الأسرة هي اللبنة الأولى التي يتكون منها المجتمع، وهي الوسط الإنساني الأول الذي ينشأ فيه الطفل، ويتعلم من خلالها نمط الحياة وأبجديات التعايش مع الآخرين. ومن ثم جاء الاهتمام بالأسرة؛ لأن الاهتمام بها يعني الاهتمام بالمجتمع، وبالتالي الاهتمام بالوطن؛ فاستقرار الأسرة يعني استقرار المجتمع والوطن، والعكس صحيح.
والأسرة هي عشيرة الرجل وأهل بيته، وهي الوحدة الاجتماعية الأولى التي تهدف إلى المحافظة على النوع الإنساني. ويرى علماء الاجتماع أن الأسرة هي نواة المجتمع، وبها، ومع غيرها من الأسر، يتكون المجتمع. وهذه الأسرة هي البيئة التي يتربى في أحضانها الفرد، ويرضع من معينها قيمه، ومبادئه، وأخلاقه، ومعلوماته عن المجتمع من حوله.
ويعرِّف علم الاجتماع الأسرة بأنها: «وحدة بنائية تتكون من رجل وامرأة تربطهما علاقة روحية متماسكة، مع الأطفال والأقارب، ويستند وجودها إلى الدوافع الغريزية، والمصالح المتبادلة، والشعور المشترك بين أفرادها».
ولفظ «الأسرة» لم يرد في القرآن الكريم بهذا المعنى أو بغيره، كما لم يرد في السنة النبوية، وإنما ورد في القرآن الكريم لفظ «الأهل» للدلالة على هذا المعنى؛ فأهل الرجل هم امرأته، قال تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾(طه: 10).
واستُعمل لفظ «الأهل» أيضًا فيمن يجمعهم بالإنسان نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة أو بيت أو بلد. وأهل الإنسان -في الأصل- من يجمعه وإياهم مسكن واحد، وأهل بيت النبي ﷺ هم أسرته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(الأحزاب: 33).
وخوطب سيدنا نوح عليه السلام -وهو يدعو بالنجاة لابنه- بقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾(هود: 46). كما خوطب سيدنا لوط عليه السلام بقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾(هود: 81).
وتندرج سائر المعاني القرآنية، من المودة، والرحمة، والسكن النفسي، والنسب، والصهر، تحت مصطلح «الأهل». ويقول الرسول ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، دلالة على الأسرة، وهذا المفهوم يضيف معنى مهمًّا، وهو ضرورة احترام كل ما يجري عليه التعاقد بين طرفي الأسرة -الرجل والمرأة- وسائر الأحكام المتعلقة بها.
والاعتناء بالأسرة هو اعتناء بالمجتمع بالتبعية؛ فحيثما نجح ولي الأمر في إصلاح شأن الأسرة، فقد نجح في إصلاح شأن المجتمع. وكما أن الأسرة هي نواة المجتمع، فكذلك الفرد هو نواة الأسرة، فإذا أُحسن الاعتناء بالفرد، أثمر ذلك فردًا صالحًا، وإذا صلح الفرد صلحت الأسرة تبعًا لذلك. ومن ثم، فإن الضرورة القصوى والعاجلة هي العمل على صلاح الإنسان؛ ولذلك شرع الله تعالى الزواج من أجل تكوين الأسرة، التي تُعد المحضن التربوي الأول للفرد، فتعمل على صلاحه واستقامة حاله.
وقد اعتنى الشرع الإسلامي بالأسرة، وحرص على وجود الأسرة الصالحة؛ لأن الأسر الصالحة تنتج مجتمعًا صالحًا، والأسر الفاسدة تنتج مجتمعًا فاسدًا. والمتتبع للشريعة الإسلامية يجد أن المشرع أولى الأسرة أهمية عظيمة، وأعطاها مكانة رفيعة، وحرص على بقائها. ولا يوجد نظام أولى الأسرة من الرعاية والعناية مثلما أولتها الشريعة الإسلامية؛ إذ حرص الإسلام على بناء الأسرة على الود، والسكن، والطمأنينة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الروم: 21).
