أمراض الرفاهية رأس المشاكل الصحية

كثيرة هي العوامل التي تؤدي لحدوث أمراض الرفاهية، التي منها التوتر، والشعور باضطراب التوازن النفسي، ومشاكل العمل، والضجيج، والتدخين، ومصادر أخرى عديدة لا تنتهي، والحياة مع ذلك تستمر. أعلن العلماء الفرنسيون عن اكتشافهم لأول دليل بيولوجي على أن التدخين يدمر خلايا المخ، ويوقف تجدد الأنسجة العصبية وإنتاجها، مما يشكل عبئًا كبيرًا على مخ الفرد، ويشتت قدرته على العمل السوي أو اتخاذ القرار السليم. وتوصل الباحثون في المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الطبية والصحية إلى هذا الإثبات عن كيفية تأثير تدخين التبغ على الجسم. ومن خلال تشريح أدمغة ثلاث مجموعات من الفئران تم حقنها بكميات منخفضة أو متوسطة أو عالية من مادة النيكوتين لمدة 42 يومًا، وجد الباحثون أن الحيوانات التي حقنت بجرعات متوسطة وعالية من النيكوتين، أظهرت انخفاضًا كبيرًا في إنتاج خلايا دماغية جديدة حوالي 50%، ومعدلات أعلى من موت الخلايا في الدماغ، مقارنة بالمجموعة التي لم تحقن بتلك المادة.

لاحظ  هؤلاء العلماء أيضًا، أن جميع الفئران التي حقنت بالنيكوتين عانت من انخفاض كبير في مستويات بروتين بسانكام، وهو جزيء التصاق الخلايا العصبية المتعددة، الذي يلعب دورًا حاسمًا في تطوير الجهاز العصبي وهجرته، وتكوين المشابك العصبية، كما يلعب دورًا حيويًّا في تكيف الدماغ، والمرتبط بالقدرة على التعلم والتذكر. ويرى العلماء أن النتائج الجديدة تقدم سببًا وجيهًا -إلى جانب الأسباب الأخرى- للامتناع عن التدخين أو التوقف عن هذه العادة فورًا، مشيرين إلى أن هذه الدراسة أظهرت أن التدخين يضعف الذاكرة والأداء الإدراكي.

ومن أمراض الرفاهية أيضًا، المرض النفسي، وقد أطلقت منظمة الصحة العالمية دعوة جديدة لبحث أسباب المرض النفسي؛ لكي لا تصبح الكرة الأرضية مستودعًا للمجانين. ودعت كل الدول إلى وضع إستراتيجيات للسيطرة على المرض النفسي العقلي، حيث إن إحصاءات المنظمة، تقول إن عدد المصابين بأمراض عقلية يزيد على 450 مليون نسمة، أي ما يوازي 10% من مجموع عدد سكان العالم، ودون أن يعني ذلك أن كل مصاب هو مخبول أو معتوه، فهناك أمراض يتكيف المصاب معها، وهو الأمر الذي ينبغي الانتباه إليه، إذ يفترض في الدول -ولا سيما دول العالم الثالث- أن تخصص أجزاء من موازنتها لتكثيف الوعي العلاجي، فلا يَعْمد المريض إلى تخزين مرضه في داخله.

خطة لجعل الناس أكثر حساسية

لاحظ العلماء الذين تطرقوا إلى موضوع الانهيارات أو الاهتزازات العصبية في العالم الثالث، أن الناس هنا يخجلون من طرح مشكلاتهم على الأطباء، ويخبئون أنفسهم كما لو أن الإصابة بالفصام عيب يفترض ألا يعرف به أحد. وهذا موقف ساذج باعتبار أن ازدواجية الشخصية لا بد أن تظهر في حالات معينة، كما أن الوضع التراكمي يمكن أن يؤدي إلى نتائج خطيرة. ولعل الغرابة هنا حسب البروفيسور “سيدني لام” في جامعة هونج كونج، أن المريض يهرع إلى الطبيب إذا ما أصيب بكسر في قدمه -مثلاً- فيما يلزم الصمت إذا ما أصيب بكسر في العقل، والقليلون هم المستعدون للاعتراف بأن المشكلات النفسية، هي التي تنعكس على الوضع الجسدي. فالأكثرية ترى أن أي تدهور نفسي لا بد أن يكون ناجمًا عن اضطرابات جسدية.

