عزيزي عبد الله… لا تنس أن الله تعالى الذي خلق الكون وكل ما فيه قد أعطى صفات مختلفة لجميع الأشياء كاللون والشكل والصوت والصلابة والنعومة والحرارة والبرودة والرائحة والطعم لكي يمكن تمييز الأشياء بعضها عن بعض. ولكي تستطيع معرفة هذه الصفات فقد وضع في جسدك حواس تدرك بها الأشياء. فأنت تميز وتعرف الضوء بعينيك، والموجات الصوتية بأذنيك. وهذه الحواس بدقتها وفنها الراقي تفصح عن تجليات الأسماء الحسنى عليها وتكون ترجمانا للخالق. واليوم أقول لك بأنني عضو مخلوق لحاسة شم روائح المواد. ويتجلى فيّ فن متميز وخارق من الصنعة والخلق. وأنا أُعرّفك بنفسي لكي يتجلى لك من زاوية أخرى علمُ ربنا تعالى وقدرتُه.
لقد وضعني الله تعالى في أنسب مكان في وجهك إلى درجة أنه لو تغير مكاني قليلا أو جرحت أو تعرضت لأي ضرر، تشوّه منظر وجهك وقبُح. فكأنه تعالى خلقني بعد أن خلق وجهك وجسدك، وجعلني في أفضل وضع متلائم معهما، بل حتى مع روحك.

أشكال الأنوف

ومع أن لي مظاهر جانبية بأعداد لا تحصى إلا أن شكلي في الغالب هو إما دقيق وطويل أو ضيق أو واسع ومفلطح أو مقوس، بطرف مدبب أو غير مدبب، والعلماء القدامى الذين عملوا في ساحة “علم السيما” أي الذين كانوا يحكمون على خُلق الشخص وطبيعته ومزاجه وذكائه من دراسة تقاطيع وجهه، كانوا يهتمون بشكلي كثيرا ويعقدون الصلة بينه وبين مزاجه وطبيعة روحه. ولكني أرى أنه من الخطأ إصدار حكم على أي شخص بالتفرس في شكلي، لأن هناك أشكال أعضاء أخرى، كما أن للتربية والتعليم أثرا مهمّا في تشكيل شخصية ومواصفات الإنسان. لذا أرى ألا تبدي رأيك حول أي شخص انطلاقا من شكل أنفه فقط.

فن الخَلق البديع

والحقيقة أن ما أريد ذكره هنا يتعلق بالفن الراقي لخلقي وحكمة وجودي. فسأتكلم عن أشياء موضوعية وليست عن أشياء ذاتية وغير موضوعية. ولم يضعني الخالق في القسم الأمامي من وجهك فقط، بل وضعني في القسم الأمامي لوجوه جميع الحيوانات الفقرية ولاسيما الحيوانات الثديية. لأنها تستخدمني من أجل الحصول على غذائها وإشباع بطنها وفي العثور على صغارها أو زوجها. فأنا أكثر الأعضاء استعمالا من قِبَلها. لذا فقد وُضعتُ أمام الوجه لأعمل كآلة كاشفة وحساسة في تعقب الروائح. والحيوانات عندما تعثر على شيء تقوم أوّلا بدسي في ذلك الشيء أو بالقرب منه لفهم ماهيته. لذا شاع في الناس استعمال تعبيرِ “يدس أنفه في كل شيء”. وحاسة الشم لدى معظم الحيوانات أقوى مما هي موجودة عند الإنسان. ونظرا لقلة العقل والشعور لديها فهي تحصل بواسطة أنوفها على الكثير من المعلومات التي تحتاج إليها. ولما كان الإنسان يملك عقلا وشعورا فلا يضطر إلى أن “يدس أنفه في كل شيء”. ولكن هذا لا يعني أن الإنسان لا يحتاج إليّ، أو أنني عضو زائد لا ضرورة ولا حاجة إليّ. على العكس، فأنا عضو مهم ولي العديد من المهام، ولي بنية خُلقتْ بحكمة بالغة.
البروز اللحمي الذي أشكّله في وسط الوجه يسهُل تغيير شكله بالضغط عليه، لأن مسنده غضروفي. وقسمي النهائي مدبب، ويوجد جناحان في جانبيّ. أما نهايتي من الطرف الثاني فتقع بين العينين تماما ويرتبط قسمي الغضروفي هنا بالعظم الأنفي الذي هو جزء من عظم القحف حيث يشكل سندا قويا لي. يقوم الغضروف الموجود في وسطي بتقسيم تجويفي إلى قناتين تنتهيان بثقبين إلى الخارج. والحنك الصلب الموجود في أسفلي أي في قاعدتي يشكل في الوقت نفسه سقف تجويف الفم. أما الجسم اللين من الحنك الموجود وراءه فيمتد حتى أقرب منطقة للبلعوم مني أي إلى البلعوم الأنفي والذي يرتفع إلى فوق عند البلع ليسد القسم العلوي من البلعوم لمنع الطعام واللعاب من التجمع في قسمي الخلفي. وعندما تأكل تغص أحيانا بالطعام فتسعل فلا ينسد هذا الغطاء فأمتلئ بالطعام الذي أكلته ويخرج من ثُقبَيّ. والفائدة الأخرى من هذه المنظومة هي أنه في بعض حالات العمليات التي تُجرى على المرضى وعندما يكون طريق الفم مسدودا يتم إدخال الهواء والغذاء بأنبوب مطاطي عن طريقي إلى المريض.

