إنها حظوة ليس فوقها حظوة، بل من مقتضى المخلوقية في “أحسن تقويم؛ أن يكرس الإنسان نفسه وينذر حياته للتعريف بالحق عز وجل. ولا شك أن الذين ينتهزون كل الفرص ويستثمرونها للتعريف به وتحبيبِه إلى عباده، ويبذلون قصارى جهودهم حتى تنفتح القلوب له ولرسوله الذي أرسله ليكون وسيلة لهذا الأمر، بل وغايةً له، ويحاولون أن يفتحوا للعباد سبيلاً إلى الوصال بربهم.. إن هؤلاء يلقون وسيَلقَون لدى أهل الملإ الأعلى، كل ترحيب وتمجيد. كيف لا، والسائرون في هذا الطريق يحببون أحبابهم إلى كل من يتواصلون معه، ووسيلتُهم المُثلى في ذلك هي تَمَثُّلهم لمسلكهم بتصرفاتهم ولسان حالهم.

وكلما نزلوا منزلاً وانفتحوا على الآخرين، نفخوا في الآخرين محبة الحق سبحانه، وبطبيعة الحال حَظُوا بالمحبوبية لديه تعالى، لقد وضعوا نصب أعينهم ما قاله سلطان البيان صلى الله عليه وسلم: “حبِّبوا الله إلى عباده يُحببْكم الله”، ولذلك يتجولون في أصقاع الأرض من مشارقها إلى مغاربها، بحثًا عن نديم يتبادلون معه “حديث الأحبة”. صحيح أن هذا منهم ليس إلا خطوة يسيرة، وبمثابة قطرة صغيرة، ولكن الله يقابلها ببحر من جوده، ولو قلنا: “إنها تساوي الدنيا وما فيها” لقلّلنا من شأنها وما استطعنا أن نعبر عن قيمتها.

إن أهم الطرق والوسائل لتحبيب الحق سبحانه إلى خلقه، هو السير تحت وصاية سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام. فمن يعرفْه ويتقبلْه ويدخلْ في أجوائه الروحية، ويستوعبْ ما جاء به من الرسائل النورانية النابعة من صفة “الكلام” الإلهية، ويجعلْها روحًا لحياته، فإنه سينجو من العَمى، وسينظر إلى كل شيء بمنظار البصيرة. فبينما عيناه تشاهدان الآياتِ الكونية في مسجد الكون، نراه من ناحية أخرى، يصغِي بأذنيه المفتوحتين على السمعيات إلى القرآن الذي يردد الأوامر التكوينية في معبد الأشياء والأحداث العظيم، فيزيده ذلك شوقًا وحماسًا. يتنفس دائما بأحاسيس الشاعر القائل:

“إلهي أنت الموجود

وأعود لأقول مرة بعد أخرى:

أنت الموجود.. أنت الموجود..

أَشعُرُ بوجودك دائمًا؛

بعقلي، وقلبي، وروحي!”

يقول ذلك فيخوض في سلسلة من الأفكار التي تأخذ به، لتمتد من “الإيمان بالله” إلى “معرفة الله”، ومنها إلى “محبة الله”، ومنها إلى “العشق والشوق إلى لقاء الله”.

يترنم بالألحان التي تَرسم الوجودَ والأحداث بفقراتها وجملها وكلماتها، فيردد قائلاً: “هو (الله)”، ويظل لسانه رطبًا بذكر الله. وما ألطف هذه التعابير من بطل الحماس الذي عبر عن هذا المستوى من الحياة: “إن الكون من أقصاه إلى أقصاه كتاب عظيم، فكلما أنعمتَ النظرَ في حرف منه فسترى فيه رمزًا يشير إلى الله”.

ولكنّ سماع هذا الصوت، وقراءةَ هذه المجموعة من الرسائل المتداخلة، وفهمَ تلك المعاني الدقيقة العميقة التي تنطوي عليها هذه الرسائل، يتطلب عينًا مبصرة، وأذنًا واعية، ومنطقًا قادرًا على التقويم، وتطلُّعًا عميقًا، ومحاكمةً عقلية، وإدراكًا طافحًا بالشوق وحبِ المعرفة والاستطلاع.

