عندما أتحدث عن العلامة أختر رضا خان فلا أتحدث عن مجرد شخصية أو فرد أو عالم أو فقيه فقط؛ بل أتحدث عن أمة في العلم وقمة في التقوى وبحر تلاطمت أمواجه بعشق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وشجاع صدح بالحق ولم يخف في الله لومة لائم. وانتصر للدين في كل وقت لاح فيه خوف على الدين أو خطر على الشريعة، وأسد صرع المبطلين بالحجج الدامغة فأبكمهم وأفحمهم، ورجل صمد كالجبل أمام التيارات الزائفة البراقة والحركات الهدامة الحادة عن جادة الحق والهداية.

اسمه ولقبه

سمي الإمام بـ”محمد” حسب عادة الأسرة وسمي بـ”اسماعيل رضا” بالنسبة إلى أبيه، إلا أن اسمه هو “ابراهيم رضا” وعرف أيضًا بأختر رضا. ولقب بـــــ”تاج الشريعة” واشتهر فيما بين العوام والخواص بـ” أزهري ميان” (الإمام الأزهري) وهو الآن كأنه صار جزءا من اسمه، حتى إذا أطلق اسم “أزهري ميان” في شبه القارة الهندية أريد به الشيخ محمد أختر رضا خان.

نسبه ونشأته وأسرته

هو الإمام محمد أختر رضا خان بن المفسر الأعظم جيلاني ميان بن حجة الإسلام حامد رضا خان بن مجدد الملة أحمد رضا خان بن الإمام نقي علي خان بن المفتي رضا علي خان.

ولد الإمام أختر رضا خان يوم الثلاثاء في الرابع عشر من شهر ذي القعدة سنة 1361هـ المصادف 23 نوفمبر سنة 1942م بحي سوداغران بمدينة بريلي بأترابرديش، الهند. حيث فتح عينيه في بيت زاخر بالعلم والعلماء عامر بالأدب والفضلاء وترعرع في أسرة دينية علمية وبيئة صالحة نقية التي لها دور بارز في خدمة المجتمع الإسلامي وإسهام متميز في مجال الدعوة والإرشاد. وجهاد رائع في نصرة عقائد أهل السنة والجماعة.

حياته التعليمية

درس الإمام الأزهري الكتب الابتدائية على حضرة والده الشفيق إبراهيم رضا جيلاني ميا ثم التحق بدار العوم منظر إسلام ودرس هناك العلوم الأولية والابتدائية ثم انتقل إلى الكلية الإسلامية الثانوية للعلوم العصرية ببريلي سنة 1952 وتعلم هناك الحساب واللغة الهندية والسنسكريتية والانجليزية وغيرها.

ثم انتقل إلى دار العلوم منظر إسلام مجدّدا وتعلم هناك العلوم العقلية والنقلية المتداولة من التفسير والحديث والفقه والأدب والمنطق على يد أعيان الزمان أمثال مفتي الهند الأعظم مصطفى رضا خان وعبد التواب المصري وأستاذ الأساتذة العلامة تحسين رضا خان. ثم بعد أن تخرج منه توجه إلى كعبة العلم وقبلة العلماء جامعة الأزهر الشريف والتحق بكلية الشريعة وأصول الدين فدرس العلوم المتداولة من التفسير والحديث واللغة العربية والفلسفة الإسلامية وتعلم هناك ما بين فترة 1963 – 1966.

خدماته وآثاره

كان العلامة أختر رضا خان رحمه الله من الشخصيات الفريدة الفذة التي قلما يجود بهم الزمان فقد كان ماهرًا في فنون شتى حاذقًا في علوم عديدة من التفسير والحديث والشعر والأدب وكان يعرف لغات عديدة من الفارسية والعربية والاردية والانجليزية ولهجات مختلفة في العربية فقد كان رحمه الله كثير الرحلات إلى البلدان العربية والدول الأوربية والأمريكية فكان يتكلم بلغاتهم ولهجاتهم، فإذا ذهب مصر تكلم باللهجة المصرية وإذا ذهب إلى الإمارات أو إلى مكة تكلم بلهجتهم. وكان يمتلك ناصية اللغة العربية الفصحى، فقد كان أديبًا كبيرًا وشاعرًا عبقريا في زمانه، تدل وتشهد على ذلك مصنفاته القيمة في مختلف الفنون وأشعاره وقصائده التي قرضها في مختلف المجالات والمناسبات.