الأنف وعملية التنفس

يتم عن طريقي وصول الهواء إلى رئتيك أي في عملية التنفس التي هي عملية ضرورية لإدامة حياتك. فالهواء الذي يدخل من ثقبيّ لا يكون على الدوام نظيفا وملائما لرئتيك. فإن وصل إليهما هواء غير ملائم فسرعان ما يصيبهما البرد فالالتهاب، فتمرض. ولكي لا تواجه مثل هذه الأمور السيئة فقد وضع الخالق الرحيم العالم بكل شيء والمدبر له شعيراتٍ في مقدمتي لتصفية الهواء، وغشاءا مخاطيا رطبا يغطي سطح قسمي الخلفي.
والحقيقة أن بنية التجويف الداخلي لي معقدة، إذ توجد ثلاثة بروزات على جداريّ الخارجيين تمتد بطولهما من الأمام إلى الخلف. وهذه البروزات يطلق على كل منها اسم “القُرَين” (القُرين السفلي، القرين المتوسط، والقُرين العلوي). والبنية المتعرجة لكل قُرين تساعد على توسيع مساحة سطحي الداخلي فيسهل بذلك ترطيب وتدفئة الهواء الداخل إلى الرئتين، ولا يذهب الهواء إلى رئتيك مباشرة في أثناء التنفس. فبواسطة الشعيرات الموجودة في قسمي الأمامي يتصفى الهواء من ذرات الغبار الكبيرة، وعندما يمر من الدهليز ذي التعاريج التي تُشكلها البروزات القُرينية تصفى ذرات التراب الدقيقة وذرات الفحم والبكتريا وغبار طلع الأزهار من قِبل الأغشية المخاطية وإفرازاتِ هذه الأغشية التي تلتصق عليها هذه الذرات والبكتريا، ومن قبَل بروزاتها التي تشبه الأهداب. ونظرا لأن مقدار الضغط الجوي الموجود في داخلي أقل من الخارج يسهل تدفئة وترطيب الهواء الذي يمر فيها.

خلايا الشم ومزاياها

هناك نسيج خاص حساس للروائح يغطي القُرين الأعلى. فخلايا هذا النسيج ذات أهداب وهي حساسة وتعد بمثابة مستقبِلات للروائح. وهذه الخلايا مع الخلايا المساعدة لها تشكل هذا النسيج. فكل مادة تنشر جزيئاتها في الهواء لها روائح. وعملية الشم عملية معقدة تحتوي على سلسلة من التفاعلات التي تنتهي بهذا الإحساس في الدماغ. وأنا لا أدري في الحقيقة كيف يتم هذا الأمر ولكن هناك عدة نظريات حوله. فاهتزازات الجزيئات التي تصلني مع تيارات الهواء تكون مختلفة تبعا لاختلافات بنيتها، لذا تؤدي إلى اختلاف في طبيعة التفاعلات الكيميائية التي تحدث في الخلايا المستقبلة للروائح، وإلى حدوث تنبيهات كهربائية مختلفة. فالجزئيات التي تأتي مع الهواء تذوب في الرطوبة الموجودة في نسيج شم الروائح وتنبه خلايا أعصاب الشم تنبيها كيمياويا. في الأجواء الجافة يجف غشائي المخاطي، لذا لا تذوب الجزيئات فيصعب عليّ شم الروائح. كما أن النقص في معدن الزنك -الذي يوجد في جسمك بنسبة قليلة- يؤدي إلى ضعف في قابلية الشم أو إلى انعدامها كليا.
ويعود السبب في اختلاف رائحة وطعم ولون الثوم عن رائحة ولون الورد أو الياسمين إلى أن كل شيء وكل حي يتركب من عناصر ومن مركبات مختلفة. فالجزيئات التي تنتشر في الهواء من هذه المركبات تكون مختلفة وتقوم بتنبيهات مختلفة. ولكن الملفت للنظر هنا هو عمل هذه المنظومة الرائعة التي تستطيع تمييز هذه الروائح المختلفة وحفظها في ذاكرتها.
وعندما تتلقى رائحة جديدة لم يسبق لك أن تلقيتها من قبلُ تستطيع منظومةُ الرائحة عندك معرفة أن هذه رائحة جديدة، وذلك من بنيتها ومن اهتزازاتها، وتسجل هذه الرائحة في ذاكرتها، فإن صادفتْها مرة أخرى عرفتها، وهذا الأمر المعقد الذي لا يُعرف لحد الآن جميعُ ما يتعلق بماهيتها يدخل في فيزيولوجية الشم. ومن المميزات الجميلة للخلايا المستقبلة للروائح هي أنها تكون حساسة للروائح التي تشمها للمرة الأولى، ولكن بعد فترة تقل هذه الحساسية حتى تدخل في مرحلة تعدم فيها قابلية شم تلك الرائحة. وهذا من رحمة الله تعالى، لأنه لولا هذه الميزة لما استطاع عمال تنظيف المجاري، ولا عمال المذبحة والمسلخة العملَ في تلك الأجواء من الروائح.