وفي الصين تم تخصيص برنامج تليفزيوني، يرد فيه اختصاصيون على أسئلة موجهة من أشخاص يعانون من اهتزازات عصبية مختلفة، والغريب أن زبائن هذا البرنامج، يفوقون بأضعاف كثيرة زبائن البرامج الخاصة باللهو والتسلية. لا يقتصر هذا النوع من البرامج العلاجية على المجتمعات التي تشهد تحولات أيديولوجية، فحتى في بلدان مثل السويد هناك اهتمام خاص بالأمراض الناجمة عن الرفاهية. وكما هو معروف أدى ارتفاع مستوى المعيشة والوفرة الكاملة في كل شيء، إلى ارتفاع معدلات الانتحار بصورة لا تصدق.

وفي أستراليا يجري تنفيذ خطة ما وراء الأزرق، التي ترمي إلى جعل الناس أكثر حساسية في التعامل مع مشكلاتهم النفسية، فلا يدعونها جانبًا على أنها مسألة ثانوية، كون التفاعلات يمكن أن تقضي إلى مشكلات حادة، والطريف أن هذه الخطة تلحظ الطبيعة كعلاج. فالانشغالات اليومية التي تزداد كثافة، وكثرة التواجد داخل أروقة المكاتب، والإدارات، والشركات وغرفها المكيفة والمغلقة، وغيرها، حدَّت من تعامل الحواس مع المدى الحيوي للطبيعة مع أن أستراليا بلاد شاسعة، والطبيعة فيها متنوعة وساحرة. فأحد المشرفين على الخطة، لاحظ أن ركاب القطارات لم يعودوا يتطلعون ولو من قبيل الفضول عبر النوافذ، لأنهم يتصرفون كما لو كانوا داخل مكاتبهم أو غرف مقفلة، وذلك بفعل الإيقاع الميكانيكي للحياة الروتينية التي يعيشونها.

إستراتيجيات السيطرة على أمراض الرفاهية

تدعو منظمة الصحة العالمية الدول كافة، إلى وضع إستراتيجيات خاصة من أجل السيطرة على أمراض الرفاهية وأهمها  القلق والتدخين؛ لأن الوضع  الراهن قد يجعل من الكرة الأرضية مجرد مستودع للمجانين. ومن هنا ننصح كل فرد، ألا يترك نفسه فريسة سهلة للقلق والتوتر الذي يضعف الجسم، ويخرب الدماغ، ويؤدي على أقل تقدير للإصابة بالصداع والأرق والشعور بالآلام المختلفة جسمانيًّا. ويمكن أن يؤدي أيضًا، للإصابة بالاضطرابات الهضمية، والقلبية، والعديد من الأمراض التي تهدد الحياة. ولأن التوتر بات يحتل مكانة مميزة بين الباحثين والأطباء، ولأنه يعتبر العدو الأساسي للإنسان، فإنه في العشرين سنة الماضية برز فرع جديد في الطب يختص بدراسة العلاقة القائمة بين القلق والتوتر من جهة، والجهاز المناعي في الجسم من جهة ثانية.

