وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ

يحظى الإنسان في القرآن الكريم بمكانة متميزة؛ إذ يُقدَّم بوصفه مخلوقًا مقصودًا بالتصوير والتقويم، لا مجرد نتاجٍ ماديٍّ لتفاعلات بيولوجية. وتشير الآيات التي تناولت خلق الإنسان وصورته إلى بنية متكاملة تجمع بين الإحكام الجسدي، والقدرة الإدراكية، والاستعداد للوعي والتكليف. وفي ظل التقدم الكبير في علوم التشريح والأحياء العصبية، بات من الممكن إعادة قراءة مفهوم «الصورة الإنسانية» قراءةً تأملية تُبرز أبعاده الوظيفية والمعرفية، دون إخضاع النص القرآني لمنهج التفسير العلمي المباشر.

وينطلق هذا المقال من تحليل الدلالة القرآنية لمفهومي «الصورة» و«التقويم»، ثم يربط بينهما وبين ما تكشفه العلوم الحديثة عن البنية المتقنة لجسم الإنسان وأجهزته الحسية والعصبية. ويهدف إلى بيان أن «أحسن تقويم» لا يقتصر على التناسق الشكلي، بل يشير إلى نظام تكويني متوازن يُمكّن الإنسان من الإدراك والتفكير وتحمل المسؤولية، بما يؤكد انسجام الرؤية القرآنية مع معطيات المعرفة العلمية في إطار تفسيري تأملي منضبط. 

مفهوم الصورة في القرآن الكريم

تتجلى دلالة الصورة في القرآن الكريم من خلال سياقات متعددة ترسم ملامح تكوين الإنسان منذ بدايته الجنينية حتى تمام خلقه. فالصورة في الاستعمال القرآني ليست مجرد هيئة ظاهرة، بل هي بناء مركب يجمع تناسق الأعضاء، واستقامة القامة، ودقة الوظائف، وقدرة الإنسان على الوعي والإدراك.

وتؤكد كتب التفسير أن قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ هو بيان لكمال الخلق وحسن التقدير، وأن «أحسن تقويم» يشير إلى قدرة الإنسان على التعلم والتفكير والتمييز، إلى جانب استقامة الجسد وتوازنه. وتنسجم هذه الدلالة مع المعنى اللغوي للصورة بوصفها الهيئة المتقنة، ومع معنى التقويم الذي يدل على الاستقامة والتناسق وصلاح الوظيفة، وهي معانٍ تتقاطع مع المفهوم العلمي للهندسة الحيوية.

الصورة بوصفها بنية وظيفية

يكشف العلم الحديث عن طبقات مدهشة من التعقيد في بنية الإنسان، مما يلقي ضوءًا جديدًا على مفهوم «أحسن صورة». فالدماغ الإنساني، الذي يضم ما يقرب من مئة مليار خلية عصبية، يمتلك بنية فريدة تجمع بين الثبات والتكيف. فخلايا القشرة الدماغية شبه ثابتة، لا تتجدد بالطريقة التي تتجدد بها خلايا الجسد، وهو ما يسمح بالحفاظ على الذاكرة وتراكم الخبرات، ويضمن استمرار الهوية المعرفية.

ويعمل الدماغ كوحدة معالجة متعددة الطبقات، قادرة على إنجاز مليارات العمليات في أجزاء من الثانية، مما يجعل الإنسان قادرًا على التفكير المجرد، واتخاذ القرار، والوعي بالذات. ولا يقتصر هذا الإحكام على البنية العصبية العليا، بل يتجلى كذلك في منظومات الإدراك الحسي التي تمكّن الإنسان من التفاعل الدقيق مع العالم من حوله.

الهندسة الحسية في الإنسان

تُظهر العين نموذجًا فريدًا لبديع التصوير الإنساني؛ إذ تجمع بين الدقة البصرية العالية، والحساسية للضوء واللون والحركة. وتشير دراسات فسيولوجيا الإبصار إلى أن الجهاز البصري الإنساني يمتلك قدرة فائقة على معالجة المعلومات؛ حيث تحتوي الشبكية على ما يقارب 120 مليون خلية عصوية و6 ملايين خلية مخروطية، وتتصل هذه الخلايا بالقشرة البصرية عبر منظومة عصبية قادرة على معالجة كمٍّ هائل من البيانات البصرية في الزمن الحقيقي، بما يشمل اللون والحركة والعمق والتباين.

كما تفيد الدراسات بأن الإنسان قادر على تمييز نطاق بالغ الاتساع من الفروق اللونية، تقدّره بعض النماذج الإدراكية بأعداد كبيرة للغاية، تبعًا لشروط الإضاءة والسياق العصبي للإدراك.

