الطريق من إسطنبول إلى سراييفو يستغرق ساعتين بالطائرة تقريبًا، ولعل المزيج الثقافي العثماني-الأوروبي أكثر ما يسترعي الزائر لهذه المدينة العريقة، ويستحثه لمراجعات تاريخية حضارية طوال رحلته، وبخاصة إذا كان بصحبة نخبة مختارة من كتّاب مجلة “حراء”.
أغلقتُ حقيبة السفر، وقبل أن أغادر المنزل فتحتُها من جديد، ثم أخرجت منها المكواة الصغيرة التي اعتدتُ على حملها في رحلاتي. قالت زوجتي:
– هل نسيت شيئًا؟
– كلا، وضعت كل شيء تقريبًا.
– هل ستأخذ معك المكواة؟
– لا.
– كيف ستقوم بكَيّ الثياب إذن؟
– هناك مغسلة في الفندق، ولا داعي لأخذ مزيد من الأمتعة؟

لبست الثوب كعادتي، ثم عزمت على استكمال بقية الزيّ العربي قبيل إلقاء كلمتي في هذه الفعالية الثقافية على أرض البوسنة، التي تحتاج لتنوع ثقافي يشعرها بدفء الأخوّة، والانتماء لموطنها الكبير الذي تفخر به.

صباح اليوم التالي هبطت الطائرة في مطار إسطنبول، ومع تناغم نسماتها الباردة وخيوط أشعتها الدافئة انطلقنا برفقة مضيفنا إلى الفندق، ومنه بدأنا جولتنا لزيارة بعض مؤسسات “الخدمة” في القسمين الآسيوي والأوربي، وهناك التقينا بضيوف مجلة “حراء” من خارج تركيا.
العجيب في شأن الزائر لمدارس ومؤسسات “الخدمة”، أنه يشعر في كل زيارة بأنه لا يزال في الصفحات الأولى من السِّفر الكبير، على الرغم من سنوات المعرفة والبحث الأكاديمي التي قضاها حول مشروع “الخدمة” ومؤسساتها. تنوّعت الزيارات في اليومين الأولين، كباقة ورد جميلة تشعرك بعبقرية الفكرة وصاحبها ورجالها.
انبثقت الفكرة الأولى من عقل ووجدان “فتح الله كولن”؛ المفكر الذي أحسن دراسة تاريخه، وأتقن التفاعل مع مجتمعه، واستطاع تشخيص الداء العالمي، ثم أخرج المعرفة النظرية من محتواها العام إلى قالب خبرة جديد في نسيج من الحكمة والإتقان، ليصنع منها في النهاية “مشروع الخدمة”.. نغمة الإبداع البشري، ومفخرة الشعب التركي لهذا القرن بدون نزاع.
ولأن مركز الاهتمام في هذا المشروع الحضاري هو “الإنسان”، فقد تعددت مجالات “خدمته” محليًّا وإقليميًّا عبر مدارس وبيوت طلبة، ومؤسسات عابرة للقارات. في جولتنا الأولى تعرفنا على نغمات الجودة التعليمية في “أَنَفَنْ”، و”فاتح”، و”جوشكن”، و”بُرج”، واسترجعنا من خلالها قصة التعليم الهادف الذي انطلق من أرجاء مدرسة “يَمانْلاَر”.. كلمة السر الأولى في ملف النجاح التعليمي الكبير الذي حققته تجربة “الخدمة”.
توجهنا إلى “وقف الصحفيين والكتّاب”؛ جناح السلام الذي انطلق عاليًا من ضفاف البوسفور، ليجوز العالم داعيًا للسلام والحوار. بعدها وقفنا بإعجاب أمام الحلم المصرفي الكبير الذي طال انتظاره، وتحقق من خلال منظمة رجال الأعمال “تْوسْكُن”، وبنك “آسيا”. ثم تجولنا في مجموعة “قَايْناق” الكوكب المعرفي الفريد، المتخصص في النشر الثقافي، وتقديم الدين والتاريخ، والأدب والثقافة إلى الطفل والمرأة والأسرة، بمختلف اللغات الحية، وفي قالب ممتع وبيئة نقية مشوقة.
