صفعات الشفقة

لطفٌ في ثوب الألم
لم يقطع الله ألطافه عن عباده المؤمنين أبدًا.. إنه تعالى يُهيّئ لهم من الأقدار ما يسوقهم سوقًا إلى ذكره والالتجاء إليه، حتى يستيقظ فيهم نداء الذكر وتنبثق من أعماقهم كلمة “يا الله”.. تلك الكلمة الطاهرة التي قد تخرج في لحظاتٍ يراها العبد المؤمن قاسيةً وهي في جوهرها مغمورة بلطفٍ الإلهي خفي. وقد تأتي هذه اليقظة في صورة ألمٍ يصيب أضعف نقاط الإنسان. فهل يعني ذلك أن الله قد تخلّى عنهم؟ أو أنه قطع صلته بهم وتركهم في عالم يموج بالآلام والأحزان؟ حاشا لله.. إنه تعالى يضع عباده المؤمنين في أحوال تدفعهم للرجوع إليه وتفتح لهم أبواب رحمته؛ لأنه وعدهم بالمغفرة والأجر العظيم، أي بالجنة التي أعدّها لهم، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيم﴾(المائدة:9)، ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾(التوبة:72)، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾(النساء:122).

البلاء دعوة للرجوع لا عقوبة
إن من أعمق معاني الإيمان أن يوقن العبد أن ربه لا يتركه أبدًا؛ فهو برحمته يبتليه ليوقظه من غفلته ويعيده إلى بابه، عبر ما يسمِّيه أهل المعرفة بـ”صفعات الشفقة”. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾(الأنعام:42)، فالشدة ليست عقوبة أو انتقامًا، وإنما دعوة مفتوحة للتضرع والعودة إلى مسبب الأسباب.

كم من إنسان لم يذكر الله إلا حين داهمه حادث سيارة، أو رأى طفله يسقط، أو أصابه المرض، أو فقد عمله، أو أعلن الإفلاس.. هناك يجد نفسه أمام طريقين لفهم مراد الله: إما أن يتبصر من خلال تدبر القرآن وحقائقه، وإما أن ينتظر حتى يوقظه “واعظ البلاء”.. فمن لم تُصلحه الموعظة أصلحته الحوادث.

الابتلاء طريق إلى المنزلة
وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعملَه، فقيل: كيف يستعملُه يا رسول الله؟ قال: يوفِّقُه لعملٍ صالحٍ قبل الموت” (رواه الترمذي)، ويقول أيضًا: “إن العبد إذا سبقتْ له من الله منزلةٌ لم يَبلغْها بعمله، ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبَّره على ذلك حتى يبلغهُ المنزلة التي سبقتْ له من الله تعالى” (رواه أبو داود).

وفي مشهد معبّر، أنه وقع زلزال في منطقة ما، ولم يشعر به إمام المسجد، لكنه حين دخل لصلاة الفجر وجد المسجد ممتلئًا بالمصلّين على غير العادة، فرفع يديه قائلاً: “يا رب، أيًّا كان السبب الذي جمع هؤلاء، فلا ترفعه عنّا”.. وفي ذلك إشارة إلى أن البلاء قد يكون سببًا في عودة القلوب إلى ربها.

وتأمل هذا المثال: طبيبٌ ينصح مريضه بدواء يَقيه من تفاقم العلّة، غير أن المريض يتهاون ولا يأخذ بالنصيحة، حتى يبلغ المرض حدًّا لا تُجدي معه الأدوية، فيقول له الطبيب: “لم يعد أمامنا سوى التدخل الجراحي”. فهل يكون قصد الطبيب هنا إيذاء المريض؟ كلا، فغاية الطبيب إنقاذ المريض وردّه إلى العافية لا غير. وهنا يغدو المشرط -على ما فيه من قسوة الظاهر- وسيلة حياة لا أداة ألم. ثم إن المريض العاقل يدفع للطبيب أجره عن طِيب نفس، لأنه يوقن أن الطبيب أبصرُ بحاله وأعلم منه بما يُصلح جسده. وكذلك المؤمن حين يسلّم أمره إلى الله، فهو كمن يسلّم جسده لجراح ماهر؛ كلاهما يعلم أن وراء الألم شفاء.