أما الأذن البشرية، فهي جهاز هندسي معجز، يعتمد في تحديد اتجاه الصوت على فروق زمنية دقيقة بين وصول الموجة الصوتية إلى الأذنين، وهي فروق قد تصل إلى عشرات الميكروثواني، ما يتيح تحديد موقع المصدر الصوتي بدقة عالية.

ولا يقتصر هذا الإحكام على منظومات الإدراك الحسي، بل يمتد أيضًا ليشمل الأجهزة الحيوية التي تضطلع بحفظ الاتزان الداخلي للجسم وضمان استمرارية وظائفه الأساسية.

التصميم الوظيفي لأجهزة الجسم

يتجلى التصوير الإلهي في جهاز الدوران الذي يعمل بكفاءة عالية؛ إذ يضخ القلب كميات كبيرة من الدم يوميًّا لتغذية شبكة واسعة من الأوعية والشعيرات الدموية الممتدة في أنحاء الجسم. كما تنظم الكلية عمليات الترشيح وإعادة الامتصاص عبر ملايين الوحدات الدقيقة التي تعمل بتناغم مستمر للحفاظ على الاتزان الداخلي.

ويمنح الهيكل العظمي الجسم استقرارًا فائقًا يسمح بالقوة والحركة والخفة في آنٍ واحد، مع قدرة العظام – ولا سيما عظم الفخذ – على تحمّل ضغوط ميكانيكية كبيرة أثناء الحركة والتحميل.

وتُظهر آلية البلع أثناء النوم مثالاً واضحًا على التكامل العصبي العضلي؛ حيث تنشط منظومات لا إرادية لضبط مرور الطعام واللعاب ومنع الاختناق المحتمل دون أي تدخل واعٍ من الإنسان.

كما يسهم الجهاز التنفسي في تبادل كميات كبيرة من الهواء يوميًّا لتوفير الأكسجين اللازم للخلايا، بينما ينسق الجهاز الهرموني الوظائف الحيوية المختلفة عبر شبكة معقدة من الغدد والإشارات الكيميائية، بما يحافظ على اتزان الجسم واستمرارية عمل أجهزته.

الصورة الإنسانية بين الوحي والعلم

إن هذه النماذج ليست سوى أمثلة على «حسن الصورة» الذي يتجاوز حدود المظهر الخارجي إلى شبكة هندسية معقدة تعمل في توازن دقيق. وعند ربط هذه الظواهر العلمية بالنص القرآني يتضح أن القرآن لا يشير إلى مجرد جمال ظاهري، بل إلى بناء تكويني متكامل صُمم لتحقيق غايات معرفية وروحية ووظيفية.

فالإنسان كائن مهيأ للتكليف، قادر على التعلم والتفكير والإبداع، ومؤهل لعمارة الأرض وتحمل المسؤولية الأخلاقية التي أناطها الله به.

خاتمة

تظهر الدراسة أن مفهوم الصورة في القرآن الكريم مفهوم شامل يجمع بين الجمال البنيوي، والدقة الوظيفية، والقدرة المعرفية. وتشير الأدلة العلمية الحديثة إلى أن الإنسان بالفعل كائن مصوَّر في «أحسن تقويم»، وأن كل جزء من جسده يعمل وفق منظومة دقيقة تعكس عمق الإحكام الإلهي في الخلق.

ويبرز من خلال ذلك أن ربط النص القرآني بالمعطيات العلمية الحديثة لا يضيف معنى جديدًا فحسب، بل يكشف عن مستويات من الانسجام والدقة تجعل دراسة خلق الإنسان مجالاً غنيًّا بين العلم والوحي، وتفتح آفاقًا أوسع لفهم مكانة الإنسان وميزاته بين الكائنات.

كما تفتح هذه الرؤية المجال أمام دراسات قرآنية معاصرة تعيد قراءة مفهوم الإنسان في ضوء التكامل بين الوحي والمعرفة العلمية، بما يسهم في بناء تصور أعمق لوظيفته ومكانته في الكون، مع التأكيد على أن هذا الربط تأملي وتفسيري، لا وصف علمي مباشر للنصوص.

وفي زمن يتجه فيه الخطاب العلمي أحيانًا إلى اختزال الإنسان في وظائف بيولوجية صرفة، يعيد التصور القرآني للصورة الإنسانية الاعتبار إلى الإنسان بوصفه كائنًا ذا معنى وغاية.

المراجع:

1- الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي، دار الفكر، 1995.
2- التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، دار التنوير، 1997.
3- جامع البيان في تفسير القرآن، محمد بن جرير الطبري، دار الفكر، 1986.
4- تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر بن كثير، دار الفكر، 2000.
5- Foundations of Vision، Brian A. Wandell، 1995.
6- Principles of Neural Science، Eric R. Kandel وآخرون، الطبعة السادسة، 2021.