لم يكن القرآن الكريم يومًا كتابًا تقنيًّا أو موسوعة في العلوم التجريبية، فتدبّر آياته يكشف عن أفق معرفي واسع يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويضع الإنسان أمام رؤية كونية متكاملة تحرّره من أسر اللحظة التاريخية، وتدعوه إلى التفكير في الممكن لا في المألوف وحده.
ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل حول علاقة القرآن بما يُعرف اليوم بـ”علوم المستقبل”، تلك العلوم التي تُعنى باستشراف مسارات التطور العلمي والتقني، اعتمادًا على السنن الكونية والقوانين الحاكمة للوجود.
هل تضمّن القرآن الكريم إشارات إلى علوم وتقنيات مستقبلية لم تكن معروفة زمن التنزيل؟ وإن كان الأمر كذلك، فما طبيعة هذه الإشارات؟ وما حدود التعامل العلمي معها دون الوقوع في التكلّف أو الإسقاط غير المنضبط؟
إن القرآن الكريم حين يقدّم تنبؤات علمية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فهو لا يفرض على النصوص دلالات تجريبية محددة، لكنه يرسّخ مبدأ بالغ الأهمية، هو أن الكون أوسع من إدراك الإنسان في مرحلة معرفية واحدة، وأن سننه قابلة للاكتشاف المتدرج، وهذا ما يجعل الخطاب القرآني محفّزًا دائمًا للعقل لا مُقيدًا له.
الاستشراف العلمي في المنظور القرآني
يُعرَّف الاستشراف العلمي بأنه محاولة منهجية لفهم الاتجاهات المستقبلية المحتملة، انطلاقًا من معطيات الحاضر والقوانين الثابتة، وهو يختلف جوهريًّا عن التنبؤ الغيبي أو الخيال غير المنضبط، إذ يقوم على تحليل عقلاني للسنن، مع الإقرار بحدود المعرفة الإنسانية.
وفي هذا السياق، يقدّم القرآن الكريم نموذجًا فريدًا؛ فهو لا يُفصّل “كيف” ستحدث الأمور، بل يقرّ إمكان حدوثها، محرّرًا العقل من الاعتقاد بأن ما لم يُكتشف بعد هو مستحيل بالضرورة. ومن هنا تنشأ العلاقة الدقيقة بين الوحي والعلم؛ علاقة تكامل لا تصادم، وتوجيه لا إحلال.
تجاوز قيود الزمان والمكان
من أبرز النماذج القرآنية ذات الطابع الاستشرافي، ما ورد في سورة النمل في قصة إحضار عرش ملِكة سبأ: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)(النمل:40)، فهنا يقرّ النص بإمكان نقل جسم مادي ضخم في زمن يكاد يكون لحظيًّا، دون الخوض في آلية النقل أو قوانينه، وهذه الصيغة ليست تفصيلية، لكنها كاشفة؛ إذ تهدم التصوّر السائد بأن الحركة تخضع بالضرورة للبطء والتدرج.
ومع تطور الفيزياء الحديثة، ظهرت مفاهيم مثل فيزياء المعلومات والنقل الكمّي، التي أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حدود الزمان والمكان، ومع ذلك يبقى الفرق واضحًا: العلم يبحث في الآليات، والقرآن الكريم يفتح أفق الإمكان، دون أن يُقيّد النص بنظرية قابلة للتبدل أو النقض.
التواصل مع غير الإنسان
في مشهد آخر من سورة النمل، يتجلّى بُعد معرفي بالغ الدقة، وهو فهم سيدنا سليمان عليه السلام لكلام النمل، وذلك في قوله تعالى: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِن قَوْلِهَا)(النمل:19)؛ فالآية لا تكتفي بإثبات وجود تواصل لدى النمل، بل تشير إلى كونه “قولاً” ذا دلالة ومعنى، وقد ظلّ هذا المفهوم موضع استغراب طويلاً، إلى أن كشفت الدراسات الحديثة في علم سلوك الحيوان، عن نظم تواصل معقّدة تعتمد على الإشارات الكيميائية والصوتية والحركية.
ويقدّم القرآن الكريم في سورة النمل أيضًا، نموذجًا آخر يعزز فكرة التواصل المنظّم لدى الكائنات غير البشرية، وهو حوار الهدهد مع نبي الله سليمان عليه السلام، في قوله تعالى على لسان الهدهد: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)(النمل:22)، حيث يظهر الكائن غير البشري (الهدهد) قادرًا على الرصد والتحليل ونقل المعلومة الدقيقة.