عندما يصاب الإنسان بالتوتر فإن هرمونًا يدعى “كورتيكو تروبين”، يطلق عاملاً ينبه الغدة النخامية، التي تقع في قاع المخ أو الدماغ، التي بدورها تفرز هرمون “الأدرينوكورتيكو تروبين”، أو الهرمون المحفز للقشرة الكظرية التي تقع فوق الكلية، ومن ثم تطلق الغدة الكظرية هرمونَا “الأدرينالين” و”الكورتيزول” اللذين يعملان على تهيئة الجسم للتوتر، وما ينجم عنه من تسرع في دقات القلب، والتنفس السريع، وارتفاع في ضغط الدم، وغير ذلك من المظاهر السريرية المتعلقة بالتوتر أو القلق. وإذا ما تكررت الحالة وتعرض الإنسان للتوتر بشكل متواتر، فإنه يصبح عرضة للإصابة بالعديد من الأمراض، بما في ذلك الأمراض القلبية، والوعائية والتنفسية، والاضطرابات الهضمية، والالتهابات التي تضعف الجسم، وغير ذلك من الأمراض التي تهدد حياة الإنسان، وتعكر صفو مزاجه.

وللتخلص من التوتر ينصح خبراء الصحة النفسية بالخطوات التالية:

1- فصل العمل وهمومه عن البيت وخصوصيته؛ فالبيت للراحة فقط، وللاستمتاع مع أفراد العائلة، ولممارسة الهوايات المحببة. ولهذا ينبغي الحرص على تحقيق ذلك، والعمل على كسر الرتابة في البيت، ويمكن الاستعانة بالنباتات والورود والشموع، والألعاب التي يمكن ممارستها في البيت، والعمل على إضفاء المزيد من السعادة على الحياة العائلية، مع ضرورة ممارسة الاسترخاء وأخذ قسط كاف من الراحة أثناء النهار، والنوم لساعات كافية أثناء الليل.

2- للتخلص من التوتر داخل البيت بسبب الأعمال المنزلية أو غيرها، يمكن لأفراد العائلة أن يتعاونوا في هذا المجال، فبدلاً من أن تمضي الأم من ثلاث إلى أربع ساعات أو أكثر يوميًّا لتنظيف البيت وطهي الطعام، يمكن لهذا العمل إذا ما تم تنظيمه وبمساعدة الجميع، أن يكون ممتعًا ودون أن يأخذ وقتًا طويلاً.

3- أما في العمل فإن التنظيم أساس النجاح، ولتحقيق ذلك لا بد -أيضًا- من يترك المرء الهموم خلفه قبل أن يدخل إلى مكان العمل، ومن ثم يجب أن يضع المرء برنامجًا محددًا قابلاً للتطبيق من أجل تنفيذه وبدقة. ومثل هذا الأمر قد يبدو صعبًا بعض الشيء في البداية، ولكنه ليس بالأمر المستحيل، خصوصًا إذا ما توفرت الإرادة والأهداف الواضحة. ومن المهم جدًّا في العمل، أن يأخذ المرء فترات قصيرة للراحة، لأن العمل الطويل والمُجهد، يُضعف الإنتاج ويسبب القلق والتوتر.

4- أخيرًا، تجدر الإشارة إلى ضرورة التدريب على ممارسة فن الاسترخاء في البيت والعمل أو في أي مكان؛ فهو العلاج الأمثل والدرع الواقية ضد أمراض الرفاهية مهما كانت مصادرها.

——————–

(*) أستاذ ورئيس قسم جراحة العظام والتقويم سابقًا، كلية الطب بجامعة الإسكندرية / مصر.

المراجع

– الوضع الاجتماعي والاقتصادي وخطر الوفاة المرتبطة بأمراض الرفاهية، سايدا س، لوشتراك، تقارير الصحة العامة  بالولايات المتحدة الأمريكية 2025م.

– إزاتي م، فاندر هون س، لوز س. م، ليتش ر، جيمس وب، لوبيز أ. د، رود جرز أ، موراي س. ج، سايدا س، لوشتراك ك، إعادة النظر في نموذج “أمراض الرفاهية” العالمية للمخاطر الغذائية وعلاقتها بالتنمية الاقتصادية، مجلة بلوس الطبية 2025م.