الفراسة بين العلم والخرافة

يُعدّ علم الفراسة (Psychognomy) فرعًا من فروع العلوم الطبيعية، التي تسلط الضوء على أخلاقيات الإنسان داخل النفس البشرية، بالاعتماد على تحليل أحواله الظاهرية كاللون أو الشكل مثلاً. كما يُعدّ علمًا أو نظرية نفسية يُعتمد عليها في الاستدلال على الأخلاق الخفية في الإنسان وفقًا للظواهر المرئية. وينفرد هذا النوع من العلوم، باعتماده على مبادئ خاصة تقترن بعلم دراسة الرموز. ويُشار إلى أن العرب قديمًا ربطوا صفة الفراسة بالذكاء والدهاء، نظرًا لاعتبارها قدرة فردية على استنباط الحقائق المخفية من ظواهرها.

يعود تاريخ علم الفراسة في مجال تحليل الشخصية، إلى اليونانيين؛ فقد كان الفيلسوف اليوناني “فيثاغورس” يستخدمها في مقابلاته لتلاميذه الجدد، ويعتمد على نتائجها في قبولهم في المدرسة، حيث وضع مجموعة من القواعد لقراءة وجوه الأشخاص. وكان لـ”أرسطو” دور مهم في علم الفراسة، إذ ربط صفات الإنسان بمدى تشابه ملامح وجهه مع شكل حيوان معين يتصف بصفاته، كقوة الثور، ومكر الثعلب، وشجاعة الأسد، وغيرها من الصفات الأخرى التي تجمع بين الحيوان والإنسان. ويشار إلى أن هذا النوع من العلم قد انتشر بشكل واسع خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

وتُعرَف الفراسة اصطلاحًا بأنها علم تُعرَف به بواطن الأمور من ظواهرها، ويُستدلّ من خلاله على صفات الإنسان الداخلية وتكوينه الخُلُقي، وذلك عن طريق البحث في الظواهر الخارجية. بالتالي يستطيع الفرد الوصول إلى سلوكيات الإنسان ورغباته وردود أفعاله ونظرته للأمور، وكل ما يصدر عنه من تصرفات إيجابية أو سلبية. ويمكن -على سبيل المثال- تحليل شخصية الإنسان ومعرفة صفاته وميزاته، بالإضافة إلى نقاط القوة والضعف لديه، من خلال قراءة ملامح وجهه.

تاريخ علم الفراسة

كان العرب في الجاهلية يعتقدون أمورًا تُعدّ من قبيل الفراسة، كالقِيافة والرِّيافة والعِيافة. وكانت “القيافة” عندهم صناعة يُستدل بها على معرفة أحوال الإنسان، ويُسمّونها قيافة البشر؛ لأن صاحبها ينظر إلى بشرات الناس وجلودهم وما يتبع ذلك من هيئات الأعضاء، -وخصوصًا الأقدام- ويستدل بتلك الأحوال على الأنساب.

أما “الرِّيافة” فهي عبارة عن تعريف الرائف للماء المستجنّ في الأرض، أَقَريب هو أم بعيد، بشمّ رائحة ترابها ورؤية نباتها وحيوانها ومراقبة حركاته. وأما “العِيافة” فهي تتبُّع آثار الأقدام والأخفاف والحوافر في الطرق، التي تتشكل بشكل القدم التي تقع عليها، ومن ذلك استدلّوا على المسيرين وأحوالهم.

أما في الإسلام، فقد نقل العلماء علم الفراسة ضمن ما نقلوه عن اليونان والرومان من علوم الطب وغيرها. فألّف فيه بعضهم كتبًا مستقلة، وذكره آخرون في جملة ما كتبوه في علوم الطب، مثل “الرازي” الطبيب؛ فإنه لخّص كتاب “أرسطو” وزاد فيه. وأشار إليه “ابن سينا” في كثير من كتبه، وكذلك “ابن رشد” و”الشافعي” و”ابن العربي” وغيرهم. وكانت كتب هؤلاء وأمثالهم من علماء الإسلام، عمدةً للإفرنج في أجيالهم المظلمة، وعنهم أخذ غيرهم من كتّاب العربية في ذلك الزمن، ولم يصل إلينا منها إلا القليل.

