عزيزي عبد الله! لقد كنتُ دائمًا أتحدث باسمك، وأقوم بإبلاغ الآخرين مطالبك وأفراحك وأحزانك واستبشارك واستياءك، وأقوم بدور الترجمان لما يدور في خَلَدك من الأحاسيس، ويَعْلَقُ بذهنك من الأفكار. واسمح لي أن أتحدث هذه المرة عن نفسي، وحذار أن يتبادر إلى ذهنك أني قد حسدت إخواني الآخرين من الأعضاء والجوارح، بل على العكس؛ فنحن لا نتحاسد فيما بيننا، بل يقوم كل منّا بمساعدة الضعيف منا ويؤدي واجبه الذي أناطه الله به في تساند وتعاون تامين، فليس لأحد منّا فضل على الآخر. ونحن نقوم بأداء واجباتنا ووظائفنا حسب ما أمرنا به ربنا.
فكل منّا قد خلق على هيئة وذا خصوصيات ومزايا توافق وظائفه، فمن غير المعقول الحديثُ عن فضل أحد منّا على الآخر أو انتقاصه، فلن ترى فينا أحدا خلق عبثًا. غاية ما في الأمر أني أردت أن أظهر لك أني لا أقلل من أهمية الجوارح الأُخرى، بل قصدي هو أن أبعثك على التفكر المشفوع بأحاسيس الشكر.
وقد يتصورني البعض وكأني قطعة لحم غليظة لا أستقر في مكاني، والحال أني لست قطعة لحم عاديٍ بتاتًا، فقد يستطيع الأطباء الحذّاق التوصل إلى تشخيص بعض الأمراض عن طريق لوني؛ فمن أشهر تلك الأعراض أن لوني يكون أبيض في الحُمّيات، وبُنّـيًّا غامقا في حُمّى التيفوئيد، وأسود في الفطريات، ويكون سطحي أملس (غير خش) عند نقص الحديد وفقر الدم ونقص الحامض النيكوتيني الذي هو من فئة الفيتامينات “ب”.

مهامي ووظائفي

وإن سألت عن وظيفتي الرئيسية التي تتبادر إلى الأذهان فيمكن الجواب بأنني آلة النطق الذي هو الميزة التي تميّزك وأبناء جنسك من بني الإنسان عن سائر أصناف الحيوانات، غير أن القدرة على النطق ليس منوطًا بي وحدي؛ فقبل كل شيء، إن المخ المتحكم في كل الجوارح ينظم كل حركاتي أثناء الكلام، لأنه هو المنسق لي ولكل الأعضاء. ويساعدني في تمكينك على الكلام أسنانُك وشفتاك وبالأخص الأوتار الصوتية التي في حنجرتك، ورئتُك التي هي بمثابة مضخة هواء. فقد لاحظت كيف أن أعضاء كثيرة تتعاون فيما بينها لتتمكن أنت من الكلام.
ولي مهمة ثانية وهي أن أقوم بدور البوّاب والمشرف لأساعدك على تذوق طعوم ما لا يحصى من أنواع الفواكه والأطعمة اللذيذة، وبفضل ذلك تكون على علم ودراية بكل ما تتناوله من المأكولات النباتية أو الحيوانية. ولولاي لمت من جراء كثير من النباتات السّامة التي تتناولها لإشباع بطنك وسد جَوعتك، وإني بمجرد ما أُلامِس كثيرًا من المواد المرّة الكريهةِ الطعمِ أعرف في الوقت نفسه أنها سامة ومضرة، وأنبهك فورًا إلى أن تمُجّها؛ وبالمقابل إنك حينما تتناول الأطعمة الحلوة اللذيذة أكون وسيلة لتذكر ربك صاحب القدرة اللانهائية وتشكره على إنعامه عليك بمثل هذه النعم، ولكن نهمي وشغفي لهذه الدرجة بالطعم اللذيذ لهو ابتلاء وامتحان لك. فعليك أن تكون حذِرا وتضبط نفسك، فالخالق جل وعلا ربط هذا الجانب مني بنفسك ليكون بمثابة سُلّم لك نحو المعالي، ولكن إذا وقعت في فخ النفس وأسأت استخدام قابلية التذوقِ وتلذُّذِ الطعم المودعة فيَّ كأن تأكل وتشرب كثيرًا إلى حد الإضرار بجسمك، فأنت ستتحمل مغبة ذلك وتدفع ثمنه. فإني بمقتضى مهمتي المنوطة بي أتذوق كل شيء، وأما الانضباط واستعمالُ الإرادة وعدمُ الرضوخ لمطالب النفس فهو من مهامك أنت؛ فقد تأكل من الحلوى (البَقْلاوة) شريحة واحدة أو عشر شرائح، وفي كل مرة فأنا لن أستطيع منعك من ذلك لأن عملي هو استذواق الطعوم ولا شيء غير ذلك، فإياك أن تلومني على ذلك.
ولي مهمة أخرى لا يعلمها كثير من الناس وهي أني بتحركي داخل الفم أبعث على تولد ضغط سالب (-)، وقد تتساءل: “ماذا يُجدي هذا الضغط السالب؟” إن هذا النوع من الضغط لا بد منه ليتمكن الأطفال الرُّضَّع من ارتضاع أثداء أمهاتهم، فأنا بذلك أسهّل عليهم عملية الرضاع.
وأيضًا لي دور مهم جدًّا في أداء عملية المضغ والبلع، -كما لا يخفى على كثير من الناس-؛ فأنا أقوم بتقليب ما تتناوله من الأطعمة والأغذية في فمك وأخلطها كما يخلط الخلاّط (الماكنة) الأسمنتَ، وأبللها وأليّنها بما تُفرِزه الغدد اللعابية من الإفرازات وأجعلها مهيأة للبلع، وأخيرًا أدفع اللقمة إلى البلعوم لتبلعها. وعليَّ أن أكون حذرًا ومتيقظًا جدًّا أثناء قيامي بهذه الأعمال؛ فأي خطأ وإهمال يبدر مني قد يؤدي إلى أن تعَضّني أسنانُك وبالتالي أسبب لك الألم.

