مشاهد من الأزل والخلود

تأملات في الأوّل والآخر والظاهر والباطن على خطى فتح الله كولن

ليس الدخول إلى عالم الأسماء الإلهية مجرّد قراءة في معجمٍ لاهوتي، ولا ترديدًا لألفاظ مأثورة، بل هو عبورٌ إلى فضاء تتّسع فيه الروح، وتتقلّص فيه المسافات بين الإنسان وربّه؛ فيغدو الاسم مفتاحًا لبوابة من النور لا تكفّ عن الانفتاح. وفي تراث المفكّر التركي فتح الله كولن، نجد للأسماء الأربعة: الأوّل، والآخر، والظاهر، والباطن مكانةً محوريّة، إذ ينسج منها خيوطًا تمتدّ من أعمق أعماق الغيب إلى تفاصيل حياة الإنسان اليوميّة، ليصنع منها جسرًا بين الفكر والعبادة، وبين المعرفة والمحبّة، وبين الوجود والحقّ.

الأوّل… حيث لا ابتداء إلا ابتداءُ النور

عندما يحدّد كولن معنى الأوّل، فهو لا يشير إلى نقطةٍ على خطّ الزمن، بل إلى المطلق الذي لا عنوان له إلا الله. فكلّ بداية عرفها العالم كانت مرهونةً بلحظة قال فيها الحقّ: كن. وكلّ وجود تجلّى في صفحة الحياة خرج من عمقٍ أزليٍّ لا يستند إلى شيءٍ سوى ذاته تعالى.

إننا حين نغوص في معنى الأوّل، تتلاشى من أمامنا سلسلة الأسباب التي نُحسن تركيبها في العلوم، ونكتشف أن هذه السلسلة كلّها ليست إلا صورةً من صور تجلّي القدرة. فالأوّل هو الحقيقة التي لا يسبقها شيء، لأنه لم يكن في الأزل إلا هو، وكلّ ما عداه مؤخرٌ، حادثٌ، ومرهونٌ بدفعةٍ أولى من الخالق.

ولفتح الله كولن لمسةٌ خاصّة هنا؛ إذ يجعل من الأوّل ليس فكرةً تجريديّة، بل مرآةً يرى فيها الإنسان ماضيه الروحي. فالإنسان حين يقف أمام هذا الاسم يتساءل: ما الذي أراد الله بي قبل أن أظهر؟ وما النصيب الذي كُتب لي في سجلّ الأزل؟
وهي أسئلةٌ كانت تهزّ أركان الأولياء، وتفتح في قلوبهم مشاهد الخشوع الدائم.

ويشبّه كولن علاقة المخلوق بـالأوّل بعلاقة طفلٍ يفتح عينيه للمرة الأولى، فيكتشف أن حضنًا سبقه، وأن محبّةً أحاطته قبل أن يدري. هكذا الوجود كلّه: يبدأ من محبّة، ويُخلق بنور، وتكوّنه يد الأوّل قبل أن يتلمّس طريقه في الحياة.

الآخر… حيث تتلاشى الفناءات وتشرق البقايا

إذا كان الأوّل يعيدنا إلى ما قبل البداية، فإن الآخر يأخذ بأيدينا إلى ما بعد النهاية، إلى النقطة التي يخفت عندها ضوء النجوم، وتنهار فيها صروح الكون، وتذوب كتل الجبال، وتتحرّر الأرواح من أثقال الطين.

فالآخر في نظر كولن ليس نهاية الوجود، بل نهاية الوهم؛ نهاية اعتقادنا أن الأشياء مستقلّة، وأن الزمن دائم، وأن القوّة تكفي وحدها لبناء الخلود. وحين يتجلّى هذا الاسم في الروح، يبدأ القلب يدرك أن كلّ ما في يده زائل، وأن الوحيد الذي لا يذبل ولا يغيّره الزمن هو الله وحده.

ويضرب كولن أمثلةً من حياة البشر، فيقول: كم من ملكٍ ظنّ أن ملكه خالد، ثم صار خبرًا يُحكى! وكم من مدينةٍ كانت تغلي بالحياة، فإذا بها أطلالٌ يمرّ عليها الغبار! وكم من إنسانٍ ظنّ أن بدنه، أو علمه، أو سلطانه يحميه من الانطفاء، فإذا بالموت يمرّ عليه كما يمرّ على غيره!