صبيحة اليوم التالي طرقنا أبواب جريدة “زمان”؛ الصوت الحر الذي يمثل الحقيقة، ولا يقبل يومًا بأساليب الكذب والخداع الإعلامي، وبسببه حازت رضا الجمهور وأصبحت جريدته الأولى بدون منافس. وفي مجموعة “سامانْيُولو” للإعلام، بهرنا التمازج الرائع بين الفكرة والقيمة، وأدركنا حاجة العالم لمبادئ الاتصال الإنساني، التي تفيض من هذا المبنى المتواضع الذي أُسِّس على القيم والمصداقية والحِرفية من أول يوم، وصاغ منظومة إعلامه الهادف قبل أن تكون لديه كاميرا واحدة.
شارفنا أبواب “الأكاديمية” أو “مركز البحوث والعلوم والإنترنت” بإسطنبول في ختام جولتنا، ومن مكتب المشرف العام على مجلة “حراء” وفريقه المتألق على الدوام، اكتشفنا سرّ الإبداع الذي أشرقت منه هذه المجلة، فقد كُتبت ضادها العربية النابضة من مِداد البوسفور، وعلى ضفافه نُسجت أشرعتها التي ظللت سماء العالم العربي قبل أن تجوزه إلى العالم كله.
مؤسسات وبيوتات، ومدارس ومشروعات انتقلت من منافسة نفسها على جوائز الريادة الوطنية، لتُبدع وتُبهر في سماء العالمية.
ذكريات أستعيد معها ذلك الحُلم الجميل الذي رعيناه بقلوبنا ودموعنا ودعواتنا، ونحن نرى كيف قرأ الحاسدون والمتآمرون قصة إخوة “يوسف” من جديد لأجل القضاء عليه، واستبدال قميص طُهره وعدله ورحمته بخِرق بالية لطخوها بظُلمة قلوبهم، وكآبة ظنونهم، ووحشية طباعهم.. متحولين -في عشية مظلمة- بين قائل وقاتل، ومطرح أرضًا، وباحث عن ذئب “بشري”، يصلح لأن يلطخوا فمه بدماء “الخدمة” الحقيقية هذه المرة.

وفي مكتب “حراء”..
– مستعدون للانطلاق إلى سراييفو غدًا؟
يتساءل الأستاذ نوزاد، وهو يرحّب بضيوفه.
– بالطبع، كيف هي الأجواء هناك؟
– نحن على مشارف الربيع، والأجواء ممتازة مع برودة معتادة في وقت الصباح.
لم أكن الوحيد الذي يرتدي الثوب العربي في تلك الرحلة، فقد كان هناك ثلاثة أساتذة آخرين. وكعادة رجال الخدمة -الذين يتقبّلونك كما أنت- لم يطلبوا منا ولو على سبيل التلميح أن نغير ملابسنا.
أقلعت الطائرة التركية، وبدأت سماء آسيا الزرقاء تتوشح غيوم أوروبا شيئًا فشيئًا.
“عناوين الكلمة التي ستلقيها توحي بأنك تعرف الكثير عن مشروع الخدمة” يعلق الأستاذ “جمال”، وهو يتصفح ورقة العمل التي طلبتُ منه مراجعتها. لم نستكمل أطراف الحديث، فجبال البوسنة المكللة بالثلوج أخذت تلوح من بعيد، ومنظر الغيوم وهي تداعب سماءها الجميل.
هبطت الطائرة ظهرًا في مطار سراييفو الذي بدا لأول وهلة متواضعًا كمطار مدينة عادية، وفي صالته الداخلية تأخرنا قرابة نصف ساعة قبل أن نتوجه إلى الباب الخارجي حيث كانت تستقبلنا الحافلة، وحولها أطفال سراييفو بأيديهم الزهور والحلوى.
انطلقنا صوب بيت الطلبة، نواة عمل “الخدمة” وقلبها النابض، وشعرنا هناك بدفء الأخوة وآثار الصدق التي واكبت تأسيس هذا المبنى الأبيض الجميل الواقع في أرض مخملية خضراء، ويحوي في جنباته طلابًا من البوسنة وخارجها. استمعنا لمشاركات وقصص ومداخلات مؤثرة، ثم ودّعنا الجميع بعد تناول طعام العشاء واتجهنا صوب الفندق. في الجهة الأخرى من بوابة الفندق يطالعك بيت متفحّم من آثار الحرب يروي قصة الخراب والدمار الذي عاشته هذه المدينة الجميلة في وقت مضى.
استمتعتُ طوال ثلاثة أيام بمنظر شروق الشمس على سفوح المدينة الخضراء، وبيوتها المترامية التي تبدو من بعيد كقطع فسيفساء مثبّتة بإحكام على لوحة جميلة ملونة. ومن نافذة الغرفة شاهدت “الكنيسة” لأول مرة رأي العين، وكنت أرقب دخول الفتيان والفتيات إلى مدرستها وملعبها المجاور، مع أصوات الجرس المؤذنة بافتتاح الأبواب وقت شروق الشمس.