تركيبتي العجيبة

ولا بد لأدائي لهذا الكمّ من الواجبات والوظائف من بنية تتمتع بتركيبة دقيقة مؤلفة من أنسجة وخلايا فائقة الدقة. وفعلاً إن ربنا الذي لا يخلق شيئًا عبثًا جهز لكل مهمةٍ ما يناسبها من الأجهزة الخارقة من حيث جمال الصنعة ودقتها.
وهيكلي الأصلي يتألف من سبع عشرة عضلة متشعبة وممتدة إلى شتى الجهات، وثماني عضلات منها مزدوجةٌ يتخللها نسيج دهني وكمية من الغدد اللعابية.
وأستطيع تغيير حجمي وشكلي ووضعي أكثر بكثير من الأعضاء الأخرى؛ فأنا أكثر الأعضاء المودعة فيك مرونة وقابلية على الحركة وتغيير الشكل. ولكي أستطيع التحرك بحرية تامة نحو كل الجهات غُطِّي هذا الكمّ من العضلات بغشاء مخاطي.
وتوجد على سطحي وجوانبي نتوءات تسمى “الحُلَيمات”. وهذه الحُلَيمات لها أشكال متعددة، وتحتوي على براعم التذوق التي يتحقق من خلالها عملية التذوق، وعلى الغدد اللعابية التي تساعد على بقائي دائمًا رطبًا ونديّا، ولا توجد هذه البراعم في الثلث الأخير من جهتي الخلفية (الجذر) التي صُوِّرَت حدودها بأنها على شكل “7”، وتوجد في هذا القسم كمية كبيرة من الغدد اللعابية والأنسجة اللمفاوية التي تعرف باللَّوْزات اللسانية. وكثير من الميكروبات التي تدخل الفم تَعْلَقُ بهذه المنطقة ويحال دون إضرارها بالجسم.
وتسمى الحُليمات التي تغطي سطح اللسان بأسماء مختلفة حسب أشكالها (الخيطية – الكمئية – الكأسية)، ولا توجد براعم التذوق في حليماتي الخيطية، فدورها المساعدة على تحريك الطعام وتقليبه أثناء المضغ والبلع بفضل سطحها الخشن واحتكاكِها به. وبهذه الحليمات أحوّل أجزاء الطعام التي فتِّتَتْ بالأسنان وبُلّلت باللعاب إلى لُقَيمات يسهل بلعها.
والحليمات الكمئية (التي تشبه الكمأ: الفطر) المتوزعةُ في ثنايا الحليمات الخيطية هي على شكل عُقد، وتتواجد في المنطقة الوسطى من ظهر اللسان، وتحمل في طياتها براعم التذوق.
وأقل الحليمات عددًا لكن أكبرها حجمًا هي التي تحدثنا عنها آنفًا بأنها توجد في الجزء الخلفي من قاعدة اللسان وتتموضع على شكل رقم سبعة (7)، وتسمى هذه الحليمات الكبيرة التي يصل عددها حوالي 13 حليمة بالحليمات الكأسية. وهذه أيضًا تحمل براعم التذوق.
وتوجد على كل واحد من براعم التذوق الموجودة في الحليمات الكمئية حوالي 50-70 خلية مستقبلة للتذوق. وعُمر هذه الخلايا يتراوح بين 7-10 أيام. والخلايا التي تموت بسبب تناول الأطعمة الحارة أو الأسيد (الحامض) يخلق بدلاً عنها خلايا جديدة ترتبط برؤوس الأعصاب الذوقية.
ولا بد لقيام مستقبلات التذوق بأداء وظائفها أن تكون المادة التي تتناولها مبللة وذائبة في الماء، ولذلك لا أستطيع أن أتذوق الأشياء الجافة فور تناولها، ولكن ما إن تتبلل وتذوب هذه الأشياء إلى حد ما حتى تقوم خلايا التذوق التي يتم فيها التحليل في وقت قصير أدق مما يفعله أي مختبر كيميائي.. تقوم هذه الخلايا بتحويل هذا المحلول الكيميائي إلى تيار كهربائي وتوصله إلى دماغك، وهذه العملية تؤدي إلى إحساس الدماغ بالطعم.