وبهذا يكشف العرض القرآني عن رؤية معرفية مبكرة تقرّ بتعدّد أنماط الوعي والتواصل في الكون، وتحرّر العقل الإنساني من وهم التفوق المطلق في الإدراك. وفي ضوء ما توصّلت إليه علوم السلوك الحيواني الحديثة وتقنيات تحليل الإشارات الحيوية، يتبيّن أن القرآن لم يكن بصدد تقديم توصيف علمي تفصيلي، بل كان يرسّخ مبدأ استشرافيًّا عميقًا مفاده أن الكون شبكة متداخلة من الكائنات المتواصلة، وأن فهمه لا يكتمل إلا بالانفتاح على هذا التنوع الإدراكي ضمن سنن كونية لم تُكشف جميع أبعادها بعدُ.
وهنا، يرسّخ النص القرآني مبدأ معرفيًّا، هو أن الإنسان ليس الكائن الوحيد القادر على التنظيم والتواصل، وأن فهم الطبيعة يقتضي تواضعًا معرفيًّا قبل أي ادّعاء بالهيمنة. وهذا البُعد الأخلاقي يُعدّ من الخصائص الفريدة للرؤية القرآنية في التعامل مع الكون.
الإدراك الحسي وحدوده
ويكشف القرآن الكريم عن إدراك عميق لطبيعة الرؤية الإنسانية وحدود الحواس، من خلال مشهد دخول ملكة سبأ صرح سيدنا سليمان عليه السلام، إذ يقول تعالى: (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً)(النمل:40)، في تصوير بليغ لوهم بصري ناتج عن توظيف ذكي للمادة والضوء والشفافية.
فالسطح الصلب بدا ماءً جاريًا، لا لقصور في الرؤية، بل لتوجيه الإدراك عبر تصميم معماري محكم ومبتكر. ويكتسب هذا المشهد بعدًا استشرافيًّا عند مقارنته بما وصلت إليه التقنيات المعاصرة في تصميم الأرضيات التفاعلية، التي تعتمد على الخداع البصري والاستجابة الحسية لتشكيل تجربة إدراكية متكاملة، كما في المتاحف الذكية والفضاءات التعليمية والبيئات الافتراضية، غير أن القرآن الكريم لا يقدّم هذا المشهد بوصفه استعراضًا تقنيًّا، بل باعتباره درسًا معرفيًّا وأخلاقيًّا يؤكد أن الحواس ليست معيارًا مطلقًا للحقيقة، وأن الإدراك الإنساني قابل للتأثير والتوجيه.
ومن ثم، فإن الخطاب القرآني يضع إطارًا فلسفيًّا واعيًا للتعامل مع تقنيات الإيهام البصري الحديثة، داعيًا إلى توظيفها في خدمة الوعي والمعرفة، لا في صناعة الوهم أو تضليل الإنسان عن جوهر الواقع. ويفتح هذا المعنى البابَ أمام تطوّر تقنيات الإيهام البصري، والواقع الافتراضي، والهندسة الإدراكية، دون أن يكون النص حبيس هذه التطبيقات. فالقرآن الكريم هنا، يُنبّه إلى محدودية الحواس، ويدعو إلى عدم اختزال الحقيقة في التجربة الحسية وحدها.
الهندسة وعلوم المواد
يقدّم القرآن الكريم في قصة ذي القرنين بسورة الكهف، نموذجًا بالغ العمق لمفهوم الهندسة المرتبطة بالقيم، حيث لا يُعرض الردم بوصفه بناءً ماديًّا فحسب، بل مشروعًا حضاريًّا متكاملاً يقوم على العلم والمسؤولية معًا، يقول تعالى: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)(الكهف:96).
وهو وصفٌ يكشف عن سبق مبكر بخصائص المواد، وبأثر المعالجة الحرارية في تغيير بنيتها وزيادة صلابتها، ثم تعزيزها بمعدن آخر يمنحها مقاومة أعلى، في تصور يقترب في مفهومه من تقنيات السبائك والطلاء المعدني المتقدمة في الهندسة الحديثة.
غير أن البعد الاستشرافي في هذا المشهد لا يقف عند حدود التقنية، بل يتجلّى في فلسفة الاستخدام؛ فالردم لم يُشَيَّد للهيمنة أو الاستعراض، وإنما لحماية الإنسان من الفساد والعدوان، وهو ما يؤكد أن المعرفة العلمية في المنظور القرآني، لا تنفصل عن الغاية الأخلاقية.