الغشاء المخاطي وأعراضها

من السهل انتفاخ الغشاء المخاطي الذي يبطنني بالدم أو بسوائل الأنسجة. وقد ينسد فراغي الداخلي تماما، فيصعب عليك التنفس عندما يلتهب بفعل البرد أو بسبب التهاب مثل التهاب حمى القش. والحقيقة أنه عند التهاب مجاري التنفس في القسم العلوي، تكون البداية بظهور سيلان، ثم يبدأ الانسداد عندي. فكما يتعفن الماء الراكد ويفسد ويتحول إلى مستنقع، كذلك الأمر عندي، إذ ما إن ينسد فراغي حتى يتسارع تكاثر الجراثيم وتبدأ بالسريان إلى أعضاء التنفس الأخرى. فإذا أصبت بالبرد فعليك أن تحاول جاهدا منع انسدادي. ولا شك أن الشاي الحار ولاسيما شاي بعض النباتات مفيد، ولكن الأفضل هو الماء المالح الذي تبلغ نسبة الملوحة فيه تسعة بالألْف، فإذا استنشقت هذا الماء المالح فسرعان ما يزول الانسداد. أما قطرة الأنف -بأنواعها المختلفة- فلا أوصيك باستعمالها إلا عند الضرورة القصوى، لأن استعمالها يؤدي إلى الاعتياد عليها أوّلا، ولأن لها تأثيرات جانبية سلبية أخرى ثانيا. في حالة التهاب تجويفي في الجانبين والتهاب الفراغ الموجود بين عظام القحف فوقي، وكذلك في حالة التهاب اللوزتين وظهور الزوائد وانتفاخها، يأخذ الرشح عندي حالة دائمة، ويؤدي إلى التهاب مزمن. وهناك أمراض عديدة تكون الإشارة إليها عن طريق النـزف الذي يصيبني، مثل ارتفاع ضغط الدم والعديد من أمراض الحمى. والحقيقة أن نزفي نتيجة ارتفاع ضغط الدم يعد تحذيراً ويلعب دور صمام أمان، لأنه إذا لم تنفجر إحدى الشعيرات الدموية عندي نتيجة ارتفاع ضغط الدم ولم يحصلْ نزيف دموي يؤدي إلى انخفاض ضغط الدم، انفجر أحد الشرايين في الدماغ وأدى إلى نتائج وخيمة جدا.

الشم نعمة إلهية كبرى

عزيزي عبد الله… إن قمت بعد الآن بشم زهرة أو رائحة جميلة أخرى فلا تنس أن تحمد الله تعالى على ما أحدثَتْه تلك الرائحة العطرة من مشاعر جميلة في روحك. فلو لم يجعلني الله تعالى آلة لتصفية الهواء الذي تتنفسه وتنْقيته من المواد الضارة لامتلأت رئتاك بالأوساخ والغبار والسُخام، ولمَـَا تمتعتَ تماما بما تتناوله من أطعمة، لأن الإحساس بلذة الطعام لا يقتصر على الطعم فقط، بل هو إحساس يشترك في تكوينه الطعم والرائحة. فمثلا نرى أن الشخص الذي انعدمت عنده قابلية الشم لا يعرف عما إذا كان يأكل تفاحة أم فجلا. فلو لم تشم رائحة ما تأكله لما اكتملت لديك لذة الأطعمة.
عزيزي عبد الله… لا أرى ضرورة لتقديم نفسي إليك أكثر، فحتى النظارة التي تلبسها تستند إليّ. وقد قدمت لك نفسي بصورة موجزة دون الدخول في تفاصيل ميكروسكوبية وتشريحية دقيقة. فبينما يستحيل ظهور شعرة واحدة عندي في مكانها الصحيح مصادفة كيف يمكن أن يظهر بالمصادفة عضو مثلي يحوي حِكما لا تعد ولا تحصى؟! أيّ نحات يستطيع القيام بنحت أنفِ تمثال وبيده مطرقته وإزميله دون أن يكون في ذهنه مثال وموديل معين وإرادة معينة؟! فهل هناك أيّ احتمال أن أظهر -وأنا العضو الأعقد والأدق بالآف المرات من أنف تمثال- دون أن يخلقني رب العالمين؟! إذن عندما تغسل وجهك في المرة القادمة وتتطلع إليه في المرآة دقق النظر فيّ ولا تنس أن تحمد الله تعالى وتشكره.
_______________
(*) الترجمة عن التركية: أورخان محمد علي.

About The Author

أستاذ محاضر في البيولوجيا بجامعة 19 أيلول بمدينة إزمير. تركيا

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.