طلب مني كثيرون أن أُؤصِّل لثقافة الضجيج وثقافة التأمل. ابتداءً أنا مع ثقافة التأمل، وضد ثقافة الضجيج؛ لأن ثقافة الضجيج تُنتج عقلاً هشًّا لا يقدر على التفكير، وتجعل النشاط يسبق الفكر، والحركة تسبق البصيرة.
ومن أخطر سمات الحضارة الحديثة، أن الإنسان صار كثير الحركة، قليل التأمل، مشغولاً بالصوت والصخب، بعيدًا عن السكون الذي تنشأ فيه الفكرة، ويستقر فيه المعنى، ويصفو فيه القلب. والقرآن الكريم يلفتنا إلى هذا المعنى، فوسائل إبليس تبدأ بالتشويش والصوت، قال تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ)(الإسراء:64)؛ فالصوت هنا ليس مجرد صوت، بل صوت يثير، ويشوش، ويصرف الإنسان عن التفكر والتدبر والطمأنينة. وكذلك كان التشويش على القرآن الكريم من وسائل المعاندين، قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)(فصلت:26).
فثقافة الضجيج تريد أن تمنع السماع وأن تطمس المعنى، وأن تصنع حول الحق ضوضاء تمنع القلب من أن يتلقى، والعقل من أن يفهم. أما ثقافة القرآن فهي ثقافة الإنصات، والتدبر، والتفكر: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)(محمد:24)، (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)(ص:29)، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(الجاثية:13).
والمؤمن الصادق ليس إنسانًا منغمسًا في الصخب، بل هو إنسان ذاكر متفكر، قال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ)(آل عمران:191).
ومن هنا جاء الأمر بالإنصات للقرآن الكريم: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(الأعراف:204)، فالرحمة تنزل مع الإنصات، لا مع اللغو والضجيج.
ثم يجعل القرآن الكريم خفض الصوت أدبًا عامًّا في الحياة، فيقول لقمان لابنه: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)(لقمان:19). فليس علو الصوت علامة قوة، ولا كثرة الضجيج دليل حياة، بل قد يكون علامة اضطراب وفقدان للسكينة.
وتتسع هذه الثقافة في القرآن الكريم لتصبح منهجًا في التعامل كله: غضُّ البصر، وخفض الجناح، واللين، والرحمة، وحسن المخالطة.. قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(آل عمران:159).
حتى الصلاة جاءت لتربي الإنسان على القنوت والسكينة، لا على الضجيج الفارغ. قال تعالى: (وَقُومُوا لِلهِ قَانِتِينَ)(البقرة:238)، وقال سبحانه: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً)(الإسراء:110).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم حين رفعوا أصواتهم بالدعاء: “اربَعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا” (رواه البخاري).
لكن ينبغي أن لا نفهم من هذا أن الإسلام ضد الصوت الجميل، أو ضد التعبير المؤثر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أحب الصوت الحسن، واختار بلالاً للأذان، وقال في عبد الله بن زيد رضي الله عنه: “فإنَّهُ أندى وأمدُّ صوتًا منكَ” (رواه الترمذي)، وكان أبو محذورة من أندى الناس صوتًا.
وأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة ابن مسعود رضي الله عنه، وسمع شعر حسان بن ثابت وكعب بن زهير رضي الله عنهما.
إذن، فالمشكلة ليست في الصوت من حيث هو صوت، وإنما في الصوت إذا صار ضجيجًا يطرد المعنى، ويمنع الإنصات، ويغلق باب التأمل.
هناك صوت يهدي، وصوت يشوش. وهناك صوت يفتح القلب، وصوت يبدد العقل. وهناك فن يرتقي بالإنسان، وفن يغرقه في الصخب. وهناك أدب يوقظ الوعي، وأدب يستهلك الإنسان في الانفعال.
ومن هنا ينبغي أن نحاكم حالتنا الثقافية: هل تميل إلى ثقافة الضجيج، أم إلى ثقافة التأمل؟
هل تصنع إنسانًا يسمع ويفهم ويتدبر، أم إنسانًا يعلو صوته ويضعف قلبه وعقله؟
إن ثقافة التأمل ليست صمتًا سلبيًّا، بل هي وعي، وسكينة، وإنصات، وتدبر، وحسن تلقٍّ عن الله وعن الكون وعن الإنسان. أما ثقافة الضجيج، فهي حركة بلا بصيرة، وصوت بلا معنى، ونشاط يسبق الفكر، وحضور يقتل الإنسان أمام نفسه.
فلنختر لأنفسنا وأبنائنا ثقافة تُنبت العقل، وتوقظ القلب، وتعيد إلى الإنسان قدرته على التفكر والتدبر والإنصات.
(*) مفتي الديار المصرية الأسبق.