ويكتمل هذا المعنى حين يقرّ ذو القرنين بحدود الإنجاز البشري بقوله: (هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي)، ثم يذكّر بزوال أي منجز مادي أمام سنن الكون: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ)، ومن ثَمَّ، يرسم القرآن الكريم إطارًا استشرافيًّا للتعامل مع علوم المستقبل، يقوم على توظيف التقدم الهندسي والتقني في خدمة الإنسان، مع وعي دائم بأن القوة العلمية مهما بلغت، تظل مقيدة بقيم الرحمة، وبحدود الإنسان أمام القوانين الكونية العليا.
الطاقة والتقنية في ضوء سورة سبأ
في سورة سبأ يبيّن الله تعالى بعض النعم التي وهبها للأنبياء، ومنها ما يمكن قراءته في ضوء الطاقة والمواد وتقنياتها في خدمة الإنسان والعمران، يقول الله تعالى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)(سبأ:10)، وهنا يتحدّث الله عز وجل عن فضلٍ عظیم أُعطي للنبي داود عليه السلام بأنْ جعل الله الحديد له لينًا، ليسهل تشكيله واستخدامه في الصناعة والبناء والأدوات، وهذا دلالة على فتح المجال لفهم الإنسان لخصائص المواد وكيفية توظيفها في العمل العمراني.
وتستمر السورة في الحديث عن النبي سليمان عليه السلام، يقول تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّیحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَواحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ)(سبأ:12)؛ في هذه الآية يشير الله تعالى إلى تسخير الريح لسليمان عليه السلام، بحيث يسافر بها لمسافات طويلة في أوقات قصيرة، وهو مثال مبكر على استثمار طاقة الرياح لتحريك المركبات والتنقل، ويمكن النظر إليه كإشارة إلى فكرة الطاقة المتجددة، وتسخير قوى الطبيعة لخدمة الإنسان.
كما يذكر الله تعالى في نفس الآية، إسالة النحاس المصهور (عين القطر) الذي يمكن استخدامه في صناعة الأدوات المختلفة، مما يعكس فهمًا عميقًا للمواد وطبيعتها واستخداماتها في خدمة العمران.
هذه النماذج في سورة سبأ، تُظهر أن القرآن الكريم لا يكتفي بالإيحاءات الروحية فقط، بل يقدم إشارات عن كيفية توظيف الطاقة والمواد في خدمة الإنسان، مما يمكن أن نستفيد منه اليوم عند الحديث عن الطاقات المتجددة وتطوير المواد في الحضارة الحديثة.
الكون الـمفتوح وآفاق الاكتشاف
تتّسع الرؤية القرآنية لتشمل الكون بأسره كما في قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا)(الرحمن:33)؛ فالآية لا تمنع الاختراق، بل تربطه بالقدرة والعلم، مؤكدة أن العجز ليس أصلاً كونيًّا، بل حالة معرفية قابلة للتجاوز، وهذا المعنى ينسجم مع روح الاستكشاف الفضائي المعاصر، دون أن يحوّل النص إلى بيان تقني أو وعد علمي مباشر.
إن أخطر ما يواجه الدراسات المعاصرة في الإعجاز العلمي، هو إسقاط النظريات المتغيرة على النص القرآني الثابت، مما يعرّض النص لتقلبات العلم بدل أن يبقى مرجعًا موجّهًا له، والمنهج الرشيد يقتضي التمييز بين الإشارة الكلية والتفسير التفصيلي، وبين فتح الأفق المعرفي وربط النص بنموذج علمي مؤقت. فالقرآن الكريم لا ينافس المختبر، لكنه يوجّه العقل الذي يدخله.
يقدّم القرآن الكريم رؤية استشرافية متوازنة للكون والحياة، رؤية لا تفصل بين العلم والقيم، ولا بين الاكتشاف والمسؤولية، ومن خلال إشاراته الكونية يضع الإنسان أمام حقيقة كبرى، هي أن المعرفة رحلة مفتوحة، وأن حدود اليوم ليست نهاية الغد.
ومن هنا، فإن قراءة القرآن الكريم في ضوء علوم المستقبل -كما ذكرنا في أول المقال- ليست بحثًا عن سبق تقني فقط، بل عن منهج حضاري يعيد للعلم إنسانيته، وللاكتشاف معناه، وللمعرفة بُعدها الأخلاقي العميق.
——————–
(*) أستاذ العمارة ومحاضر سابق بجامعة القاهرة / مصر.


