المنهل العذب المورود

إن الإسلام حين يخاطبُ سامعيه، يراعي جميعَ مشاعرهم الظاهرة والباطنة، وكلَّ أعماقهم من أمثال الفكر والحس والشعور والمنطق والإدراك. إنه ينظر إلى الإنسان كلًّا جامعًا بلطائفه وأحاسيسه ويكلّمه ضمن هذا الإطار، فيلبّي ميوله، ويقضي حاجاته الفطرية والبشرية، ويهيّئ له البيئة الصالحة لانطلاقه بيسر في كل زمان وفي كل مكان.

ومن السمات المميَّزة لمنظومة الفكر الإسلامي، ارتكازُها أساسًا على مرجعية الكتاب والسنة، دون غيرهما من مصادر العلم والمعرفة. وبهذا الاعتبار ينفرد الإسلام عن سائر النظم الدينية والمذاهب الفلسفية جميعًا. فمنذ بزوغه، حرص على إحداث مسافة فاصلة بينه وبين التراث القديم والتنظيمات المتعدّدة التي تظهر بصورة الدين، سعيًا إلى الحفاظ على كيانه وذاتيته.. ومع ما أبداه من توقير لما لم يطرأ عليه تحريف أو تبديل، وأطلق عليه اسم “شَرْع مَنْ قَبْلَنا”، ظلّ في جوهره مستقيًا من منابعه الأصيلة التي نعدّها “المَنْهل العَذْب المَورُود”.

والحق إن الإسلام لم يكن -في أية حال- بحاجة إلى الميراث القديم أو الأحلامِ والفانتازيات الجديدة. وكيف يحتاج إليها وكان سنده القرآن؟ القرآنُ “المتضمِّنُ -إجمالاً- كلَّ الكتب التي جاء بها الأنبياء في مختلف العصور، وكلَّ رسائل الأولياء بأنواع مشاربهم، وكل آثار الأصفياء بمسالكهم المتشعبة.. اللامعُ من كل جهاتِه، من فوقه وتحته، وأمامه وورائه، ويمينه وشماله.. المنغلقُ تجاه كل الأوهام والشبهات.. كتابٌ نقطةُ استنادِه الوحيُ السماوي والكلامُ الأزلي باليقين.. وهدفه وغايته السعادة الأبدية بالمشاهدة.. وباطنه صريحُ الهداية الخالصة.. وأعلاه أنوار الإيمان.. وأسفله الدليل والبرهان، بعلم اليقين.. ويمينه تسليم القلب والوجدان، بالتجربة.. وشماله تسخير العقل والإذعان، بعين اليقين.. وثمرته رحمة الرحمن ودار الجنان”(١). ولذلك لم يرَ الإسلامُ المستمدّ غذاءه من هذا الكتاب حاجةً قطّ إلى تصوّرات المثاليين، ولا إلى محصلاتِ منطق الواقعيين، ولا إلى مناهج التجريبيين وأصولهم أو غيرهم، فلم يَرجع إليها، ولم يتخذها يومًا مصادر يُعوَّل عليها أو يُوثق بها.

يتميّز الإسلام عن جميع النُّظُم السماوية وغير السماوية بأسلوبه المتفرّد ومناهجه الخاصة، وبما طرحه وقدّمه من حلول للمعضلات البشرية. وهو من كل وجهٍ أنموذجٌ لـ”الكمال” بحقّ. إنه يضع الإنسان ضمن أفق رحب، مستحضرًا خصائصه الجوهرية كاملة، وملَكاتِه العقلية والفكرية والروحية مجتمعة، ثم يمدّه بطاقات متعددة؛ فلا يحصر توجّهه في دائرة العقل والفكر وحدهما، ولا ينظر إليه بوصفه كيانًا ذهنيًّا ومنطقيًّا محضًا، ولا يهمل مشاعره، ولا يتغافل عن آليات وجدانه كما تفعل بعض المدارس الفلسفية.. بل ينظر الإسلام إلى الإنسان من منظور الخالق سبحانه، فيضعه في قالب متين بوحدته الكاملة التي لا تحتمل التفكيك ولا الانقسام، ويُلبّي متطلبات مشاعره الباطنة والظاهرة، ويُهيّئه بجميع مقوّمات وجوده المادية والمعنوية، ليغدو مستعدًا للسعادة في الدنيا والآخرة، وجديرًا بدخول الجنة. أمّا تفصيل هذه المعاني وتحقيقها من أولها إلى آخرها، فنتركه للأقلام المتخصّصة للإسهاب فيها تمحيصًا وتحرّيًا.

(*) من كتاب “ونحن نبني حضارتنا”،  محمد فتح الله كولن، ترجمة: عوني عمر لطفي أوغلو، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، ٢٠١١، ص:163. العنوان من تصرف الحرر.

الهامش

(١) من “الكلمات” (الكلمة الخامسة والعشرون)، لبديع الزمان سعيد النورسي، ص:419، دار النيل للطباعة والنشر، ط١، ٢٠٠٨ القاهرة. بتصرف يسير.