أنواع الطعم

ومع أن أنواع الطعم كثيرة إلا أنها تنقسم إلى أربعة أقسام رئيسية؛ فالخلايا التي تستقبل الطعم الحلو مجتمعة في الجزء الأمامي منّي، والتي تستقبل الطعم المالح قد توزعت بشكل متوازن في السطح العلويّ، والمستقبِلة للمرّ في القسم الخلفي، بينما المستقبلة للحامض قد توزعت على جانبيّ. وأما القسم السفليّ مني فهي -بدءا من القمة إلى أسفل الفم- طبقة مخاطية ملساء لا توجد فيها حليمات، وهذه المنطقة يبدو لونها بنفسجيا لأن معظم عروقي التي أتغذى بها تمر منها.
وهناك مثل يضرب للّسان كِناية عن كثرة الكلام حيث يقال: “ليس للسان عظام”، ولكن هذا خطأ، فإن لي أيضًا عظمًا ذا رأسين، والعضلات والأنسجةُ الرابطة التي في جذري تربطني بعظمي هذا ربطًا محكمًا، وهذا العظم مرتبط بفكك الأسفل. ولكن لأنه ليس في القسم الأمامي مني فلا يشكل عائقًا لحركتي، وبالتالي أنطق بكل ما يدور في قلبك وعقلك بسهولة ويسر.

أعراضي وأمراضي

وكما أن للأعضاء الأخرى أمراضا تتعرض لها، فإني كذلك أتعرض للأمراض. والحقيقة أن معظم هذه الأمراض هي من جنس ما تتعرض له الأعضاء الأخرى أو من مرض ناتج من خلل أيْضِيٍّ عام، لكنها في الوقت نفسه تؤثر سلبيًّا على مظهري الخارجي وتغير لونه. فعلى سبيل المثال؛ إن أكثر ما أتعرض له من الأمراض هي القروح الأفثية (القُلاعية)، ففي حين أن منها ما يعرض نتيجة التوتر النفسي والأرق ونقص الفيتامينات، فهناك من القروح القلاعية ما يكون من أعراض مرض “بهجت” والذي يتعرض له الإنسان نتيجة خلل في الامتصاص. وهذه القروح منها ما يدوم لمدة أسابيع ويؤلم كثيرًا، ففي هذه الحالة قد تعاني يا عبد الله كثيرًا من الأوجاع، خصوصًا أثناء الكلام أو تناول الطعام. ومرض الزهري (الفرنجي) والقوباء وأمثالها من الأمراض تظهر أعراضها عليَّ على شكل قروح. وقد يؤدي التدخين وتناول الساخن من الطعام والشراب إلى إصابتي بالسرطان.

عزيزي عبد الله!

إن أعضاءك التي لا تنطق عادة قد تحدثتْ عن نفسها بلسانها، وأما أنا فأتكلم على الدوام، غير أني كنت أقوم دومًا بدور الترجمان عن أحاسيسك وأفكارك، وعلى كل حال فجميع ما أتفوّه به من خير أو شر فوباله عليك، لأني في هذا الأمر مربوط بإرادتك، وأما اليوم فقد تكلمتُ بلساني وباسم خالقي.
ويوجد في تراثكم مثل رائع يقول: “حافظ على يديك ولسانك وصلبك”، وكما يُفهم من هذا المثل فإنه ليس بيدي الحفاظ على نفسي وليس لأحد غيرك أيضًا الحفاظ عليَّ. واعلم جيدًا أني لست عبارة عن مجموعة من الأعصاب والعضلات، وإياك أن تنسى أني قد أكون آلة وواسطة لسموك إلى المعالي أو هبوطك إلى الحضيض.
ومن الآن فصاعدًا إذا أكلت تفاحة مثلاً فلا تبلعها قبل أن تمضغها جيدًا، بل امضغها على مهل وتريث إلى أن أتذوقها جيدًا، وبذلك تجد الفرصة لأداء الشكر على تلك النعمة، وتتفتح لك الآفاق الواسعة نحو إدراك العبودية تجاه ربك الذي رزقك تلك التفاحة وأودعني في فيك لتتذوق طعمها.
_______________
(*) الترجمة عن التركية: أجير أشيوك.

About The Author

أستاذ محاضر في البيولوجيا بجامعة 19 أيلول بمدينة إزمير. تركيا

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.