وله مصنفات عديدة من أهمها:

  • الفتاوى الأزهرية
  • تعليقات الأزهري على صحيح البخاري بالعربية
  • الصحابة نجوم الاهتداء بالعربية
  • الحق المبين بالعربية
  • الفردة في شرح البردة بالعربية

وله تعريبات على رسائل الإمام أحمد رضا خان الحنفي منها:

  • شمول الإسلام في أصول الرسول الكرام
  • عطايا القدير في حكم التصوير
  • منير العين في تقبيل الإبهامين
  • وسفينه بخشش مجموعة أشعاره الأردية
  • نغمات أختر: مجموعة أشعاره العربية

صفاته وأخلاقه ورعه وتقواه

من العسير والصعب أن يعيش الإنسان حسب أوامر الشريعة ونواهيه في زمان تنجم وتنشأ فيه الشهوات والنزوات في كل لحظة ودقيقة وتثور فيه الفتن والصراعات في كل حين وآن. وفي هذا الزمان الذي آل الأمر فيه إلى الذين يطيرون وراء حضارة الغرب ويدعون إلى التحرر عن ربقة الدين، قلما تجد ناسًا يعملون بأحكام الشريعة والدين ويطبقون أحكام القرآن في حياتهم، فضلا عن أن يتحلوا بالتقوى والإستقامة ولكن بحمد الله وفضله فقد كان الشيخ ورعًا تقيًّا عالمًا عاملاً وكان التقوى قميصه والورع ردائه ولذلك لقب بـــــــ”تاج الشريعة” التي غلب على اسمه و رسمه ،وكان يهيم في حب النبي صلى الله عليه وسلم لم يطق تحمل إساءة النبي وانتقاصه و لو لحظة وقد رد وشدد على الملحدين ومنكري شأن النبي وفضله بكتاباته وتصانيفه أبلغ الرد وأنكى التشديد. كان الجمال يكسو وجهه والبهاء يعلوه. ولله دره فقد كانت رشحات التقوى والورع والشرف والكرامة تتحدر من وجهه المبارك إذا رأيته لتحيرت في هل هو شمس أم بدر أم نجم أم كوكب. إذا رأيته يمشي تحسب كأن قمرا يمشي على وجه الأرض. فكان يتخلق بأخلاق الكرام والعظام. وكان يمنع من أخذ التصوير ومشاهدة التلفزيون.

كان الشيخ رحمه الله يراعي الشريعة في كل شيء فكان يتخلق بالتقوى والطهارة والصدق والأمانة وكان يغلب عليه الجهر والتصدع به حتى كان لا يتمالك نفسه في معظم الأحيان إلا بإظهار الحق دون مهادنة ومجاملة.

ومن كراماته أنه لما أصيب بالعمى في أواخر عمره أدخل في مستشفى في جنوب أفريقيا فبعد الفحص الدقيق والاستكشاف العميق قال الطبيب إن الشفاء من هذا الداء والبرء من هذ العمى عسير إلى حد كبير بل مستحيل. فقال عند ذلك دعني من هذا العلاج ودعا بالقلم وأخذ يكتب أشعار في حب النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم: وكتب قصيدته المشهورة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم التي استهلها:

يعني نوّر عيني يا شمسي الضحى ونور قلبي يا بدر الدجى

فلم ينته من هذه القصيدة حتى عادت بصارته بفضل الله وكرمه.

وفاته

انتقل الإمام إلى رحمة الله تعالى في 6 ذي القعدة 1439هـ / المصادف 20 يوليو 2018م، مساء يوم الجمعة المبارك، خلال أذان المغرب عند قول المؤذن: “الله أكبر الله أكبر” فأجاب رحمه الله المؤذن ولبى داعي الله بمسقط رأسه ” بريلي” الهند، ودفن بها قرب مراقد أجداده وكانت جنازته من أكبر الجنائز وأعظمها التي شهدها العالم حيث تدفق الناس كسيل جارف من كل حدب وصوب لزيارته وحضور جنازته.