شهر رمضان في دوحة النثر العربي

لم تكن إلهامات شهر رمضان وفيوضاته الإبداعية قاصرة على الشعراء وحدهم، بل أخذت نصيبًا كبيرًا من كتابات الناثرين كذلك، وربما كان من هذه الكتابات ما ينافس الشعر حلاوةً وإبداعًا، وإن كان أقل حظًّا من الذيوع والانتشار. وقد تباينت هذه النصوص النثرية التي تناولت شهر رمضان في الرؤى، واختلفت في المعاني والاتجاهات؛ فمنها ما سار في فلكٍ عريضٍ واسع من الإيمان والاحتساب، ومنها ما نحا نحو الموعظة، ومنها ما اتجه اتجاهًا فلسفيًّا وفكريًّا إلى تلك العبادة الدينية التي تختلف عن غيرها من العبادات الإسلامية. وننظر عبر هذه السطور إلى ما قاله أولئك الأعلام عن شهر رمضان نثرًا.

ونبدأ مع الإمام ابن الجوزي، الذي كتب في كتابه بستان الواعظين عن منزلة شهر رمضان بين أشهر السنة قائلاً: «مثل الشهور الاثني عشر كمثل أولاد يعقوب، وكما أن يوسف أحب أولاد يعقوب إليه، كذلك رمضان أحب الشهور إلى الله، وكما غفر لهم بدعوة واحد منهم وهو يوسف، كذلك يغفر الله ذنوب أحد عشر شهرًا ببركة رمضان». وفي أحد أدعية الإمام علي زين العابدين علي بن الحسين، نقرأ نصًّا بليغًا عن رمضان لا يخلو من الحكمة والفلسفة، من خلال أسلوب رصين يجمع المعاني العميقة والمحسنات اللفظية البديعة، حيث يقول: «إن الله أبان فضيلته على سائر الشهور بما جعل له من الحرمات الموفَّرة والفضائل المشهورة، فحرَّم فيه ما أحل في غيره إعظامًا، وحجز فيه المطاعم والمشارب إكرامًا، وجعل له وقتًا بيِّنًا لا يجيز جلَّ وعز أن يُقدَّم قبله ولا يقبل أن يُؤخَّر عنه، فلا نصغي بأسماعنا إلى لغو، ولا نُسرع بأبصارنا إلى لهو، وحتى لا نبسط أيدينا إلى محظور، ولا نخطو بأقدامنا إلى محجور، وحتى لا تعي بطوننا إلا ما أحللت، ولا تنطق ألسنتنا إلا بما قلت».

وفي محاسن شهر رمضان كتب الإمام الحسن البصري قائلاً: «إن الله تعالى قد جعل رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته، فسبق قوم ففازوا وتخلَّف آخرون فخابوا، فالعجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخسر فيه المبطلون؛ فالله الله عباد الله، اجتهدوا أن تكونوا من السابقين ولا تكونوا من الخائبين في شهرٍ شرَّفه رب العالمين».

أما الإمام أبو حامد الغزالي، ففي كلامه عن شهر رمضان نظرة روحية وتحليل نفسي لا يخلوان من الحقائق العلمية والفيزيولوجية والفطرية، كما أن مفهومه لرمضان ذو قيمة فردية وجماعية وذهنية ونفسية وحسية، فيقول: «الصيام زكاة للنفس ورياضة للجسم وداعٍ إلى البر، فهو للإنسان وقاية وللجماعة صيانة؛ ففي جوع الجسم صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة، لأن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر الشجار في الدماغ فيتبلد الذهن، والصبي إذا ما أكثر أكله بطل حفظه وفسد ذهنه؛ أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع، وطهِّروها بالجوع تصفُ وترق».

ويقول الإمام الفخر الرازي عن الشهر المبارك: «إن الله سبحانه وتعالى خصَّه بأعظم آيات الربوبية، وهو أنه فيه القرآن، فلا يبعد أيضًا أن يخصَّه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم». ويقول الإمام عبد القادر الجيلاني: «السنة شجرة، ورجب أيام إيراقها، وشعبان أيام ثمارها، ورمضان أيام قطافها».

ويلخص لنا ابن القيم الجوزية في النص التالي معنى رمضان وقيمته وفائدته وأبعاد فضائله ومرامي حكمته الربانية، مستبطنًا أسرار النفس الإنسانية وهي حبال المادة والروح والشهوة والإيمان، وكل ذلك بأسلوب أدبي وبلاغة رائعة، فيقول: «المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوف، وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكِّرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها، ويسكن كل عضو فيها وكل قوة عن جماحها وتُلجَم بلجامه؛ فهو لجام المتقين وجُنَّة المتحابين ورياضة الأبرار المقرَّبين».

أما الصاحب بن عباد فأرسل قطعة نثرية يهنئ فيها أحد الأمراء بمقدم شهر الطاعة والغفران جاء فيها: «كتابي أطال الله بقاء الأمير، غرة شهر رمضان، جعل الله أيامه غراء وأعوامه زهراء وأوقاته إسعادًا وساعاته أعيادًا، وأتاه في هذا الشهر الكريم مورده ومأتاه أفضل ما قُسم فيه لمن تقبَّل أعماله فبلغه آماله».

