كلما التفتُّ يمينًا أو يسارًا ونظرت أمامي أو خلفي، طالعني مشهد من مشاهد المعاصي التي ارتكبتها في حياتي، وكأني أراها تعرض أمامي على شاشة التلفاز، تمضي معي حيث أسير، وحيث أقف، وحيث أنام وأصحو.. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)(الحشر:18)؛ هذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، باستحضار أعماله وتفقدها، فإن رأى زللاً تداركه بالإقلاع عنه والتوبة النصوح، وإن رأى تقصيرًا بذل جهدًا في تكميله. وفي نفس السياق جاء في الحديث الشريف: “الكيِّسُ مَن دانَ نفسه وعمِل لِما بعدَ الموت، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواها وتمنّى على الله الأمانيَّ” (رواه الترمذي).
وما يعاوده بعض الناس من صور وذكريات لأعمالهم الماضية في حال يقظتهم ليست بقاعدة عامة، فهناك من لا يرى ذنوبه رأي العين، ولكن يرى آثارها في ضيق بالصدر، أو بركة رُفعت عنه، أو اضطراب في الرزق، أو فتور في الطاعة، أو تعثر في أمور كان يسير فيها بسلاسة.. قال سفيان الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته. فالذنوب ليست أحداثًا تنشأ ثم تنقضي، بل تظل آثارها في القلب، وتترك فيه علامة أو خاطرًا يعود ويتجدد ذكره بين الحين والآخر.
يرى علماء النفس أن تذكُّر الإنسان لبعض الأحداث، ورؤيتها كأنها واقع حاضر يعيش لحظته مرة أخرى، أو كفيلمٍ وثائقي يدور شريطه أمام عينه، قد تكون استرجاعًا قويًّا للذاكرة. فهناك أمور تظل محفورة في الذاكرة لا تُنسى أبدًا، خصوصًا تلك المرتبطة بمشاعر قوية، كالفرح أو الحزن أو الصدمة الشديدة، والمواقف التي تحدِّد أو تغير مصيره واتجاهه في الحياة.. كما يثبت الحدث في الذاكرة أكثر، عندما يكون الإنسان حاضر الذهن، شديد التركيز والانتباه وقت وقوعه، ويزيد دوامة التفكير في الحدث من ترسيخه في الذهن. وإذا ارتبط الموقف بصور محسوسة تشد الانتباه وتجذب الأحاسيس، تظل عالقة بالذاكرة محفوظة بها، فمثل هذه الذكريات لا تختفي غالبًا، بل تخزَّن في الدماغ تخزينًا عميقًا، لكنها تبقي غير نشطة حتى يأتي ما يوقظها، فتظهر وكأنها مشهد حيّ يتذكر الإنسان عبْره التفاصيل، فيعود به ذهنه إلى اللحظة ذاتها، بينما تُمحى المعلومات السطحية سريعًا. وأشار العلماء إلى أن الذاكرة تختار ما له معنى أو أثر وتترك غيره. وعلاوة على ذلك، عندما يتقدم الإنسان في العمر، يميل إلى مراجعة حياته واستحضار ماضيه ومراجعة مواقفه وقراراته، وكأنه يراجع سجلًّا كاملاً لأعماله وحياته.
يرى علماء الدين أن استحضار الذنوب وعرضها على صاحبها حتى يلوم نفسه، هي من أبرز صفات النفس اللوامة، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)(القيامة:2)، والقسم يدل على شرفها ورفعة شأنها، وهي النفس التي توقظ صاحبها عند التقصير، وتعاتبه إذا فرط في حق الله أو في حق الناس، وهي التي تعوِّد صاحبها على محاسبة نفسه. فإذا وقع في معصية سارع إلى الاستغفار والتوبة والاجتهاد في إصلاح ما أفسده، وهذه النفس تتحرك بصاحبها بين الصواب والخطأ، لكنها تبقى حية يقظة، ليَثبُتَ صاحبها على طاعة الله، وكلما اشتد لومها ارتقى الإنسان في مدارج الإيمان حتى يبلغ الطمأنينة.
وذكر بعض العلماء أن النفس اللوامة هي التي تخاطب صاحبها قائلة: لماذا فعلت كذا؟ ولم تركت كذا؟ كما قالوا: تلوم صاحبها وتذكره بذنوبه صورة بعد صورة. أو قالوا: لا تزال تعاتب صاحبها وتعرض عليه ذنوبه مشهدًا بعد مشهد. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا”. والمحاسبة تقوم على استحضار أعمال الإنسان ومراجعتها بجلاء، كأنها تعرض أمامه في صورة واضحة تظهر مواضع الزلل والهداية. وربط “أبو لبابة” نفسه في سارية المسجد، وقال: “والله لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى يتوب الله عليّ”، دليل على شعوره بالندم واستحضاره المستمر لذنبه، وبقى كذلك أيامًا حتى نزلت توبته، فأطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان “الحسن البصري” كثير البكاء عند ذكر المعاصي. قال تعالى: (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(الأعراف:23).
