هل ثمة حياة بلا ضوء؟

الضوء والنور علميًّا، مصطلحان متعلقان بالطاقة الإشعاعية الكهرومغناطيسية، لكن الضوء، طاقة تُرى بالعين البشرية، كضوء الشمس وطيفها ما بين الأشعة تحت الحمراء (الموجات الأطول)، إلى الأشعة فوق البنفسجية (الموجات الأقصر). أما النور (وهو يرد مُفردًا في القرآن)، فيشمل كل أشكال تلك الطاقة وانعكاساتها كنور القمر. وأما الظلمات (وهي ترد مجموعة في القرآن)، لا توجد مستقلة، وإنما هي غياب للضوء. فعندما لا يوجد ضوء أو نور (هداية)، يصبح الفضاء والمكان والنفس والوجدان والفكر، غارقًا في الظلمات. إذن، ما هي مصادر الضوء، وما تجلياته كأداة حياة، وعلامة صحة ومرض؟ وهل توجد مخلوقات تعيش بلا ضوء؟ وماذا لو اختفى ضوء الشمس فجأة؟

أكثر المصادر الضوئية هي الحرارية، كأشعة الشمس المنبعثة من سطحها ودرجة حرارته نحو 6,000 كلفن تقريبًا، بينما درجة حرارة نواتها تصل إلى 15,7 مليون كلفن. ويصل لنا نحو 44% من طاقة الشمس كضوء مرئي مُستغرقًا حوالي ثماني دقائق. ويتراوح الطول الموجي للضوء ما بين 400-700 نانومتر (400-700 ×10-9 متر). وتقدَّر سرعته في الفراغ 299,792,458 م/ث كإحدى ثوابت الكون. أما المصابيح المتوهجة فتنبعث من طاقتها حوالي 10% كضوء مرئي، والباقي أشعة تحت حمراء.

ولا رؤية جلية -للقيام بالمعايش- بدون ضوء، حيث انعكاس موجاته على شبكية العين، ثم يترجم الدماغ الإشارات البصرية كطيف واسع من الألوان والأشياء. وتوجد مخلوقات ترى أكثر مما نراه من أطياف موجية؛ فبعض الطيور والفراشات والنحل، ترى ضوء الأشعة فوق البنفسجية وهي أطوال موجية، أقصر من الضوء البنفسجي. وبعض الأسماك، كأسماك “كريبنسس المخططة” ترى جيدًا ضوء الأشعة تحت الحمراء.

وتسبب أشعة الشمس تبخير مياه البحار والأنهار، ومع تحريك الرياح تنهمر الأمطار، فتنتفع بها الأرض الخاشعة، وتهتز وتربو وتنبت. وتمتص النباتات الخضراء عبر التمثيل الضوئي- ضوء الشمس، وثاني أكسيد الكربون، والماء، وعناصر من التربة؛ لتنتج أطعمة الإنسان والحيوان والطير، وبالتالي أكسجين تنفسهم. وهي عملية تتم على مرحلتين: في الضوء، وفي غيابه (أي في الظلام)، وهي هامة لضبط المناخ؛ إذ تتحكم في التخلص من نسبة كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، وفي دورة عنصر الكربون، ومن ثم توفير معظم طاقة حياتنا، حيث تسهم بنحو 130 تيراواط (ثماني أضعاف استهلاك الطاقة الحالي للبشر). كما توفر أشعة الشمس دفء الطاقة اللازم للأنشطة الخلوية (البشرية وغير البشرية). وكمنظف بيئي حيوي، تعمل الأشعة فوق البنفسجية على تطهير الجو والملابس والمفروشات، من الميكروبات والفطور وقشور الجلد وغيرها، مما يقلل من انتشار الأوبئة.

الضوء والساعة البيولوجية

توافقًا مع ضوء النهار وغيابه، ووفرة وقحط الغذاء، وتبدل فصول العام، والمد والجزر، وُهب الحيوان والطير والنبات والبشر ساعة بيولوجية وزهرية تتزامن -سلوكيًّا وفسيولوجيًّا- مع هذا التغير الدوري. فعندما تدق ساعتهم البيولوجية، تحسم الحيوانات والطيور المهاجرة قرارها وتعزم أمرها. وتغلق بعض النباتات والفطريات أوراقها وأزهارها وفق ضوء النهار وغيابه ليلاً. كما ينام أغلب البشر، ويستيقظ غيرهم، وينظمون عملية تمثيلهم الغذائي والهرموني، حيث تخضع أجسامنا لدورات، مدة كل منها 24 ساعة.

