انتبه أيها الإنسان! لا تلمسني وإلا وُخذتْ يدُك! نعم، كما توقعتَ أنا القنفذ؛ رحالة الحقول والحدائق والبساتين، والمتنقل بين الأشجار والأعشاب والأدغال في الليالي، بغية الحصول على رزقه أو إيجاد لقمة عيشه من خشاش الأرض.
لقد وُهبتُ لباسًا يحميني من المخاطر ويقيني من الحيوانات المفترسة. أجل، فبدلاً من شَعر أبدانكم أنتم البشر، عوَّضني ربي بجلدٍ تعتريه الأشواك، أو بعبارة أصحّ، إن العليم الذي أنبت في جلدكم شَعرًا ناعمًا لينًا، زودني بجينات تحتوي على أنظمة بيوكيميائية خاصة مشفّرة، تقوم بإنتاج أشواك غليظة وحادة في جلدي بدل الشعر الناعم لديكم، يصل طول الواحدة منها إلى 2-3 سم، وعددها 5.000 شوكة تقريبًا. أما لون هذه الأشواك فيبدأ بالأسود أو البني من جهة الجذور وينتهي باللون الأبيض المائل إلى البيج عند الأطراف. فهي أشواك صلبة وخفيفة؛ لأنها مجوفة ومليئة بالهواء، ثم إنها مدعومة بحلقات دائرية من الداخل حتى تزداد متانة. أما جذور هذه الأشواك المجزّأة إلى صفائح رقيقة، فمزوَّدة بعُقَدٍ صغيرة تقلل تأثير الضغوط الخارجية وتمنع الأشواك من انغراسها في جسدي.
أدافع عن نفسي بمساعدة حُزَم العضلات الصغيرة في جذور أشواكي، إذ تقوم هذه العضلات بتنشيط الأشواك وتصويبها إلى جهات مختلفة لتشتبك ببعضها وتكوِّن حاجزًا مانعًا لا يمكن خرقه. أقوم بهذه العملية إذا شعرتُ بالخطر طبعًا.


لا تظنن عزيزي الإنسان أن أسراري كامنة في أشواكي فقط، بل كل جزء من جسمي أعجوبة من العجائب. إن السَّبْلة العَضَلية الكائنة تحت الجلد تغطي جسمي من جميع أطرافه مثل اللباس تمامًا، الأمر الذي يسهّل عليّ تكوير نفسي عند الشعور بالخطر؛ ألتقط ذنبي بفمي وأتكوّر لأصبح كرة شوكية مؤلمة، أيْ ترتبط أطراف السبلة العضلية في الجزء السفلي من البطن، بعضلة حمراء تسمى “الدُّوَيرية” (Orbicularis)، وبذلك أتحول إلى شكل يشبه الكيس المربوط من الفم، فأكون قد غطّيتُ المناطق الضعيفة من جسمي وحميتُ بطني العاري من الشوك داخل هذه الكرة. إنها طريقة خارقة في الدفاع عن النفس أليس كذلك؟


ثمة أمر يجب ذكره عزيزي الإنسان حتى لا تلومني فيما بعد؛ إني بمثابة مأوى للقراد والبراغيث والقمل من الطفيليات، والسبب في ذلك عدم قدرتي على تنظيف لباسي وحكّ المناطق بين أشواكي. ولعل ذلك ما يجعلني من أكثر الحيوانات الحاملة للطفيليات، بل إن كل واحد منّا يؤوي بين أشواكه نحو 1000 قملة. لهذا السبب فإن فيّ مرضًا مُعديًا تسمُّونه “داء اللولبية النحيفة” المعروف بالطفيليات الداخلية المُعدية، فأنصحك أن تكون حذرًا عندما أتبوّل، لأن هذا الداء ينتقل عن طريق البول في غالب الأحيان.
إن اللعاب الرغوي الذي أفرزه من فمي مؤثر للغاية؛ حيث أمسح به أشواكي لأكسبها طعمًا تَنفر منه الحيوانات المفترسة والطفيليات التي تعيش على جلدي من جانب، ومن جانب آخر لأتواصل مع بنات جنسي وأحدد لها مكاني للتزاوج والتكاثر.


أفضل التجوّل والبحث عن الطعام في الليل، فعيوني ترى جيدًا في الظلام ولكن باللون الأبيض والأسود فقط. حاستَي الشم والسمع لدي قويتين للغاية، والشاهد هو الحجم الكبير للفص الشمي في دماغي. لقد زودني خالقي بعضو إضافي للشم يسمى “عضو جاكبسون”، وهو موجود كذلك عند بعض الثدييات، تستخدمه لتحديد موقع الفريسة أو تحديد مكان الزوج.
إن ذكورنا تتميز بالغدة الشمية. وإن إناثنا تخبر ذكورنا بحلول موسم التكاثر بالرائحة التي تفرزها وترسلها عن طريق جهازها التناسلي. أما ما ينتجه فمي من إفرازات فيتميز بدسامته ودُهنيته.
نتوزّع نحن القنافذ -كغيرنا من الحيوانات- إلى فصائل وأنواع.. فطويل الأذنين (Hemiechinus Auritus) يملك حاسة سمع أقوى من أنواعنا الأخرى؛ فالحد الأقصى للسمع عنده يبلغ 45.000 هيرتز، أيْ ضِعف سمعكم عند الترددات العالية، إذ أنتم البشر تسمعون الذبذبات التي تتراوح ما بين 18.000-20.000 هيرتز فقط. وعن طريق خاصيتنا هذه، نستطيع تحديد مكان الدودة، وأمّ الأربع والأربعين، وغيرهما من اللافقاريات، بمجرد تحرُّكٍ بسيط منها، فنحفر مكانها بسرعة ثم نتناولها بعافية وهناء. أما الحد الأدنى للسمع لدينا، أي سماعنا الأصوات منخفضة الترددات، أضعف منكم أنتم البشر.


