطر، واستشفاف المستقبل، والإحساس عن بعد، والشعور المسبق بالكوارث.

وقد وصفها الفلاسفة الهنود بـ”العين الثالثة”، وقال عنها الفيلسوف الفرنسي “ديكارت”: إنها الجهاز المنسق بين الروح والجسد”. في حين ادعى بعض المتصوفة أنها تكبر بكثرة التأمل والسجود، وتضمر بكثرة الترف والبعد عن الله. وللعلم فإن محاولة تحديد العضو المسؤول عن الأحاسيس الخارقة، يعود إلى أيام أرسطو وأفلاطون، مرورًا بابن سينا وابن رشد.

الحاسة السادسة مذكورة في القرآن كما في قصة سيدنا سليمان  مع النمل، وهي موجودة لدى الإنسان والحيوان الذي يفزع ويهرب قبل وقوع الزلزال. إنها حالة روحانية بين الكائن الحي وربه يصعب تفسيرها علميًّا. ويسمى هذا النوع من الشعور في الإسلام “فراسة”.

والجدير بالذكر أن هذه المقدرات والمنح الربانية للإنسان، لا تصطدم بمعرفة الغيب، لأنها تقرر مواقف وتستبصر أشياء خارجة عن نطاق الغيبيات، وهي صفات ثابتة يعرفها صاحبها وبعض من حوله مع علم التوسم كتوقعات بحدس الحاسة السادسة.

وقد أجريت دراسات مطولة في جامعة كاليفورنيا.. أثبتت هذه الأبحاث أن الإنسان يستطيع أن يرسل إشارات حسية للغير، كما يستقبل من الغير إشارات، أو يحس بأحداث أثناء وقوعها في مكان بعيد، بل حتى قبل وقوعها.. وأثبتت أيضًا أن بعض الموهوبين يستطيعون التأثير على أفكار الغير، فيوحون إليهم بفكرة ما، أو سلوك معين عن طريق الاتصال الخاطري الحسي البحت، كما يستطيع بعضهم قراءة أفكار الغير والشعور بالأخطار التي تحدق بهم.

ويكون الإنسان في أقصى حالات القدرة على الإرسال أو الإيحاء كلما اشتدت انفعالاته وهياجه الوجداني، بينما يكون في أقصى حالات الاستقبال والاستبصار عندما يكون راقدًا مسترخيًا على قدر كبير من الراحة وصفاء الذهن واعتدال المزاج وهدوء الأعصاب، وعناصر شخصية ونفسية أخرى متشابهة، مثل حسن التكيف الاجتماعي، والثقة بالنفس، والاستقرار الوجداني، وحسن العلاقة مع الآخرين، والنفسية المنبسطة، واتساع شبكة العلاقات، والإيمان بالله، ودماثة الخلق. ولعل في تفسير العامة لأسباب الغصة (الشرقة) ورفيف الجفون ما يساير هذا الرأي، علمًا بأنه تفسير قديم يتصف بالعمومية في معظم المجتمعات المحلية، ويعتبر من الموروثات الشعبية.

(*) استشاري في طب وجراحة العيون / مصر.

المراجع

(1) لغة العيون، محمد عزت محمد عارف، دار الفضيلة، مصر.

(2) موقع ما وراء الطبيعة الالكتروني، مقال الحاسة السادسة بقلم نسمة أبو الفتوح.

(3) بحث عن الباراسيكولوجي، رينيه سودر.