المواطنة في الخطاب الإسلامي

فطرية النزوع وكونية المبدأ

كثيرًا ما يتداول الحديث في مختلف المنابر الإعلامية، والأوساط السياسية والثقافية وغيرها، عن مبدأ المواطنة في البلاد العربية والإسلامية، باعتباره مبدأً أخلاقيًّا ساميًا تنعكس آثاره إيجابًا على الواقع الاجتماعي. غير أن النظر في هذا المبدأ يحيل مرجعياته – في الغالب الأعم – إلى المنظمات الحقوقية، والهيئات الحكومية وغير الحكومية، وإلى الأدبيات الثقافية الممثلة في المنتج الفكري البشري. إلا أن إلقاء نظرات فاحصة في الخطاب الديني يؤكد حتمًا أن المواطنة مبدأ يمتد بجذوره إلى عمق التربة الإسلامية.

ولا ريب أن المواطنة، وهي حب الإنسان لوطنه وارتباطه بالأرض التي وُلد وترعرع فيها، من أسمى القيم التي زُرعت في النفس البشرية فطريًّا. يقول حسن الصفار: «ومن الغرائز المودعة في نفس الإنسان حبُّ الإنسان لوطنه وبلاده، وهي موجودة في نفس كل إنسان؛ إنه يحب بلده، يحب وطنه، يحب الأرض التي وُلد فيها ونشأ عليها وتربى وترعرع في ربوعها، هذه الغريزة الطبيعية في حب البشر لأوطانهم» (1).

فيكون حب الإنسان للرقعة التي نشأ فيها حبًّا شديدًا، كيفما كانت تلك الرقعة شكلاً، ومناخًا، وموقعًا؛ لأن الحب المتجذر للأرض التي ينشأ فيها الإنسان لا تُقيمه اعتبارات من هذا النوع. يقول حسن الصفار: «كما أن حب الإنسان لبلده ليس له علاقة بتلك الميزات الخاصة لكل بلد من البلدان؛ فلربما تكون ميزات بعض البلدان – من المنظور الاقتصادي، أو الموقع الجغرافي، أو حتى الجمال الطبيعي، أو غير ذلك – أكثر من بعض، وربما يكون لهذا البلد أو ذاك أقل الحظ من هذه الميزات، ولكن البلد كبلد يحبه مواطنوه ويتعلقون به وينشدون إليه» (2).

وعن هذا التعلق الفطري تنشأ المواطنة الحقيقية، التي لا مراء فيها ولا نفاق ولا مطمع، فتُقدِّم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وتُعلي من شأن الوطن، مظهرةً عظمته التاريخية للأجيال، وتحافظ على أصول الدين الحنيف، وتجتهد في سبيل إعلاء مكانته منهجًا وسلوكًا في الواقع العملي، كما تعمل على ترسيخ وحدته الترابية والهوياتية، وتسعى إلى نشر القيم الحسنة، كالجد والعمل والكسب الحلال والعلم، وتحارب الفوضى والكسل والجهل.

كما تعمل المواطنة الحقّة على جعل الفرد ملتزمًا بأداء واجباته نحو الوطن، في الوقت الذي يتمتع فيه بحقوقه. يقول محمد داود: «وطنيتنا المغربية تحارب الجهل وتنشر العلم والمعرفة، تحارب الضعف وتعمل لاكتساب القوة، تحارب الكسل وتعمل وتحث على النظام، تحارب الفوضى وتحافظ على النظام، تحفظ لكل ذي حق حقه، وتقف مع المظلوم حتى تشمله العدالة والإنصاف، هي مع الحق ولو كان صاحبه أضعف قوة في الدنيا، وطنيتنا المغربية مسالمة لكل مسالم لها…» (3).

إن هذه القيم ومثيلاتها أولى لها الخطاب الديني – قرآنًا وسنّة – عناية كبرى، حيث عملا معًا على تربية الإنسان المسلم وتدريبه منذ الصغر على التحلي بمبدأ المواطنة، عبر الالتزام بالقيم السامية التي دعا إليها القرآن، من تعايش، وسلام، وحرية، وعدل، وصلاح، واستقامة، وتعاون، وإيثار، وغيرها من القيم النبيلة التي من شأنها إقامة المجتمع المسلم على دعامات متينة يشتد بها بنيانه.