عدد الكروموزومات عندي يصل إلى 48 كروموزومًا، أي ضعف عدد الكروموزومات عندكم. طبعًا هذا لم يَعد مهمًّا في عصرنا هذا، لأن المقارنة بين البساطة والروعة من حيث العدد لا يعني شيئًا بحد ذاته، بل المهمّ ماهية الجينات الموضوعة بكودات خاصة داخل هذه الكروموزومات. وقد تبين من عدد الكروموزومات ومن عمليات التهجين، أن شقيقاتي التي تعيش في شرق أوروبا وغربها، تنتسب إلى فصيلة واحدة هي فصيلة القنافذ الأوروبية. علمًا بأن نوعنا المستوطن بلاد إنجلترا وكِريت أصغر من الذي يعيش في أوروبا. ثم إن الذي يعيش في الغرب، أصغر حجمًا وأبهت لونًا من الذي في الشرق.
أتغذى على الصراصير، والجراد، واليرقات، والخنافس، والديدان، والحلزون، وجميع أنواع الحشرات.. كما لا أتردد في أكل الفئران والثعابين الصغيرة، والسحالي، والكتاكيت أيضًا.. ولكن كبارنا في الحجم والسنّ، تقوم بأكل الحشرات الكبيرة على الأغلب.


الكثير من الحيوانات الصغيرة تغبطني على لباسي الشوكي الذي يحميني من المخاطر، ويدفع عني معظم الطيور الجارحة باستثناء البومة والغُرَيْر، إذ أُعتبَر بالنسبة لهما الغذاء المفضل! لذا أبذل قصارى جهدي على التخفّي عن أنظارهما، لأن البومة تملك مخالب حادة تتكون من مادة الكيراتين الصلب، تستخدمها في تمزيق جلدي وتقشيره من الشوك ثم التهام لحمي بسهولة، وكذلك الغرير يقدر على خرق حاجزي الشوكي بمخالبه الحادة والقوية ثم القضاء عليّ دون تعب. من ثم فإن عددنا في المناطق الخالية من الغرير والبوم، يبلغ ضعفَي عددنا في المناطق التي نعيش فيها مع هذين المخلوقين.
من إحدى ميزاتي الأيضية، خلودي إلى النوم في فصل الشتاء؛ أفضل النوم في أيام الشتاء القارسة التي يصعب فيها إيجاد الطعام؛ لأصون نفسي من التلف والموت، ولكن ثمة عدد كبير من أقراني -ويبلغ نصف المجموع تقريبًا- يموت خلال سباته الشتوي هذا، وذلك لعدم تناوله الغذاء الكافي في الصيف وعدم ادخاره الدهون اللازمة أثناء النوم. إن نومي الشتوي وثيقُ الصلة بالظروف المناخية؛ فأنواعنا التي تعيش في أفريقيا الشمالية -مثلاً- لا ترقد للنوم الشتوي أبدًا، لأن المناخ دافئ والغذاء موجود على الدوام في محيطها.


أما في أوروبا الجنوبية فننام أربعة أشهر في فصل الشتاء، بينما في أوروبا الوسطى نقضي ستة أشهر من حياتنا في النوم والرقود بسبب البرد وقلة الطعام.
قبل الخلود إلى النوم الشتوي يقوم جسمي في منطقة البطن وتحت الجلد بتخزين أنسجة دهون بيضاء، ويقوم في منطقة الصدْر والحلْق وتحت الإبط وفي منطقة العمود الفقري بتخزين أنسجة دهون بنيّة، وعملية التخزين هذه تبدأ في أواخر الصيف. إن هذين الدهنين يختلفان عن بعضهما البعض؛ فالدهن الأبيض يؤدي دور العازل الذي يسيطر على التوصيل الحراري من خلال الجلد عند الثدييات، أما الدهن البني فيُخزَّن عند أنواعنا التي تتهيأ للنوم الشتوي فقط، لتستخدمه كمنظم حراري عند الاستيقاظ أو القيام المفاجئ.
أستيقظ أثناء نومي الشتوي مرة أو مرتين في الأسبوع، لأطرح الفضلات السامة التي تراكمت في جسمي، لأني أموت إذا لم أقم بهذه العملية وأطرح الكمية السامة التي نتجتْ كفضلات أيض من الدهون المحروقة في جسمي، وحالتي هذه تشبه مريضكم أنتم البشر الذي تُغسَل كلاه بين الحين والآخر ليبقى صحيحًا معافى لديكم.
أمر مهم آخر يجب لفت نظرك إليه عزيزي الإنسان، وهو طريقة الحفاظ على الدهون خلال بياتي الشتوي واستخدامها بشكل اقتصادي، فمن أجل ذلك تنخفض حرارة جسمي تلقائيًّا من 35 إلى 15-20 درجة، وتنخفض نبضات قلبي من 250 إلى 10 خفقة في الدقيقة الواحدة، وكذلك تقل سرعة تنفّسي، وأحيانًا أتوقف عن التنفس ساعتين تقريبًا، واستنادًا على كل ذلك تُخفَّض سرعة العملية الأيضية في جسمي إلى 100 ضعف حسب الظروف البيئية المحيطة بي.