وقد بيَّن القرآن الكريم أن كلًّا من الزوجين قسيم الآخر ونصفه، وبدونه يضيع ويضمحل، قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾(الأعراف: 189). ولا يتصور أن تقوم حياة إنسانية مستقيمة إذا تفككت الأسرة، وانهدم كيانها، وتصدع بنيانها.
أما اتصال الرجل بالمرأة عن طريق غير مشروع (السفاح)، فهو اتصال لا يليق بكرامة الإنسان، وهو وإن حقق شهوة عابرة، فإنه لا يحقق بحال من الأحوال السكن، والهدوء، والاستقرار، كما أنه لا يقوم على تحمل المسؤوليات أو إنجاب الأبناء في إطار أسرة مستقرة. وإن جاء مولود من هذا الطريق، كان عرضة للضياع والتشرد، وهكذا يكون هذا الاتصال بين الرجل والمرأة مصدر شقاء وتعاسة، وتظل آثاره السيئة تطارد مرتكبيه، فلا يشعرون بسعادة ولا استقرار ما داموا على تلك الحال. ويبقى الزواج الشرعي أساس تكوين الأسرة، وسر سعادتها وبقائها، وبالتالي سعادة المجتمع واستقراره.
والأسرة هي المؤسسة الاجتماعية التي تنشأ نتيجة عقد زواج صحيح بين رجل وامرأة، لتأمين استمرار الجنس البشري، وتمكين الإنسان من أداء مهمة إصلاح الأرض وإعمارها على النهج الذي جاء به الأنبياء والمرسلون.
وقامت عناية الإسلام بالأسرة على أربعة أسس، هي:
1- وحدة الأصل والمنشأ: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾(النساء: 1).
2- المودة والرحمة: حبب الإسلام أفراد الأسرة بعضهم إلى بعض، لتستمر الحياة في ظل النبل والتكافل والتراحم، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾(الروم: 21).
3- احترام الكبير وبرُّه، والإحسان إليه: قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾(لقمان: 14).
4- العدل والمساواة: قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(البقرة: 228).
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بنظام شامل يحمل في طياته معاني الإنسانية، والتراحم، والعطف، فاهتمت بالأسرة اهتمامًا بالغًا؛ لكونها الوحدة الأولى للمجتمع، وأول مؤسساته التي تتكون فيها العلاقات -في الغالب- بصورة مباشرة، ويتم داخلها تنشئة الفرد اجتماعيًّا، ويكتسب منها كثيرًا من معارفه، ومهاراته، وميوله، وعواطفه، واتجاهاته في الحياة، ويجد فيها أمنه وسكنه.
وشرع الإسلام لهذه الأسرة تشريعات وأنظمة خاصة تكفل أمنها وسلامتها، حتى في حالات الخلل الوظيفي، واضطرابات الحياة الزوجية، وفقدان الزوجين مظاهر المودة والسكن بينهما. ومن هنا جاءت القوانين والتشريعات التي تحدد حقوق وواجبات كل من الزوجين، لتكون الفرقة والانفصال وسيلة للإصلاح والتكامل، لا أداة للصراع بين الطرفين، مراعاةً لثمرة الزواج، وهم الأبناء والبنات.
لقد نظر الإسلام إلى الأسرة على أنها النواة التي يُبنى منها المجتمع، فنظم أحوالها تنظيمًا دقيقًا، لم يشهد له مثيلاً لدى أي أمة من الأمم، ولا في أي نظام، قديمًا كان أو حديثًا. وقد بيَّنت مصادر التشريع الإسلامي النظم التي ينبغي أن تسير الأسرة وفقها في الإسلام، فأوضحت الحقوق المتبادلة بين الزوجين، وحقوق الأولاد وواجباتهم، وواجبات الجميع تجاه بعضهم بعضًا، وتجاه الله تبارك وتعالى، وتجاه المجتمع، فجاءت بترتيبات دقيقة تؤسس لحياة سعيدة، لم تعرف البشرية لها مثيلاً من قبل.
وبيَّن المنهج الإسلامي في معالجة خلافات الأسرة أن يكون حل المشكلات قائمًا على الصراحة، وعدم اللجوء إلى التكتم أو المداراة مع غياب صفاء النفوس؛ إذ إن الخلافات لا تلبث عندئذ أن تتفاقم، وتطفو على السطح بصورة قد تستحكم، ويتعذر معها العلاج. ولذلك يقتضي الشرع سلوك وسائل المعالجة بالحكمة، والموعظة الحسنة، ثم الهجر، وقد ذكر الفقهاء بعد ذلك التأديب وفق الضوابط الشرعية.