ومن أشهر ما وصل إلينا من كتب العرب في علم الفراسة كتاب “السياسة في علم الفراسة” لأبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي طالب الأنصاري (ت 737هـ)، وفيه أحكام علم الفراسة منسوبة إلى أصحابها بأحرف يرمز كل حرف إلى اسم القائل، وقد طُبع هذا الكتاب بمصر سنة 1882م.

وعُثر في المكتبة الخديوية بالقاهرة على منظومة خطيّة في علم الفراسة لمحمد غرس الدين بن غرس الدين بن محمد بن خليل، خطيب الحرم النبوي، وعلى كتاب خطي اسمه “البهجة الأنسية في الفراسة الإنسانية” للعارف بالله زين العابدين محمد العمري المرصفي، وعلى “مختصر في علم الفراسة”، وعلى رسالة “في الفراسة والرمل”، وأخرى في “علم الفراسة لأجل السياسة”. ذلك كل ما ظفرنا به من الكتب العربية في هذا الموضوع، وكلها مختصرات لا تشفي غليلاً.

الفراسة بين العلم والخرافة

انتشر علم الفراسة في الأجيال المظلمة، ولم يكتفِ أصحابه بالاستدلال من الملامح على الأخلاق والقوى، ولكنهم صاروا يتنبّؤون بالغيب، وتوسّعوا بذلك حتى صاروا يستدلّون من خطوط الكفّ وخطوط الجبين وأشكال الأعضاء، على مستقبل الإنسان من سعدٍ أو نحسٍ، وخلطوا بينها وبين النُّجامة والسحر. فأصبحت الفراسة من العلوم الخرافية، وزادت الناس أوهامًا على أوهامهم، وعظُم البلاء في أوروبا حتى أصدر “جورج الثاني” ملك إنجلترا أمرًا بجلد كل من يدّعي هذا العلم أو يتعاطاه، وفعل مثل ذلك غيره من ولاة الأمور ورجال الدين. فقلّت ثقة الناس بعلم الفراسة، وكاد يتلاشى أمره.

ثم عاد هذا العلم فلبس ثوبًا جديدًا على أثر ظهور فجر التمدّن الحديث المؤسّس على العلم الصحيح، إذ أخذ الناس في تمحيص الحقائق، فنظروا في علم الفراسة بعين العلم الطبيعي المبني على المشاهدة والاختبار. فألّف “بِبْتِستا بورتا”، أحد الإيطاليين في أواخر القرن السادس عشر، رسالة في الفراسة الإنسانية، بيّن فيها حقيقة هذا العلم، وفرّق بينه وبين ما أُدخل فيه من الخرافات والأوهام، وهو أول من نبّه الأذهان إلى ذلك. وكتب غيره بعده، ولكنهم لم يُوفوا الموضوع حقّه.

اتقوا فراسة المؤمن

الفراسة ثابتة بالكتاب والسُّنة، قال الله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)(الحجر:75)؛ أي المتفرِّسين كما قال مجاهد، أو المتفكِّرين كما قال قتادة. وللفراسة سببان؛ أحدهما جودة ذهن المتفرِّس وحدة قلبه وحسن فطنته، والثاني ظهور العلامات والأدلة على المتفرَّس فيه. فإذا اجتمع السببان لم تكد تخطئ للعبد فراسة، وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراسته بين بين.

ما يهمنا في هذا المقام، هو الفراسة الفطرية في صفائها ونقائها عند أصحابها، الفراسة النابعة من السجايا والطباع التي وهبها الله لبعض عباده، والمرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالإيمان والتقوى والصلاح.