كانت جولتنا صباح ذلك اليوم مميزة، ابتدأت بزيارة قبر الرئيس “علي عزت بيجوفيتش”؛ الرئيس الذي استطاع التعامل مع ظروف الحرب والسلم معًا، وتمكّن من نفض رماد الأحقاد والدمار قبل أن يقيم دولته الجديدة الواعدة. وبعد السلام عليه توجهنا صوب ينبوع الماء في قلب السوق الشعبي للمدينة القديمة، يقال “إذا شربت منه اشتقت للعودة إلى سراييفو من جديد”.
انطلقنا بعدها سيرًا على الأقدام مصعدين صوب مبنى كلية العلوم الإسلامية بجامعة سراييفو، وكان في استقبالنا عميدها وأساتذتها وطلابها، إضافة لعنصر رابع هو عبقريتها التي جمعت في بوتقة واحدة بين الأصالة والمعاصرة، ومواكبة احتياجات المكان والزمان. تناولنا الإفطار في مدرسة سراييفو التي خرّجت العلماء وحفّاظ القرآن الكريم، ونُصب في مدخلها جدار زُيّن بنقوش أسماء أكثر من مائة عالم وحافظ في المدرسة، قضوا اثناء الحرب وهم يزاولون مهمتهم التعليمية واحدًا تلو الآخر.
تجولنا في السوق الشعبي التاريخي، وشربنا القهوة التركية بمذاقها المميز مع قطع الحلوى. الأجواء هنا توحي بأنك في حيّ من أحياء إسطنبول؛ فالطابع العثماني في العمارة والثقافة لا يزال سيّد المشهد. اقترب وقت صلاة الجمعة، وتوجه الوفد للصلاة بالمسجد الكبير المجاور سيرًا على الأقدام، مسجد أثري فخم. عدنا لتناول الغداء في الفندق، وبعد صلاة العصر انطلقنا إلى مسرح سراييفو الوطني أحد أهم وأعرق مسارح البوسنة، لحضور افتتاح هذه الفعالية الثقافية التي لا تتكرر كثيرًا. المسرح فخم متعدد الطوابق وقد اكتظ بالحاضرين.. الطلاب ومنظمو المؤتمر يرحبون بالضيوف، ويوزعون بطاقات تحوي جدول أعمال المؤتمر. فقرات الحفل والتنظيم يشعرانك بمقدار الجهد الذي بُذل طوال الأيام الماضية.
صباح اليوم التالي كنا على موعد مع زيارة استثنائية لـ”نفق الأمل” الذي تحول اليوم إلى معلم سياحي بارز. كل صخرة من صخور النفق، تحكي قصة المعاناة التي عاشها البوسنيون أثناء الحصار الخانق على سراييفو. بدأ حفر النفق عام 1993، واستغرق بناؤه ستة أشهر، وكان الممر الوحيد لأهل البوسنة أثناء الحرب طوال ثلاث سنوات. وغير بعيد، توجهنا بالحافلة إلى الغابة الصغيرة التي تنبع منها أنهار سراييفو، مياه تتدفق من الأرض ومن بين الصخور، ثم تتجمع لتتحول إلى نهر، ثم أنهار متفرعة تغذي المدينة وما جاورها.
“أرسلتكم للحياة لا للموت”.. كلمات خالدة حُقّ لها أن تُنقش في أرفع مكان من أرض البوسنة، ولا تزال ترنّ في أذني بعد خمس سنوات من زيارة مدرسة “الخدمة” الأولى في سراييفو.. قالها الأستاذ “فتح الله كولن” حين ودّع طلابه الثلاثة الذين وجههم هناك خلال الحرب، وسمع أحدهم يودعه بحرارة قائلاً: “ربما لا نلقاك بعد يومنا هذا”.
موقف آخر يروي عبقرية هذا الرجل الذي استشرف المستقبل وانتدب هؤلاء الروّاد الثلاثة، لفتح مدرسة الأمل التي ستحتضن أبناء البوسنة، وتفتح لهم آفاق المستقبل حالما تنقشع غيوم الحرب. لم يكن يملك أولئك المعلمون سوى القليل من المال، ولا يزال نفق سراييفو يتذكرهم وهم يتنقلون بين ضفتيه بحثًا عن عمدة المدينة لاستخراج تصريح البناء وسط أصوات الرصاص والقنابل.. تفاعل العمدة مع هذه الهمم فمنحهم قطعة أرض في أطراف المدينة، وعليها قامت المدرسة الأولى، ثم الجامعة العالمية التي تفاخر بها سراييفو اليوم.