وراء القسوة رحمة خفية
وهكذا، حين تفشل “أدوية” التنبيه اللطيف، تأتي “جراحة” الابتلاء.. وليس القصد من هذه الجراحة الألم، إنما النجاة. والله سبحانه وتعالى هو اللطيف الذي يعلم ما يُصلح عبده أكثر مما يعلمه العبدُ نفسُه. ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(البقرة:216).

الله أعلم بسريرتك منك، وأدرى بالعلاج الذي يناسبك، وبالوقت الذي تحتاجه، وطريقة تناوله. ولو أدرك الإنسان ذلك حق الإدراك، لرضي بما يصيبه من صفعات، مؤمنًا أن وراءها شفاء. وهكذا، فما يبدو قسوة هو في الحقيقة رحمة خفية تعيد العبد إلى الطريق، ومن استجاب نال من فضل الله ما يفوق توقّعه.. وكما تسلّم جسدك لجراحٍ تثق به، ينبغي أن تسلّم أمرك لخالقك وأنت موقن أن وراء الألم شفاء.

المشكلة الحقيقية -إذن- ليست في البلاء، وإنما في ضعف معرفتنا بالله سبحانه وتعالى. فنحن لا ندرك حكمته، ولا نفهم مقاصده، فنقول عند كل حدث: “لعلّه خير”، بينما الحقيقة أن كل ما يقدّره الله خير في ذاته. إن وعينا ذلك، لتحولت “صفعات الشفقة” إلى “قبلات رحمة” على حبين قلبٍ غافل ابتعد عن الطريق.

السفينة المثقوبة: حماية من خطر أعظم
وكثيرًا ما يحتار الإنسان أمام ما يراه خسارة أو شرًّا، كما في قصة موسى والخضر عليهما السلام التي تكشف بُعدًا آخر للواقع، قال تعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾(الكهف:٧١). الآية تفتح لنا أفقًا مختلفًا لفهم ما يجري؛ فالخرق الظاهر في السفينة كان وسيلة لحمايتها من خطر أكبر. وكذلك قد يُقدَّر للإنسان نقصٌ أو تعثر، لا ليُؤذى إنما ليُحمى من شر أعظم لا يراه. فما يبدو تعطيلاً لمسارنا قد يكون في حقيقته إنقاذًا من طريق مُهلك، وتحويلًا إلى مسار أكثر أمانًا. فالسفينة المعيبة تُترك، أما السليمة فتُغتصب.

وهنا تتجلى حكمة دقيقة، هي أن الله يعطي الإنسان ما يحتاجه لا ما يريده؛ فالفرق بين الرغبة والحاجة هو الفرق بين لذّة عابرة ونفع دائم.. نحن ننجذب لما يلمع أمامنا، بينما يُعطينا الله ما يبني داخلنا ويحفظ مستقبلنا. وانكسار القلب -مهما بدا قاسيًا- ليس نهاية إنما بداية تطهير وتحرير من التعلق بغير الله. فعندما تُغلق الأبواب الأرضية يُفتح باب القرب من الله، وهو مقام لا يُنال في أوقات الرخاء.

حسن الظن بالله مفتاح النجاة
وخلاصة القول، إن حسن الظن بالله ضرورة في أشد اللحظات؛ فما نراه منعًا قد يكون عين العطاء، وما نراه نقصًا قد يكون كمال التدبير. فكل ما يصيب الإنسان من خدوش إنما هو حماية من غرقٍ أعظم. وما يبدو ألمًا أو خسارة إنما هو وجه من وجوه الرحمة الإلهية التي لا تريد للعبد إلا الخير. والمؤمن الواعي هو من يرى في البلاء حكمة، وفي التأخير عطاء، وفي الألم شفاء، فيسلّم أمره لله موقنًا أن تدبيره كله خير. فما أصاب سفينتك من خرق، لم يكن ليغرقك وإنما لينجيك من غرقٍ أكبر، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(السجدة:١٧).