واقتضت سنة الله تعالى في الخلق أن يقوم الكون على الزوجية، فخلق سبحانه وتعالى من كل شيء زوجين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾(الذاريات: 49).
كما أودع سبحانه وتعالى ميلاً فطريًّا بين زوجي كل جنس؛ فكل ذكر يميل إلى أنثاه، والعكس، وذلك لتكاثر المخلوقات واستمرار الحياة على وجه الأرض. وجعل سبحانه ميل الرجل إلى المرأة، وميل المرأة إلى الرجل، مختلفًا عن سائر الكائنات؛ فالميل عند الإنسان غير مقيد بوقت، ولا محدود عند حدود الوظيفة الجنسية، وذلك لاختلاف طبيعة الإنسان عن طبيعة الحيوان؛ إذ إن الصلة القلبية، والتعلق الروحي عند الإنسان، لا يقفان عند مجرد قضاء الوطر، بل يستمران مدى الحياة.
وتبرز أهمية الأسرة ومكانتها في الإسلام من خلال ما يأتي:
1- تحقيق النمو الجسدي والعاطفي، وذلك بإشباع النزعات الفطرية، والميول الغريزية، وتلبية المطالب النفسية، والروحية، والجسدية، باعتدال ووسطية.
2- تحقيق السكن النفسي والطمأنينة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾(الروم: 21).
3- الحفاظ على الأنساب؛ فمعرفة النسب تمنح الفرد قيمة اجتماعية ومعنوية، وتحميه من عار الجهالة بالأصل.
4- غرس معنى تحمل المسؤولية في نفوس أفراد الأسرة.
5- تجسيد التكافل الاجتماعي؛ إذ أوجب الإسلام على أبنائه أن يكونوا يدًا واحدة، على اختلاف منازلهم في المال، والجاه، والحسب، والنسب، والعلم.
والأسرة في الإسلام ثلاثة أنواع:
– الأسرة الصغرى: وهي التي تتألف من الزوجين والأولاد.
– الأسرة الوسطى: وهي التي تضم سائر الأقارب، وتشمل الآباء، والأجداد، والإخوة، والأخوات، والأعمام، والعمات، والأخوال، والخالات.
– الأسرة الكبرى: وهي المجتمع بكل طوائفه، الذي أوصى الإسلام بالتعارف والتعاون بين أفراده، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(الحجرات: 13).
وقد عني الإسلام بالأسرة، ودعا إلى الحفاظ عليها، وحماية حقوق جميع أطرافها، وأقام علاقاتها على قاعدتي المودة والرحمة، واعتبرها بيت السكينة، لا مجرد بيت للتساكن. كما ضمن الإسلام للأسرة أحكامها الخاصة، ونظم العلاقة بين الزوجين، ووضع لكل منهما حقوقًا وواجبات، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(البقرة: 228).
كذلك نظم العلاقة بين الأولاد وآبائهم وأمهاتهم، وضبط أحكام الميراث بينهم بأحكام إلهية محكمة، وجعل بر الوالدين وطاعتهما في المرتبة الثانية بعد طاعة الله تعالى، والنهي عن الإشراك به.
المراجع:
- أحمد زايد، الأسرة والطفولة: الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، بدون سنة نشر.
- عبد العظيم أحمد عبد العظيم، التربية الجنسية في الإسلام، مكتبة الإسراء، الإسكندرية، 2008م.
- عبد العظيم أحمد عبد العظيم، المنهج النبوي في حل المشكلات، دار الصحابة، طنطا، مصر، 2021م.
- علي ليلة، النظرية الاجتماعية وقضايا المجتمع، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2015م.
- محمد أبو زهرة (ت: 1979م)، تنظيم الإسلام للمجتمع، دار الفكر العربي، القاهرة، 1385هـ/1965م.
- مصطفى صبري، قولي في المرأة، دار القادري، بيروت، الطبعة الأولى، 1413هـ.