هذا ومن أجل الخلود إلى النوم الشتوي، تقوم الهرمونات بدور مفتاحي؛ فبسبب قِصر النهار وطول الليل في موسم الشتاء، يرتفع مستوى هرمون الميلاتونين الذي يفرزه الكردوس في دماغي، وهذا يؤدي إلى استخراج هرمون التستوستيرون من خصيتي لينخفض الدافع الجنسي لدي، ونتيجة انخفاض هرمون التستوستيرون في دمي يحصل استرخاء عندي وينتابني النعاس لأستغرق في نوم وسبات عميقين. وعندما يطلع الضوء وترتفع درجة الحرارة في فصل الربيع، ينخفض مستوى هرمون الميلاتونين الذي يفرزه الكردوس في دماغي، ويزداد هذه المرة هرمون التستوستيرون من الخصية فأستيقظ من النوم وينشط جسمي من جديد. أما طريقة النوم عند إناثنا فتنضبط من خلال الحالة المناخية بدلاً من ارتفاع مستوى الهرمون كما عند ذكورنا، علمًا بأن ذكورنا تستيقظ من سباتها الشتوي قبل إناثنا بثلاثة أو أربعة أسابيع تقريبًا.


تلد إناثنا ما بين 4-5 من الصغار بعد فترة حمل تبلغ 35 يومًا، وقد يصل وزن الصغير عند ولادته 10-25 غرامًا. خلال الولادة هذه تتجلى صفة الرحمة والشفقة الإلهية بوضوع؛ إذ يغطَّى جسم الصغير بأشواك مرنة وناعمة، ومن أجل حماية الأم أثناء الولادة تغطى هذه الأشواك بجلد منتفخ مملوء بالسوائل يختفي بعد الولادة، وتظهر الأشواك بعد 24 ساعة من الإنجاب. وعند إكمال الصغير الثلاثة أسابيع من عمره يفتح عينيه، وتزداد كثافة الأشواك وحدّتها على ظهره ويصبح لونها داكنًا. وخلال هذه المدة يتعلم الصغير -بتوجيه إلهي- عملية التكوُّر وحماية نفسه من المخاطر. كما تسقط بعد الأسبوع الثالث أسنانه اللبنية وتنبت الأسنان الدائمة، وبالتالي تنقطع الصغار عن حليب الأم عندما تبلغ ستة أسابيع، وبعد هذه المرحلة تسعى إلى إيجاد غذائها بنفسها، وتقوم بتخزين الدهون في جسمها بكثافة، وتبحث عن مأوى تعيش فيه أيضًا، وكل ذلك استعدادًا للشتاء القادم. وعندما يفتح عينيه للربيع، يكون الصغير قد بلغ وأصبح مستعدًّا للزواج ولبناء بيت جديد له.


نحن القنافذ لسنا متعوّدين على النوم مع بعضنا البعض، ثم إن لنا بيوتًا شتوية وصيفية لا نتشاركها مع أحد مهما كان الأمر. كما أننا لا نسعى إلى احتكار الأراضي لأنفسنا فقط كغيرنا من الثدييات، ولا نتحارب فيما بيننا من أجل لقمة العيش. كلنا يتجول بحرية تامة ويأكل ما يجده من رزق الله. أما المساحة التي نتجول فيها للتغذي حول مساكننا فتبلغ 100 دونم على الأقل، علمًا بأننا نستريح في النهار ونسعى إلى لقمة العيش في الليل.
أعتقد أن هذا القدْر من الحديث يكفي أيها الحبيب.. لقد غابت الشمس وبدأ الليل يخيم على كل مكان.. لا تؤاخذني إذا قلتُ لك بدأتْ عصافير بطني تَصيح من الجوع.. أنا مضطر إلى الخروج لأجد ما قسَمه لي ربي من حشرات، وأدّخر ما يعينني على البقاء في الشتاء القادم من الدهون. تأمل جيدًا فيما قصصتُه عليك، واسعى إلى بناء هذه الأرض بلبنات الحب والرحمة حتى تسعد جميع المخلوقات.. ألقاكَ لاحقًا.. تصبح على خير.

(*) كاتب وأكاديمي تركي. الترجمة عن التركية: نور الدين صواش.