من سُبل الارتقاء

إن اختيار النهج القويم والثبات عليه هو الغاية الأسمى. فإذا استيقنتم صواب وجهتكم، وآمنتم أن الطريق الذي تسلكونه هو ما ارتضاه الله لعباده، والمستمِدُّ ضياءه من مشكاة الكتاب والسنة، والمقتفي أثرَ الخلفاء الراشدين والصحابة الميامين والتابعين بإحسان؛ ذلك المنهج الذي نهل من معينه المجتهدون الأعلام، والمجدِّدون الصادقون، والأولياء الأصفياء.. فما دمتم قد سلكتم هذا الدرب بإرادةٍ حرّة، وبعد طول تأمّلٍ وتدبّر، حتى استقرّ اليقين في وجدانكم بأنكم على المحجّة البيضاء، فامضوا قُدُمًا بنفوسٍ مطمئنة، وتيقّنوا أن الله لن يخذلكم أبدًا، ولن يذيقكم مرارةَ التيه والضياع التي يعانيها المنحرفون.

إن الله عز وجل سينصب على دروبكم مناراتِ هدى، وتلوح في آفاقكم بشائرُ تشحذ العزائم وتبعث في النفوس شوقًا متجدِّدًا إلى بلوغ الغاية السامية. تلك هي البشرى التي تستنهض الهمم وتُذكي الرغبة في مواصلة المسير؛ فهذا الطريق سبيله سبحانه، وكل ما يصيبكم فيه من كدٍّ أو أذى، يغدو بفضله نعمةً ومنّة.

وهذه سنّة الطريق؛ فهل ابتُلي أنبياء الله الكرام إلا بصنوف البلاء الشديد؟ وهل عُرِّض الذين اتبعوهم وساروا على أثرهم لمحَنٍ واختباراتٍ قاسية إلا في هذا السبيل؟ وهل هُجِّر أولئك الأطهار من ديارهم إلا لأنهم سلكوا هذا الطريق؟

بل إنهم، بعد أن أُخرجوا من أوطانهم وظنّوا أنهم ابتعدوا عن الأذى، لم يتركهم خصومهم وشأنهم؛ بل ظلّوا يلاحقونهم ويتربّصون بهم.

لقد لحق فرعونُ بموسى عليه السلام، والنمرودُ بإبراهيم عليه السلام. وعلى الدرب نفسه سار نبيُّ الرحمة ومفخرةُ الإنسانية محمدٌ صلى الله عليه وسلم؛ إذ اضطرَّ إلى هجر مكة المكرمة التي تعلَّق بها قلبه، وتربَّعت على عرش وجدانه. فخرج منها مُكرَهًا متوجِّهًا إلى المدينة المنورة، التي كانت يومئذٍ -إذا قورنت بمكة- بلدةً متواضعة لا يتجاوز سكانها بضعة آلاف. ومع ذلك، لم يتركوه ينعم فيها بالسكينة؛ فكانت بدر، ثم أُحد، ثم الخندق. ثم جاءت مواجهة هوازن بتحريضٍ من خصومه، وتلتها تبوك بتحريضٍ من الروم، ثم تعاقبت بعد ذلك المواجهات الكبرى، كمؤتة واليرموك.

لم يُترَك المسلمون ينعمون ببرد السلام قط، بل ظلوا هدفًا لسهام كل جائرٍ وفاسقٍ وخائن، ومطمعًا لكل من استعبدته الدنيا. وغدا إيذاء المؤمنين وملاحقتهم مأربًا لعشاق الجاه والسلطان، الذين أبوا بزوغ أي بديلٍ لنفوذهم، وأرادوا إخضاع الناس لنزواتهم. وقد صوَّر القرآن الكريم هذا الاستخفاف بالعقول في قوله تعالى عن فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ)(الزخرف:٥٤)، أي انقادوا له خاضعين، وأقرّوا لباطله أنه الحق.