ومن الصعب للغاية، بل من المستحيل على من لم يتخط أسوار التقليد ولم يتجاوز حدود الشكل والصورة، أن يسمع هذه النغمات ويقوّمها، ثم يستوعبَها. وما لم تنفُذ هذه المشاعر الإيمانية العميقة إلى جميع خلايا الأدمغة والعقول، ولم تسرِ إلى أعماق القلوب الصافية والنقية، فمن الصعب بل من المستحيل أن تجد في هذا الهيكل الروحي ضياء المعرفة الإلهية. وإذا كان القلب والروح خاليين من المعرفة وضيائها، فمن الصعب الحديثُ عن المحبة، ناهيك عن نسمات العشق والشوق إلى لقاء الله.

أما أولئك الذين كرّسوا أنفسهم للحديث عنه تعالى وتحبيبِه إلى عباده، ودخلوا في أجواء المحبوبية عن طريق تحبيبه، وتوَّجوا حياتهم بتوجهاتِ معينه، وتلهج ألسنتهم صباحَ-مساءَ بالحديث عنه من دون أن يخطئوا في الأسلوب، فإنهم يكونون دائمًا في ماراثون الأعمال الصالحة؛ وترجف قلوبهم خوفًا من القصور في باب “الإخلاص، أو “الإحسان”، فلا يفتأون يرددونهما ويفكرون فيهما ويطمحون إلى البلوغ إلى مقام “رضوان الله”، فيهرولون من شهود إلى شهود نحو ما وراء الآفاق.

فلا الطرقُ الوعرة ولا الوديان السحيقة ولا بحور الدماء والصديد، تَعوقهم عن مواصلة المسير؛ لأنهم يسيرون باتجاه الحق تعالى، ولا يهدفون في سبيل الوصال بربهم إلى أيِّ مطمع دنيوي أو أخروي.

إن الذين يُحرِزون الوصول إلى مثل هذا الأفق، لا يتعثّرون بما يتعثّر به الجاهلون، بل ينطلقون من حَملة إلى أخرى ليقتلعوا عن قلوبهم العلاقةَ والمحبة لما سواه تعالى، وينظرون بحزن عميق ونظرات متحسرة، إلى المتعلقين بمغرِيات الحياة الدنيا وزخرفها الصوري.

يقولون: “لقد خضنا طريق العشق والهيام، إننا مجانين، لا نشعر بالحاجة إلى الجاه!” (سيد نيكاري).

لا يذكرون إلا إياه، ويَعتبِرون كل قول خال عن الحديث عنه -مهما كان ساحرًا يأخذ بالألباب- ضربًا من الثرثرة ولغو الكلام، فيتجهون نحو الحديث عن الحبيب، ويخوضون في مشاهدة آفاق أرواحهم وأسرارهم المعنوية.

وعلى الرغم من أنهم يرون أن هناك نوعًا من الارتباط بين ما لديهم من الإرادة وما يحرزونه من هذا الكم من المشاعر والأفكار من حيث إن الإرادة شرط عادي لإحرازها، إلا أنهم يؤمنون أن كل شيء منوطٌ -في حقيقته- بالمشيئة الإلهية وتوجُّهِه الخاص. لأنهم حريصون للغاية على أن لا يلامس أيُّ غبارٍ فكرَهم وعقيدتَهم التوحيدية الذي هم مستعدون للتضحية بكل شيء في سبيله. فلذلك يعتقدون أن إطار الإرادة الإنسانية ضيق ومحدود للغاية، وأن العزم والإقدام ليسا سببين كافيين. ويرون أن الجسمانية والحيوانية عقبتان خطيرتان في سبيل الوصول إلى مستوى الإنسان الحقيقي.

وفي موازاة هذا كله، يَعتبِرون نسبة أي نجاح وإنجاز إلى أنفسهم، ضربًا من الشرك الخفي، وكلما وُفِّقوا لنجاح ومكسب، إذا بهم يترنمون بما قاله الشاعر (محمد لطفي):

“إنني -العبد الضعيف- لا أليق بهذا،

ولا أدري لماذا هذا اللطف والإحسان”.

فيُسنِدون كلَّ شيء إلى الرحمة الإلهية الواسعة والفضلِ الرباني الشامل، وبما يحبونه لعباده من حيث لا يحتسبون، ولذلك تراهم يلهج لسانهم بالقول: “كل شيء منك، وأنت الغني، وإني وجهت وجهي إليك يا ربي”. فيهرولون نحو حظيرةِ قدسِ ربهم الذي يقابِل كلَّ تحركاتهم بل كلَّ خطوة قصيرة وحركةٍ طفيفة منهم، بتوجه غير متناه.