فقد أرسى الإسلام، من خلال دعواته، مبدأ السلام كركيزة أساسية للتعايش بين الأطياف، قال تعالى:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}[الأنفال: 61]، ونبذ أشكال الاقتتال والصراع لما فيها من دمار للإنسانية وإفساد في الأرض، إلا في حالة الاعتداء والإخراج من الديار، فحينها يستوجب الدفاع عن الحياض، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}[البقرة: 190]، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[الممتحنة: 9].

فالسلام أصل إسلامي ومبدأ إنساني أولاه الإسلام كامل العناية، ومنحه الأولوية لما يستطيع من تخليق للحياة العامة، سواء بين المسلمين أنفسهم أو بينهم وبين غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، التي منحها الإسلام حق التعبد وممارسة شعائرها بكل حرية في أرض الإسلام، فمنع هدم كنائسهم وبيعهم، وأرسى مبدأ حوار الحضارات، فقال تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات: 13].

فكانت السماحة والتعايش من سمات الإسلام التي ارتفع بها، وجعلته دينًا لا يُعلى عليه. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «بُعثتُ بالحنيفية السمحة» (4).

ومن ثنايا هذا السماح ينبثق التعايش سمةً مميزة للمجتمع الإسلامي، لتترسخ المواطنة الفاعلة قيمةً فضلى تتجلى سلوكًا وعملاً في واقع الحياة، يتحلى بها الصغير والكبير، والذكر والأنثى، فيسود النبل، وتنتشر فضائل الأخلاق متجليةً في كل ناحية من نواحي الحياة، ما دام الصلاح والاستقامة متجذرين في نفس الإنسان المسلم. فعن أبي عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا غيرك؟ قال: «قل آمنت بالله ثم استقم».

وهو توجيه نبوي جامع إلى الجمع بين صلاح الاعتقاد وصلاح العمل، بما يهيئ الأرضية لزرع قيم المواطنة النبيلة واستنباتها في النفس، لتغدو شجرًا مثمرًا وارف الظلال، يقي من هجيرة الفرقة والصراع، والأحقاد المدمرة لروح الجماعة.

وتُعد قيمة العدل، التي جعلها الإسلام محورًا لإقامة المجتمع المسلم وتحقيق اتزانه، من أسمى القيم التي عمل على زرعها في النفوس، بدءًا بعدل الإنسان مع نفسه، ثم مع غيره، وفي مختلف الدوائر، بدءًا من الأسرة، ثم المحيط، فالمدينة، فالبلد، فالعالم. فأضيق الدوائر الجماعية هي الأسرة، تتلوها مجموعة الزملاء في العمل، فأبناء المدينة الواحدة، فأبناء الإقليم، فأبناء الأمة، فأبناء مجموعة الأمم التي ترتبط معًا في تحالف، فأبناء المجتمع البشري كله.

لذا فالمواطنة الحقّة تستوجب اندياح دائرة العدل واتساعها إلى آفاق أرحب، فتشمل كل زاوية، حتى لا يضيق النظر وينحصر في دائرة الأسرة دون غيرها من الدوائر. إن هذا التصور القيمي للعدالة هو ما يهب المواطنة فعاليتها في الوسط الاجتماعي، ويجعلها أفعالًا لا مجرد شعارات.

فتظهر في الحفاظ على البيئة والمحيط، فيصون الإنسان المسلم بيئته من شتى ألوان الأدران المفسدة، ويحفظ الملك العمومي من الضياع، ويحمي الشجر والورد والزهر في الحدائق اعتناءً بالجمال في كل ناحية، مستجيبًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» (5).

وهو أمر نبوي يؤكد مدى جلال العمل والإنتاج، وفيه إشارة ضمنية إلى العناية بالبيئة، من زرع للنبات وحفاظ عليه لتحصيل المنافع للإنسان والحيوان والبيئة عامة.