كلّ ذلك يذكّرنا أن الآخر قائم، ينتظر انتهاء دورة الحياة، ويستقبلنا بحضورٍ لا يحدّه زمان. وهو الاسم الذي يجعل المؤمن يبتسم في وجه الموت، لأنه لا يعود يرى فيه فناءً، بل لقاءً، وعودةً إلى من لا تزول حضرته.

الظاهر… تجلّيات القدرة في كلّ حرفٍ من كتاب الوجود

في أسلوب كولن المتأمّل، يصبح الكون كتابًا مفتوحًا نقرأ فيه الظاهر في كلّ صفحة. فالظاهر ليس المعنى الحسّي فحسب، بل ظهور الآيات ووضوح الدلائل في كلّ شيء: في انسياب الماء، في هندسة الورقة، في انتظام الأفلاك، في نبضات القلب، في هدوء الليل، وفي حركة النملة.

وكان كولن يكرّر في بعض مجالسه: “إنك إن رأيت العالم بعين الظاهر، رأيت الله في كلّ شيء؛ لأن كلّ شيء يقول: أنا دليل عليه سبحانه وتعالى”.
فالوردة بنعومتها ليست مجرّد زهرة، إنها أثرٌ من آثار الجمال الإلهي. والسحاب ليس غيمة، إنه صفحةٌ من صفحات الرحمة. والنور ليس فوتونات، بل ظلٌّ من ظلال القدرة.

وعلى طريقة أصحاب الذوق، يرى كولن أن الإنسان لا يحتاج إلى إثبات وجود الله ببرهانٍ خارجي؛ فالظاهر في الوجود أقوى من ألف دليل، والآيات لا تُحصى، وكلّ ذرّةٍ في الكون تقف شاهدة وتقول: ليس في الوجود إلا فعل الفاعل الحقّ.

غير أن هذه الرؤية ليست عاطفيةً فقط، بل عقلية أيضًا؛ لأن العقل حين يتأمّل الوجود بإنصاف يجد نفسه أمام منظومةٍ محكمة، لا تفسّرها الصدفة إلا كما يفسّر الطفل نغمات الأوتار بأنها تآلفٌ بين ضجيجاتٍ عشوائيّة.

الباطن… الغيب الذي لا يُرى إلا بأعينٍ مطهَّرة

الظاهر يسكن السطح، أمّا الباطن فيغيب وراء حُجُبٍ لا يدخلها إلا من صفَت قلوبهم. يربط كولن اسم الباطن بتجارب القرب، ويقول إن الله قريبٌ من عبده قربًا لا يُعبَّر عنه بمكان، لكنه قربٌ لا ينكشف كلّه؛ قربٌ يحضر في الإلهام، ويتسلّل في الدعاء، ويهمس في صلاة الليل، ويظهر في لحظةٍ يسمع فيها القلب صوتًا لا يسمعه الناس.

ويُبيّن أن الباطن لا يعني الغياب، بل يعني أن عمق الحقيقة أكبر من وعينا، وأن الله حاضرٌ في كلّ شيء، لكن العقول لا تملك الأوعية الكافية لاحتواء هذا الحضور. ولذلك يختبر الناس المِحن، ولا يدركون حكمتها إلا متأخّرين، كأن الباطن يقول لهم: “أعطيتكم ظاهرًا لتبصروا به، وباطنًا لتتفكّروا فيه، فمن جمع بينهما أشرقت بصيرته”.

وكم في الحياة من قصصٍ تُثبت أن يدًا خفيّة كانت تجري الأمور من وراء الستار!
مريضٌ ظنّ أنها نهايته، فكان مرضه عتبةَ شفاءٍ روحي، وفقيرٌ اعتقد أن الفقر لعنة، فإذا به باب غنى من نوعٍ آخر، ومبتلى ظنّه الناس منكسرًا، فإذا به أقرب إلى الله من كثيرٍ من الأقوياء.