يعتقد العلماء أنَّ حقيقة الفراسة تكمن في أنَّ الله عز وجل يضع في قلب المؤمن نورًا، يُعطيه لمن يشاء من عباده، يجعله يُميّز بين الحق والباطل، ويمنحه قدرة على كشف نفاق الأشخاص ممن حوله، فيحيا قلب المؤمن بذلك النور، ولا تخطئ فراسته. قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)(الأنعام:122)؛ فالآية الكريمة توضِّح أن قلب الإنسان كان ميتًا، ولكن الله أحياه ببثّ النور فيه.

وقد بيَّن بعض العلماء أن الفراسة عبارة عن أفكارٍ تخطر على بال المرء دون وجود ما يُعارضها، فإن تمَّت معارضة هذه الأفكار فهي ليست فراسة، وإنما حديث نفس. وربط بعض العلماء الفراسة بالإيمان، حيث بيَّنوا أن بينهما رابطة قوية، فلا تكون الفراسة إلا نتيجة لوجود الإيمان.

قال أبو الفوارس الكرماني: “من غضَّ بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمَّر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعوَّد نفسه أكل الحلال، لم تخطئ له فراسة”.

ذكر ابن القيم -رحمه الله- في “مفتاح دار السعادة”، بعض الآثار الدالة على فراسة الإمام الشافعي، حيث قال: “والشافعي كان من أفرس الناس، وكان قد قرأ كتب الفراسة، وكانت له فيها اليد الطولى؛ فذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم والحاكم وغيرهما عن الحميدي قال: قال الشافعي: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها”.

وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه يحكي عنه أنس بن مالك فيقول: “دخلت على عثمان، وكنتُ رأيت امرأةً في الطريق تأملتُ محاسنها، فقال عثمان رضي الله عنه: يدخل عليَّ أحدُكم وأثر الزنا ظاهر في عينيه! فقلت: أوحيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة”.

وورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “إن أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرَّس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه، والمرأة التي رأت موسى عليه السلام فقالت لأبيها: يا أبتِ استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله عنه”.

وقد كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه أعظم الأمة الإسلامية فراسة، يتبعه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ووقائع فراسة سيدنا عمر رضي الله عنه مشهورة؛ فإنه ما قال لشيء “أظنه كذا” إلا كان كما قال. ويكفي في فراسته موافقته ربه في مواضع معروفة، فله عدة رؤى واجتهادات جاء الوحي بها.

وهناك كتاب اسمه: “فتح الوهاب في موافقات سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه”، من تأليف الشيخ العلامة المحدث الأكبر محمد بدر الدين الحسني -رحمه الله- وهو كتاب يحكي ما أُجري على لسان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الحق والإلهام، حتى كان موافقًا لقضاء ربنا عز وجل.

صفوة القول

كأن الحديث عن الفراسة ومواقف المتفرسين، حديث عن الخرافة في أبهى صورها، من العسير تصديقه؛ فالقلوب التي تربَّت على المادية وزخم الحياة الحالية، لا تستطيع استساغة مثل هذه الشفافية والروحانية بسهولة ويسر، أما القلوب العامرة بالإيمان فتُصدِّق ذلك، فهو قريب إلى نفسها وإن كانت لم تجرِّبه.

قصص كثيرة.. صفقة تبدو لك وكأنك ستصبح بسببها غنيًّا.. الفراسة قد ترشدك إلى انقباض، وهذا الانقباض سبب حفظ مالك أحيانًا، فيكون مكافأة من الله للمؤمن، هي هذه الفراسة.

إنسان طيب تثق به، وإنسان بريء تحس ببراءته، وآخر مخادع تشعر نحوه بانقباض وتقول: ما اطمأننت له، بالرغم من أن كلامه مقنع، رائع، مؤيَّد بكل الأدلة، ومع ذلك لم ترتح له، هذه هي الفراسة.

(*) استشاري طب وجراحة العيون / مصر.

المراجع

(1) علم الفراسة الحديث، جرجي زيدان.

(٢) الخرافة في الحديث عن الفراسة، عماد حسن أبو العينين.

(٣) مدارج السالكين، ابن القيم.

(٤) الفراسة.. الحقيقة والتاريخ، صحيفة الخليج (بتصرف).

(٥) الفراسة، موسوعة النابلسي.