وإذا كان مثل هذه المعاني البليغة ورد في كلام أعلامنا القدامى، فإن مثله نجده في وجدان أعلامنا المحدثين والمعاصرين؛ فهذا أمير الشعراء أحمد شوقي يعبِّر عن شهر رمضان نثرًا مبرزًا فضائله الروحية والدينية والإنسانية والشخصية، فيقول في كتابه أسواق الذهب: «الصيام حرمان مشروع وتأديب بالجوع وخشوع لله وخضوع، ولكل فريضة حكمة؛ ظاهرها العذاب وباطنها الرحمة، ويستثير الشفقة ويحض على الصدقة ويكسر الكبر ويعلِّم الصبر ويسن خلال البر، حتى إذا جاع من ألف الشبع وحُرم المترف أسباب المتع عرف الحرمان كيف يقع والجوع كيف ألمه إذا لذع».

ويقول الأديب مصطفى صادق الرافعي كلامًا طويلاً عن شهر رمضان يظهر خلاله معجزته الإصلاحية وحكمته الأدبية، ومنه: «أية معجزة إصلاحية أعجب من هذه المعجزة الإسلامية التي تقضي أن يحذف الإنسان كله تاريخ البطن ثلاثين يومًا في كل سنة ليحل في محله تاريخ النفس»، وفي موضع آخر يقول أيضًا: «شهر هو أيامه قليلة في الزمن، متى أشرقت على الدنيا قال الزمن لأهله: هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي، فيقبل العالم كله على حالة نفسية بالغة السمو يتعهد فيها النفس برياضيتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أُجيعت من طعامها اليومي كما جاع هو».

أما الأديب والمفكر عباس محمود العقاد فينظر إلى شهر رمضان من خلال قيمه الاجتماعية ونظامه الذي يفرض قواعد ثابتة في السلوك ونمطًا في الحياة وخروجًا عن العادات المألوفة، وقد اعتبره فريضة اجتماعية فقال: «فهو موعد معلوم من العام لترويض الجماعة على نظام واحد من المعيشة وعلى نمط واحد من تغير العادات، وليس أصلح لتربية الأمة من تعويدها هذه الأهبة للنظام ولتغير العادات شهرًا في كل سنة تتلاقى فيه على سنن واحد في الطعام واليقظة والرقاد، وما يستتبع ذلك من أهبة الجماعة كلها لهذا الشهر خلال العام».

ويقدم لنا الكاتب والمفكر الإسلامي خالد محمد خالد تحليلاً آخر لفضيلة هذا الشهر الكريم، إذ يركز على قيمته الذاتية والشخصية وعلى تكريس مفهوم الإرادة من خلال هذه العبادة بقوله: «إذا كانت إرادة الإنسان أهم عناصر شخصيته، فالصوم أستاذ قدير في تلقين الصائمين فن الإرادة، وذلك برغبتهم المقتدرة في تعظيم أمر الله وحرماته، وفي إقبالهم على الصوم مهما تكن مشقته عزيمة لا تعرف الوهن وإصرارًا لا يعرف النكوص».

ويقدم الكاتب والأديب علي أحمد باكثير تصويرًا جميلاً لانتصار المسلمين في معركة عين جالوت على التتار في روايته واإسلاماه، مبينًا أثر الصوم في ذلك، إذ يقول: «وخرَّ الملك ساجدًا لربه، ثم رفع رأسه وخطب قائلاً: أيها المسلمون، إياكم والزهو بما صنعتم، وما يدريكم لعل دعوات إخوانكم المسلمين في الساعة التي حملتم فيها على عدوكم يوم الجمعة وفي هذا الشهر العظيم، شهر رمضان، كانت أمضى على عدوكم من السيوف».

وأختم هذه الإطالة السريعة على ما قاله وكتبه أعلام النثر من القدامى والمحدثين عن شهر رمضان بهذه الكلمات لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وهو يصف لحظات انتظار مدفع الإفطار مصورًا خلجات النفس في صورة دقيقة لا تخلو من روح الدعابة والفكاهة، إذ يقول: «فإذا دنا الغروب وخفقت القلوب وأصغت الآذان لاستماع الأذان، وطاشت نكهة الطعام بالعقول والأحلام، فترى أشداقًا تنقلب وأحداقًا تتقلب بين أطباق مصفوفة وأكواب مرصوفة، تملك على الرجل قلبه وتسحر لُبَّه بما ملئت من فاكهة وأترعت من شراب». ثم يصور لحظة الإفطار قائلاً: «الآن يشق السمع دوي المدفع، فانظر إلى الظماء وقد وردوا الماء، وإلى الجياع طافوا بالقصاع؛ تجد أفواهًا تلتقم وحلوقًا تلتهم، وألوانًا تبيد وبطونًا تستزيد، ولا تزال الصحائف تُرفع وتوضع، والأيدي تذهب وتعود، وتدعو الأجواف: قدني… قدني، وتصيح البطون: قطني… قطني».