فعاليات المؤتمر لم تتوقف طوال اليومين الأولين.. تبدأ تمام التاسعة بعد تناول وجبة الإفطار، وتتوقف قبيل الظهر.. غدًا موعد كلمتي، وبعدها ننطلق في رحلة إلى موستار العاصمة الثقافية للبوسنة والهرسك، بنهرها الشهير وجسرها القديم.
توجهت إلى مغسلة الفندق مساء ذلك اليوم، وطلبت منهم “كيّ” الثوب العربي “والشماغ”، وإحضاره صباح اليوم التالي قبل موعد بدء المؤتمر، ونسيت أن أخبرهم بالطريقة التقليدية لكيّ الشماغ.. لم تكن الصدمة متوقفة على إحضار العامل للشماغ صباح اليوم التالي وكأنه منديل أو سفرة طعام مزخرفة، وإنما لأنّ الساعة قاربت الثامنة، ولا فائدة من محاولة إجراء دورة تدريبية في طريقة كيّ الشماغ العربي بمغسلة بوسنية قبيل ساعة من موعد إلقاء كلمة في مؤتمر دولي.. ما العمل إذن؟
نعم.. حقيبة السفر التي كانت معي كثيرًا ما تسعفني في بعض المواقف، فقد كانت تحوي أشياء أحتاجها وأخرى تعود كما هي.. قلّبت الأغراض رأسًا على عقب بحثًا عن المكواة، ولكن بدلاً من ذلك وجدت “النشأ”، وتذكرت بأني أخرجت “المكواة” قبيل مغادرة المنزل بدقائق.. ما فائدة النشأ إذن؟
الثامنة والثلث ولا جديد.. جموع الزوار بدأوا بالحضور، بينما بقية الوفد يتناول وجبة الإفطار في الأسفل.. وأنا أمام المنديل الكبير أتساءل: “هل يمكن إيجاد توليفة مناسبة؟ نشأ وكأس زجاج ومصدر للحرارة يكفي لتثبيت النشأ على الشماغ. لكن من أين أحصل على مصدر الحرارة؟”.. وبسرعة كاميرا المراقبة التي تبحث عن شيء مجهول أو معدوم، أخذت أذرع الغرفة الأنيقة حتى وجدت ضالتي.
الثامنة وخمس وثلاثون دقيقة، والأمل الوحيد أصبح معلقًا بالمدفأة البيضاء التي تمتد أنابيبها داخل الغرفة، وتخفف برودة الجو في آخر أيام شتاء سراييفو القارس.. “هل يمكن تحويل الجزء العلوي من أنبوب المدفأة إلى ما يشبه المكوى، بعد رفع درجة الحرارة؟”.. سؤال افتراضي تبقى إجابته رهينة استجابة النشأ، ولا مفرّ من المحاولة.
رفعت حرارة المدفأة إلى درجة ملائمة، وأعدت ترتيب الشماغ بطريقة صحيحة، وبدلاً من وضعه على المنضدة كالعادة رفعته بحذر إلى الجزء العلوي من سطح المدفأة.. ثم قمت برشّ النشأ، واستخدمت قاعدة كأس الماء الزجاجي كمكواة، ثم بدأتُ عملية الكيّ.. “تششش”.. صوت تحول في تلك الدقائق الحرجة إلى سمفونية موسيقية رائعة، تعجز عن محاكاتها أوركسترا “زوربا” اليوناني. لقد نجحت التجربة بالفعل.. ومعالم الشماغ العربي بدأت تظهر مع إيقاعات هذه السمفونية البوسنية المحببة. وفي تمام التاسعة كنت أجلس بالفعل في المنصة الرئيسية بلباسي التقليدي، ضمن الثلاثة الذين سيقدّمون أوراقهم صبيحة ذلك اليوم.

(*) مدير تحرير مجلة مكة، والمشرف على مركز رؤية الثقافي بمكة / المملكة العربية السعودية.
الهوامش
(1) هذه الخاطرة تعود إلى شهر أبريل من عام 2014 قبل أن تتعرض مدارس الخدمة ومؤسساتها في تركيا إلى مجازر شرسة على يد حكومة أردوغان تحت ذريعة الانقلاب الفاشل سنة 2016.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.