كما تتجلى آثار انغراس المواطنة في النفس في جدّ الإنسان المسلم وانضباطه في كل شؤون الحياة ومرافقها، فيلتزم المرء – كلٌّ حسب تخصصه ومسؤولياته المنوطة به – الصدق، ويتحرى الأمانة والمسؤولية في أداء المهمات والواجبات، مقدمًا المصالح العليا للوطن والأمة على مصالحه الذاتية. فتندثر أخلاقيات هجينة كالزبونية والمحسوبية، وما يترتب عنها من الرشاوى المحرمة، ومنع الحق من الوصول إلى صاحبه، فيكون الضيم والظلم عنوانًا لمثل هذه المجتمعات، فينفسح المجال للأحقاد والصراعات التي تذهب بها كل مذهب، فتتفرق شذر مذر، وتتفكك عراها، سائرةً نحو الضياع والتشرذم.

إن غرس قيم المواطنة الحقّة في النفوس يبتدئ من الصغر، فتُتعهد بالسقي والتشذيب حتى تُغدق ثمارها اليانعة، وتمد ظلالها الوارفة، فيستظل بها كل إنسان، ويجد لها ريحًا طيبة تطيب بها حياة الناس، فتتآلف القلوب، وتتساكن النفوس، ويسود الحب والمودة، ما يجعل البنيان مرصوصًا محكمًا لا فجوة فيه ولا صدع.

لذا فالأسرة المسلمة ملزمة بغرس هذا المبدأ وفق التعاليم الدينية التي زخرفها القرآن، وحفلت بها السنة، لأنها نبراس يضيء الطريق للمجتمع فينحو إلى التماسك والتعايش بأمان وسلام، فتتضافر الأيادي معًا لأجل بناء الوطن وإعماره بالخير، سيرًا به نحو مدارج التقدم، وإعلاءً لمكانته بين الأوطان.

وعلى المدرسة أن تضطلع بهذا الدور أيضًا، لتسير الحلقات في تكامل، حيث إن البرامج الدراسية بمعية المدرس كفيلة بترسيخ قيم المواطنة الحقيقية في النفوس الصغيرة، ويزكيها المجتمع المدني عبر مؤسساته الثقافية من خلال الأنشطة المسرحية والتثقيفية، التي من شأنها زيادة تثبيت ركائز هذه القيم الجميلة.

ويأتي دور الخطاب الإعلامي، بما يمتلكه من قوة تأثيرية، ليزكي هذا التوجه التربوي، فتتآلف الدوائر وتتكامل الجهود في سبيل إخراج نبات حسن يزين حقول المجتمعات المسلمة، ويسير بها نحو الرفعة والعلاء.

لذا فإن غرس قيم المواطنة السامية في النفوس منذ الصغر طريق إلى تثبيت هذه القيم، لتغدو جزءًا من التكوين النفسي والثقافي والاجتماعي للطفل المسلم، فتتشكل مواطنة حقيقية صافية لا تشوبها شائبة، تتجلى منهجًا عمليًّا في واقع الحياة مع كل أصناف البشر، بغض النظر عن أشكال التمايزات التي تُعد أعراضًا لا جوهرًا.

فتمتد قيم المواطنة من محضنها الإسلامي لتعانق جميع البشر أينما كانوا، وفي أي زمان عاشوا، ممتدةً بغير حدود، تخترق أسوار المكان والزمان، لتجعل من مبدأ المواطنة مبدأً كونيًّا ونزوعًا إنسانيًّا يضبط الفعل الإنساني، ويذهب به في اتجاه سليم لخدمة الإنسانية والرقي بها، تحقيقًا لمعنى الخلافة في الأرض وإعمارها بما يعود على البشرية بضروب المنافع.


الهوامش

  1. حسن بن موسى الصفار، الوطن والمواطنة: الحقوق والواجبات، دار الصفوة، القاهرة، ط 2، 1431هـ / 2010م، ص 10.

  2. نفسه، ص 13.

  3. محمد داود، بدايات الفكر الوطني بالمغرب، سلسلة شراع، ع 73، ص 52.

  4. مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم 22291.

  5. مسند الإمام أحمد 3/183، 184، 191، ومسند الطيالسي، رقم 2068، وانظر: البخاري في الأدب المفرد، رقم 479.