الضوء والحالة المزاجية والطبية

التعرض لأشعة الشمس المباشرة -لفترة معتدلة- وسيلة ناجعة لزيادة هرمون “السيروتونين” المسؤول عن تنظيم النوم والشهية والمزاج المعتدل. أما الذين يقل تعرضهم لضوء الشمس (كالسائقين والعاملين بنوبات ليلية)، فقد يعانون من “الاكتئاب”، و”الاضطراب الموسمي”. فإن كنت تعمل ليلاً، فعليك شراء جهاز إضاءة يحاكي ضوء النهار، وتعرض له لتحسين حالتك المزاجية.

ولتمتص أجسامنا عناصر الكالسيوم والفوسفات (لصحة العظام والأسنان والعضلات) من طعامنا، نحتاج لجرعات من فيتامين “د”، ونقصه يؤدي لضعف وهشاشة في العظام، وتشوهات في الهيكل العظمي. ويمكننا الحصول عليه عبر تعرض أجسامنا مباشرة لضوء الشمس، فيتخلق الفيتامين تحت الجلد. ولكن كن حذرًا من الحروق الجلدية بسبب التعرض المُفرط لأشعة الشمس، وبخاصة على الشواطئ. وكيميائيًّا، يغير الضوء بعض أسطح المواد (كجزيئات هاليد الفضة)، فيتم تسجيل صور عليه (كأفلام الأشعة السينية). ويمكن للضوء القوي أن يُبَهِّت ألوان الأقمشة بتغير صبغتها كيميائيًّا.

ومن استعمالات الضوء الاصطناعي الطبية والجراحية: أجهزة تشخيص عينات السوائل والأنسجة بـ”المطياف الضوئي” (Spectrophotometer)، وفي علاج الرضع الذين يعانون من اليرقان. كما يستخدم الضوء المنخفض الشدة لعلاج بعض الآلام العضلية، ومرض “باركنسون”، وأنواع من الاكتئاب، واضطرابات النوم. كما يستخدم “الليزر” (تكثيف الضوء بالانبعاث المحفز للإشعاع) في الجراحة لقطع الأنسجة أو إزالة بثور، وأورام سرطانية، وفي مرض “التصلب العصبي”. وجراحة العين بتقنية “الليزك” (LASIK) لتصحيح مشاكل النظر والاستغناء عن ارتداء النظارات الطبية والعدسات اللاصقة، ولعلاج الالتهاب القرنية والملتحمة. وكذلك يوجد علاج بالضوء لالتهاب الأذن الوسطى والداخلية.

في غياب الضوء: إضاءة حيوية وحيوات أخرى

توجد مخلوقات عجيبة تضيء ضوءًا ذاتيًّا مرئيًّا باردًا (غير مُصاحب بإشعاع حراري). وتضم بكتريا، وفطريات، وطحالب، وعوالق بحرية، وديدان أرضية، وحشرات، ورخويات، ولافقاريات بحرية، وشوكيات، وقشريات، وأسماك أعماق البحار (كسمك أبو الشص وغيره)، حيث انعدام الرؤية بسبب الظلمة التامة المركبة.

ومن أشهر نماذج المخلوقات البرية التي يُرى ضوؤها من بعيد، خنافس (Lampyris noctiluca)، أو يراعات ذباب النار (Fire flies). وفي غابات أواسط إفريقيا وأمريكا الجنوبية، يُشاهد “عرس تزاوج الخنافس المضيئة” كحفل ألعاب نارية تتألق أنواره، ويتفق توقيته بإيقاع ضوئي. وفي كهوف جبال “وايتومو” نيوزيلاندا، تتوهج آلاف يرقات “Arachnocampa luminosa”، وتشاهد كمصابيح مُدلاة/سُرج الليل، لكل واحدة خيط لزج متلألئ ومتدلى 50-60سم، ويستخدم كمصيدة للحشرات الأخرى.