وكلما اشتدَّ الأذى على المؤمنين ارتفعت درجاتهم في معارج القرب. ومن أظهر الشواهد على ذلك حصارُ شِعب أبي طالب الذي استمرَّ قرابة ثلاث سنوات، حُرم خلالها مفخرةُ الإنسانية سيدُنا محمد صلى الله عليه وسلم ومَن معه من أبسط مقومات العيش. وكان لسان حال خصومهم: “أَحكموا عليهم الحصار، وضيّقوا عليهم الخناق، ولا تتركوا لهم منفذًا للحياة”. وقد خلَّد القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(الأنفال:30). وهكذا ظلَّت المؤامرات تُحاك خيطًا بعد خيط عبر العصور.

ولو تأمَّلنا في حقب التاريخ المختلفة لوجدنا المشهد نفسه يتكرَّر، ولا يختلف إلا في الأسماء؛ فلكل زمانٍ “أبو جهلِه” و”عَتَبتُه” و”شَيبتُه”.. تبدَّلت الشخوص، وبقي السلوك العدائي قاسمًا مشتركًا يتجاوز حدود الجغرافيا والزمان.

ومع ذلك، لم يتركهم أعداؤهم ينعمون براحةٍ قط؛ غير أن الله عز وجل توَّج تلك الفترة العصيبة برحلة المعراج التي خُصَّ بها نبيُّه صلى الله عليه وسلم على نحوٍ فريد. وصدق القول: “بِقدْر الكدِّ تُكتسَب المعالي”؛ فكلما اشتدَّ الضيق، وتجاوزت المحنة حدود الطاقة البشرية، عظمت المنحة الإلهية.

لقد غيَّبت الابتلاءاتُ أمَّنا خديجةَ الكبرى رضي الله عنها، التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مأوى السكينة وركن الطمأنينة؛ فانتزعها القدر من جواره بعد أن كانت خيرَ سندٍ له، تضمِّد جراحه، وتؤنس وحشته، وتخفِّف عنه أثقال الطريق. ثم فُجع بعد ذلك بعمِّه أبي طالب، الذي كان سدًّا منيعًا أمام أذى قريش، يذود عنه ويحميه وهو يقول: “لا سبيل لكم إليه”، مناصرًا له بصدق، وإن لم يُكتب له اتباع دعوته صلى الله عليه وسلم.

عندئذٍ بدا المشهد كأنَّ ركنَي الثبات قد تصدَّعا، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وحيدًا في خضمِّ المحن. وهنا تجلَّت الرحمة الإلهية في أبهى صورها؛ إذ جاءه النداء العلوي مواسيًا: “لا تحزن، فلست وحدك، أنا معك. أدعوك إلى سمواتي وآفاق قربي، لأكرمك وأواسي قلبك”. فكانت رحلة المعراج رحلةَ تسليةٍ وتشريف.

ولم يقتصر هذا العطاء على شخصه الكريم، بل شمل أمته بهدية الصلاة؛ تلك العبادة التي جعلها الله بابًا للمغفرة، ومعراجًا للأرواح، وجسرًا يقود إلى الجنان. وكأن الحق عز وجل يقول لنبيِّه: “احمل هذه العطية إلى أمتك لتكون لهم ملاذًا، وأرِهم الأفق الذي ينتظرهم؛ ذلك الأفق الذي تندهش له الأبصار ويأخذ بالألباب”.

ما من ضيقٍ إلا يعقبه فرَج، وما من كرْبٍ إلا يتلوه إكرامٌ ربانيٌّ مدهش. فالمؤمن لا يخسر أبدًا؛ وإنما الخاسرون حقًّا هم الظالمون والمبطلون، أولئك الذين يتسلَّطون على العباد بغير حق، تائهين بلا هداية ولا غاية، يبحرون في لجج الحياة بلا بوصلة ولا شراع، ومصيرهم الغرق في ظلمات أعمالهم؛ إن لم يكن اليوم فغدًا، فتلك سنَّتهم وعاقبتهم المحتومة.

وإن كان ثمّة أمرٌ أوَّله مرارةُ العلقم وآخره حلاوةُ الشهد، فهو الصبر على أذى الظالمين والخائنين الذين استعبدَتهم الدنيا وغلبت عليهم أهواؤهم. فمهما بلغت سطوتهم واشتدَّ أذاهم، فاصبروا وصابروا؛ فإن فرَجَ الله قريب.

——————–

(*) هذه النصوص مترجمة من دروس الأستاذ فتح الله كولن الخاصة. الترجمة عن التركية: هيئة حراء للترجمة.