يأتي شهر رمضان من كل عام، ويستقبله المسلمون في شتى بقاع الأرض بالفرح والترحاب؛ وما ذاك إلا لأنه شهرٌ يضاعف الله فيه الحسنات؛ فالحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. شهرٌ يستقبله المسلمون بالصيام، وتلاوة القرآن، والذكر، وقيام الليل، وإطعام الطعام، وسائر أعمال البر والخير.
ولكي يجمع الصائم بين روح رمضان وفرحة الصيام، لا بد أن يكون مع الله متأدبًا في نهار صيامه وليل قيامه، فلا يفسق، ولا يجهل، ولا يصخب، ولا يؤذي أحدًا لا بالقول ولا بالفعل، وليكن متأدبًا بأدب القرآن.
وإذا كان الصيام في تعريفه: الامتناع عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإن هذا الامتناع غايته تهذيب الأخلاق، وتقويم السلوك، والصبر على محارم الله. ولهذا الامتناع ثمرته؛ فكما يصوم البطن والفرج عن الطعام والشراب والجماع، تصوم الجوارح عن المعاصي والذنوب، فتكون ثمرة الصيام تقويم السلوك الإنساني نحو فعل الخير واجتناب الشر.
فالصائم يصوم لسانه عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور، ويجعل صمته تفكرًا، وكلامه ذكرًا. ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (أخرجه البخاري).
وفي الحديث القدسي أيضًا قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم» (أخرجه البخاري).
وقد أعلمنا القرآن الكريم أن النجوى –وهي التحدث سرًّا– لا خير فيها إن لم تتضمن الخير للناس في أمرٍ بمعروف أو نهيٍ عن منكر، قال الله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}(آل عمران: 114).
والصائم في نهاره يجاهد نفسه بين ألا يقع في معصية تفسد عليه صومه، وبين الإقبال على الله عز وجل بالأعمال الصالحة. ومن هذه الأعمال: تلاوة القرآن، والدعاء، والصدقة، وصلة الأرحام. فبالصيام وتلاوة القرآن تجتمع للمسلم عبادتان عظيمتان تشفعان له يوم القيامة. ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال:” فيشفعان”» (أخرجه أحمد).
ويحلو الذكر في رمضان؛ حيث تتهيأ الروح لتعيش في روحانية عالية، وذلك لخلو المعدة من الطعام والشراب. والمسلم في هذه الحال أشبه بالملائكة في عبادتهم لله عز وجل؛ فهم عباد مكرمون لا يأكلون ولا يشربون، يفعلون ما يؤمرون، منهم القائم والراكع والساجد، وأحوالهم كلها تسبيح وتنزيه لله عز وجل. والصائم بهذا الوصف يرتقي إلى درجة الملائكية؛ فيجمع بين البشرية في حقيقته، والملائكية في روحه، حتى يكون عند الله عز وجل بهذه الحالة أفضل من الملائكة.
وكما أن الصائم يكون في صيامه مشغولاً بالذكر وتلاوة القرآن، فإنه يكون مشغولاً بالسعي إلى فعل الخيرات، بالتقرب إلى الله تعالى بالصدقات، وإطعام الفقراء والمحتاجين كلٌّ على قدر سعته. قال الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}(الإنسان: 8-9).
والعمل الصالح في رمضان يضاعف الله أجره وثوابه؛ فالصدقة على الفقير القريب صدقتان: صدقة وصلة. وبذلك يجمع المسلم بين عبادة الصوم وعبادة الصدقة، فينتابه شعور بالفرح والسرور.
والصوم يدرب المسلم على الصبر؛ صبرًا على شهوات النفس، وصبرًا على أداء التكاليف الإلهية طاعة لله عز وجل أمرًا ونهيًا. فالصائم قد يكون طالب علم فيصبر على طلب العلم وتحصيل الدرس، وقد يكون صانعًا فيصبر على إتقان صنعته، وقد يكون مزارعًا فيصبر على حرث أرضه ويتعهدها بالرعاية والعناية، وقد يكون معلمًا فيصبر على تلاميذه، وهكذا.
فكما أمرنا ربنا عز وجل بالصيام في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة: 183)، أمرنا سبحانه بالصبر على تحصيل الطاعات واجتناب المنكرات. والمصابرة تعني المغالبة بين ما نهى الله عنه وبين إتيان ما أمر به. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(آل عمران: 200).
والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يبين أهمية الصيام في ضبط النفس والتقوي به على الشيطان، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (أخرجه البخاري).
ومع ضبط النفس يقتصد المسلم في النفقة على نفسه وعياله؛ فقد علمه الصيام الاقتصاد في المعيشة، فيكون وسطًا في نفقته، فلا يسرف ولا يضيّق على عياله. ففي الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عال من اقتصد» (أخرجه أحمد).
ولا مانع أن يتناول الصائم عند الإفطار من طيبات الطعام والشراب، ولكن من غير إسراف أو تبذير، كأن يأخذ من الطعام ما يكفيه ويكفي عياله.
وفي رمضان تجتمع الأسرة على مائدة الطعام، فينتابهم شعور بالفرح، وتجتمع لهم فرحتان. ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» (أخرجه مسلم). ففرحة الصائم ليست بالطعام الشهي وحده، وإنما بفرحة أن وفقهم الله لصيام نهاره كما أمرهم ربهم عز وجل، موقنين أن الله تعالى هو الذي يكافئهم على صيامهم.
ومما يدعو إلى الفرح والسرور أن دعاء الصائم مستجاب. فقد جاء عقب الحديث عن فريضة الصيام قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(البقرة: 186).
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين، والإمام العادل» (أخرجه الترمذي).
ومن مظاهر الفرح والسرور في رمضان صلاة التراويح، واجتماع المسلمين عليها لتؤدى في جماعة؛ فنجد الأصوات ترتفع بالتكبير والتحميد والتهليل لله عز وجل، فتنشرح الصدور، وتستريح النفوس، وتسعد بذكر الله، وتعيش جوًّا روحانيًّا لا تجد له مثيلاً في سائر شهور السنة.
والصائم يضبط نفسه عن كل ما يفسد عليه صومه، فهو بين الالتزام بالامتناع عن شهوتي البطن والفرج، وبين ضبط النفس ألا تقع في معصية تفسد عليه الصيام. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الانزلاق في المعاصي، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر» (أخرجه ابن ماجه).
إن الصوم الذي يضبط فيه المسلم نفسه إنما هو تدريب عملي؛ لكي ينجح المسلم في حياته، لأن الحياة مجموعة من الاختبارات، سواء فيما يتعلق بأمور الدين أو الدنيا.
نسأل الله عز وجل أن يتقبل صيامنا وقيامنا، وأن يختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وأن يعيد هذه الأيام المباركة بالخير واليمن والبركات على الأمة الإسلامية في سائر بقاع الأرض.