أما النفس الأمارة بالسوء، هي أدنى مراتب النفس، تميل بطبيعتها إلى الشهوات، وتدفع صاحبها إلى المعاصي، وتأمره باتباع الهوى والبعد عن الطاعة دون نظر إلى العاقبة. كما أن صاحبها كثير الغفلة، ضعيف في مقاومة الهوى، يبرّر خطأه ولا يرى تقصيره.. وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم على لسان امرأة العزيز، في قوله تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)(يوسف:53).
وأما النفس المطمئنة، فهي أرقى وأعلى مراتب النفوس، حيث استقرت على الإيمان والذكر، وبلغ صاحبها مقام السكينة والرضا، فصار هواه تبعًا لما جاء به الشرع. كما أنها ثابتة عند الفتن والابتلاءات، لا تتزعزع أمام الشهوات، وصاحبها راسخ اليقين، ثابت على الطاعة، بعيد عن الاضطراب، مطمئن إلى وعد الله وقضائه؛ لأنها وجدت سعادتها في الطاعة. وجاء ذكرها في قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً)(الفجر:27-٢٨).
وعادة ما يتذكر الإنسان ذنوبه أكثر من تذكره لطاعاته، حيث إن الذنوب تترك أثرًا مؤلمًا في القلب، وتولد ندمًا والندم شعور قوي يعلق بالذاكرة أكثر من غيره. بالإضافة إلى ما يستشعره من آثار للذنب على حاله. وقد تكون الذنوب باعثًا على الرجوع إلى الله، ولهذا تبقى في الذاكرة. وذكر بعض العلماء أن الذنب يورث انكسارًا، والانكسار يجعل الذاكرة حاضرة. كما ذكر بعض السلف أن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة. فسألوهم: وكيف ذلك؟ قالوا: يفعل الذنب ثم لا يزال خائفًا منه، باكيًا مستغفرًا نادمًا، حتى يلقى الله بقلب منكسر.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ)(آل عمران:135)، وقيل إن تذكر الذنب إذا قاد إلى توبة أو استغفار فهو نعمة من نعم الله، أما إذا قاد إلى يأس وقنوط فهو من الشيطان. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه معروفًا بشدة محاسبته لنفسه، واستحضاره لتقصيره.. كان دائم التوبة، يسعى إلى تعويض ما فاته من الطاعات، واستشعار أثر الذنب على قلبه.
وقال الحسن البصري: “من ذكَّر نفسه بذنبه كان أقرب إلى التوبة”، بالإضافة إلى أنه كان يحث الناس على محاسبة النفس واستحضار المعاصي السابقة لتزكية القلب. ويقول ابن القيم: “رُبَّ معصية أورثت ذلًّا وانكسارًا، خير من طاعة أورثت عجبًا واستكبارًا”.
فمهما كثرت الذنوب، فينبغي على الإنسان أن يتذكر أنّ رحمة الله أوسع منها، وأن باب التوبة دائمًا مفتوح على مصراعيه، وأن الله عز وجل يفرح بتوبة عبده، ويغفر الذنوب جميعًا ما لم يشرك به شيئًا. وينبغي أن يعلم أنّ ما أصابه من خطأ أو تقصير فهو بتقديره وحكمته سبحانه. لذا، عليه أن يُقبل إلى الله بنفس صادقة، عازمًا على التطهر والتوبة، متوكلاً على فضله ورحمته، قال تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا)(الإسراء:25)؛ إن الله تعالى مطلع على ما أكنته سرائر البشر، وهو أعلم بما فيها من خير وشر، وهو لا ينظر إلى أعمالهم وأبدانهم، وإنما ينظر إلى قلوبهم وما فيها.
وقد صرح القرآن الكريم بأن الإنسان يرى ذنوبه يوم القيامة، قال تعالى (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ)(آل عمران:30)، أي إن الإنسان يرى عمله حاضرًا أمام عينيه. ليس هذا فحسب، بل ستشهد عليهم جوارحهم بما فعلوا، قال تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(النور:24)، وقال عز وجل: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(يس:65).
وختامًا، من رحمة الله، أنه يخفف عن قلب الإنسان ثقل الذكريات المؤلمة، وعن نفسه أعباء الماضي التي تثقلها، وعن عقله الهموم التي ترهقه، فيزيح عنه القلق والاكتئاب، ويتيح له مواصلة حياته بسهولة ويسر.. وهذا كله نعمة من الله، وفضله المتمثل في نعمة النسيان. فلو تذكر الإنسان كل خطأ وكل ألم مر به، قد يصاب باليأس أو القنوط. ولو ظل الإنسان أسيرًا للأحداث التي أصابته، محتفظًا بالحزن ملازمًا له، لما استطاع أن ينهض من جديد، وما استطاع أن يواصل جهده وعمله، ولا فتح قلبه لما يأتيه من فرح يجدد الروح، وعمل يقربه إلى الله، وسكينة تغمر نفسه.. وما استطاع أن يستمر في طاعاته وعباداته بخشوع وطمأنينة، وما أن يصبح له قدرة على العطاء والتعاون والرحمة.. وبفضل النسيان يصبح العقل قادرًا على استيعاب الجديد، والنفس على التعلم والتفكر ومن ثم الإبداع، وبفضل النسيان تطيب العلاقات مع الآخرين، وتزول الأحقاد، ويفسح المجال للتسامح والمصالحة.
(*) كاتب وباحث مصري.