والواقع، أن هذه القافلة من المباركين، كانت منذ بداية رحلتها تسير دائمًا نحوه تعالى وهي تتنفس بأنفاس المعية الربانية، مغلِقةً كل المنافذ حتى لا تخترقها الأغيار ولا تجدَ مَنفذًا للوصول إلى عوالمهم الداخلية.

وظلوا طوال الطريق، يواصلون الحديث عنه، ولا يفتأون يذكرونه في جميع الأحوال والأطوار، ولا يرغبون في تسرب ألحان أخرى إلى عوالمهم ومشاعرهم القلبية. وكانوا يرون أنه لا بد أن تكون بدايات كل أقوالهم “براعة استهلال” فيها ترمز إليه تعالى، وتكون قوافي كلامهم وخواتيمها هي أيضًا معبرة عنه سبحانه.

بل كانوا يَعتبرون كل الحوارات والمحادثات التي لا تتعلق به نوعًا من لغو الكلام، فيحاولون أن يُعمِّقوا كل مشاوراتهم بالحديث حول الحبيب، ويعبرون دائمًا عن مشاعرهم وأفكارهم الداخلية بمثل ما قال القائل:

“يا ليت جميع البرايا يعشقون معشوقي،

ويا حبذا لو دارت كل أحاديثنا حول حبيبي”.

يوصدون الأبواب في وجوه الأغيار وهم يقولون:

تَكَلَّم بأحاديث أرباب الليالي أو تَمَسَّكْ بالسكوت،

وافتح صدرك لهذا فقط، إن كنت -لا بد- فاتحًا!”

وبينما يكرس هؤلاء أنفسهم لسبيل الحق ويواصلون المسير في هدي النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، لا يزال هناك في المقابل، وفي كل فترة تقريبًا، من لم يتوانوا في الإساءة إليهم، من أعوان الشيطان الأنانيين، المتمسكين بالدينا وزخرفها، والمهووسين بحب السلطة، والممسوخين من الإنسانية، والمتخبطين في الأفكار الظلامية، والمحرومين من الفكر النير.

وقد حاولوا القضاء على رجال الحق بشتى أساليب الهيمنة والتسلط -وبالطبع دارت الدائرة عليهم- وأعلنوا الحرب على ذلك النور الذي تفضل الله به على المؤمنين الذين حاولوا تمثله واتباعه. ومهما اختلق المفسدون زورًا، وأغرقوا في البهتان والافتراءات، وحاولوا إبعاد سبيل النور عن مسارهم، فإنهم في نهاية المطاف أصيبوا بالخزي والخذلان بما اقترفوا من العار والشَّنار.

لأن سالكي طريق المودة والمروءة كانوا يسيرون على خُطى الأنبياء، وكانوا في حرز الحق سبحانه. فما كان لأحد أن يقضي على بذرة نثرها الله على أرض الخدمة فأَخذت طريقَها لتكون سنبلة، ولن يتمكن أحد من إطفاء الشعلة التي أنارها الله، لأنها تستمد طاقتها من رحمة الرحمن والإرادة السبحانية وقدرة الرب المنان.

وما أروع ما قاله الشاعر ضياء باشا:

“إن ما قدره المولى لن يتراجع بقوة الساعدين،

والشمعة التي أشعلها المولى لن تنطفئ بالنفخ!”

ومن هذا المنطلق نستطيع القول إن المفسدين كانوا يخططون لإحياء خطة “سَلُولِيَّة”، لكن جهودهم ذهبت سدى! لأن السائرين في طريق الحق كانوا تحت عناية الله الذي: تشرق تناغم تجلياته في كل الزوايا، ويتجلي في كل قلب ظلٌّّ من ذلك التجلي، فإذا استشعرت الروح تلك التجليات بحثت عنها في كل الجهات، وتراءت أمامه أحلى الذكريات، فكل لون، وكل صوت، وكل نقش يعلن عن وجوده بواضح البيان، فسِيروا على بركة الله يا أهل الخدمة ويا أهل القرآن!

(*) نشر هذا المقال في مجلة “جاغليان” التركية، العدد:٣ (يونيو ٢٠١٧)، تحت عنوان “Hak Yoluna Adanmış Ruhlar”. الترجمة عن التركية: أجير أشيوك.