وهذه “الإضاءة الحيوية” Bio-luminescence أو الفسفرة المضيئة هي قدرة ذاتية على إنتاج ضوء مرئي، حيث تقوم أغلب المخلوقات المُضيئة بإنتاج صبغة “اللوسيفيرين” و”إنزيم اللوسيفراز”، مع وجود مصدر للأكسجين والطاقة وهو مركب “ثالث فوسفات الأدينوسين”. يُسفر هذا التفاعل عن إنتاج مركب “أوكسي لوسيفرين”، فينبعث الضوء بألوان منها الأحمر والأزرق والأرجواني والأصفر المخضر. ولكل لون مصابيحه المميزة، وفترات ومضاته الضوئية المستمرة/المتقطعة، أو السريعة/البطيئة. وتستخدم الميزة الضوئية في عمليات الرؤية والتمييز الهوياتي، والتواصل والتكافل والتزاوج، وصيد الفرائس، والترهيب والدفاع عن النفس. كما توجد فسفرة مضيئة في خلايا، مثل الخلايا العصبية عند تنشيط بعض مسارات الإشارات.

وهناك مخلوقات تعيش في غياب أو ندرة من ضوء، منها بكتيريا وفطريات، ولافقاريات وقشريات وأسماك كهوف وقيعان، وزواحف (كالثعابين والوزغ)، وحشرات (كالخنافس واليعاسيب والذباب)، وثدييات (كالخفافيش والفئران والجرذان)، والطيور الزيتية وغيرها. وقد وهبت حواس أخرى وآليات فسيولوجية لتبقى وتعيش وتزدهر، منها: اللمس والشم والسمع والحركة عبر الاهتزازات، والتواصل بالرسائل الكيميائية، والسمع بالموجات فوق الصوتية (السونار)، وموجات النطاق المسموع للبشر (20-20 ألف ديسيبل) وللطيور الزيتية ..إلخ.

ماذا لو اختفت الشمس وضوء مجرتنا فجأة؟

تقدر البحوث بأن نجم الشمس سيموت بعد استنفاد وقوده الهيدروجيني، ليصبح نجمًا (القزم الأبيض) بحجم الأرض، وسيستغرق ذلك نحو 5-7 مليارات سنة من الآن، سيخلع عنه رداءه من الغازات التي جعلته عملاقًا أحمر. لكن لو تصورنا حدوث ذلك فجأة، فستبقى الكواكب دائرة في مداراتها حول القزم الأبيض، لامتلاكه نفس كتلته، وسيتحول النهار إلى ليل دامس، وسينطفئ نور القمر على الفور، فلم يعد يتلقى ضوء الشمس.

وماذا عن جاذبية الشمس؟ حجم الشمس يعادل كتلة الأرض 333,000 مرة، لذا فلها قوة جذب ضخمة للمحافظة على الكواكب ثابتة في مداراتها. فلو اختفت تلك الجاذبية فسنستغرق ثماني دقائق لنشعر باختفائها، بحسب نسبية آينشتاين فإن الجاذبية تسير بنفس سرعة الضوء. لذا قد تنفلت الأرض من جذب (القزم الأبيض)  لها، وتخرج من الأخدود “الزمكاني” الذي كانت تدور فيه. وستنطلق في مسار فضائي مستقيم هائمة على غير هدى. وقد تصطدم بحزام الكويكبات أو بأحد الكواكب الأخرى وستنتهي الأرض بتجمدها، وفناء كل من عليها بردًا وزمهريرًا. ولن توجد طاقة -طبيعية أو اصطناعية-كافية للإبقاء على الكائنات الحية والغلاف النباتي والماء السائل، قوام الحياة. وستموت النباتات لانتهاء التمثيل الضوئي، وستزداد كمية ثاني أكسيد الكربون.

وبانقطاع الضوء عن الخلايا الشمسية للأقمار الصناعية، ستتعطل وستنقطع الاتصالات. وستختفي علامات مواعيد الصلاة والصوم والحج والزكاة. فقد كان ضياء الشمس ونور القمر وتقديره، منازل إعلام لنا بعدد السنين والحساب ومواقيت الأشهر والأيام؛ لضبط العبادات والمعاملات: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ)(يونس:5-6).

——————–

(*) كاتب وأكاديمي مصري.