ثم إن رحلة موسى مع الخضر تكشف لنا سرَّ اسمَي الظاهر والباطن؛ فموسى رأى ظاهر الأحداث: سفينةً تُخرق، وغلامًا يُقتل، وجدارًا يُقام، فرأى فيها ما يُثير الاعتراض، بينما كان الخضر يشهد باطن الحكمة التي تجري في عمق القدر؛ فخرقُ السفينة نجاة، وقتلُ الغلام رحمة، وإقامةُ الجدار حفظٌ لكنزٍ لم يُكشف بعد. وهكذا يتجلّى لنا أن الوجود يعمل على مستويين: ظاهرٌ يمتحن العقول، وباطنٌ يربّي القلوب، وأن الإنسان لا يدرك جمال أفعال الله إلا إذا جمع في نظره بين السطح الذي يراه، والعمق الذي يغيب عنه؛ فهما اسمان يُكمِل أحدهما الآخر، ويعلّماننا أن يقين الإيمان أوسع من ضيق المشهد، وأن الحقّ كثيرًا ما يختبئ في طبقاتٍ لا تُرى إلا بنورٍ يُشرق من الباطن.

بين الأسماء الأربعة: معمارٌ روحيّ يقوم على التوازن

على خطى كولن، تتكامل هذه الأسماء كما تتكامل الجهات الأربع التي تحفظ توازن الكون؛ فالأوّل يعيد الروح إلى أصلها، والآخر يأخذها إلى مصيرها، والظاهر يفتح لها باب الشهود، والباطن يفتح لها باب الغيب.

والإنسان المؤمن يعيش بين هذه المقامات الأربعة، وكأنه يسافر بين عوالم متداخلة؛ فعندما يتأمّل ماضيه يجد نفسه أمام الأوّل، وعندما يخاف مستقبله يلوذ بالآخر، وحين ينظر إلى الكون بعين البصيرة يرى الظاهر، وحين تضيق به الأسباب يتعلّق بالباطن.

إنها بنيةٌ متناسقة، لا يستطيع العقل أن يفصل واحدةً منها عن الأخرى، كما لا يستطيع أن يفصل الجهات الأربع في خارطة الوجود. ولكي يربط كولن الفكر بالحياة، كان يذكر إسقاطاتٍ عمليّة لهذه الأسماء:

1- في لحظة القلق: يتذكّر الإنسان أن الله الأوّل كتب أقداره قبل أن يولد، فما من شيءٍ يمرّ إلا وعينه عليه.

2- في لحظة الخوف من الغد: يتذكّر أن الله الآخر يضمن له نهايةً لا يُختبر فيها إلا بعدله ولطفه.

3- في لحظة الدهشة أمام الكون: يدرك أن الله الظاهر أقرب إلى عقله من أقرب فكرة.

4- في لحظة الغموض: يعلم أن الله الباطن يدبّر من وراء ستارٍ حكمةً لا تُرى.

لماذا تجمع هذه الأسماء بين التناقضات؟

يرى كولن أن اجتماع الأضداد في ذاتٍ واحدة – الأوّل والآخر، الظاهر والباطن – ليس تناقضًا، بل إيحاءٌ بأن الكمال لا يحدّه وصفٌ واحد. فالله ليس بدايةً فقط، ولا نهايةً فقط، ولا ظهورًا فقط، ولا غيابًا فقط؛ بل هو الكمال الذي يشمل كلّ المعاني: هو الأوّل بلا افتتاح، والآخر بلا انتهاء، والظاهر بلا تمثيل، والباطن بلا تعطيل.

الإنسان بين الأزل والخلود

إن أعظم ما يُحدثه تأمّل هذه الأسماء في النفس هو الشعور بأن الإنسان ليس ترابًا عابرًا، ولا وجودًا يتيمًا، بل هو كائنٌ تقف خلفه حقيقةٌ أزليّة، وتنتظره وجهةٌ أبديّة. وبين الأوّل والآخر يعيش الإنسان عمره القصير، وفي هذا العمر القصير تصنع هذه الأسماء للإنسان طريقًا يرى فيه البدايات بعيون الأزل، ويستشرف فيه النهايات بعيون الخلود، ويقرأ فيه الكون بعيون الشهود، ويعبر فيه المِحن بعيون الباطن.

وهذا هو السرّ العميق الذي ينساب في كتابات فتح الله كولن: إنه يريد منا أن نعيش مع الله لا كفكرة، بل كحضور؛ لا كدرسٍ عقائدي، بل كرفيق؛ لا كأسماءٍ على الورق، بل كتجلّياتٍ في القلب.