في أكثر من مكان من رسائل النور، يشير “النورسي” إلى أن النفس الإنسانية، هي عبارة عن مجموعة كبيرة من اللطائف والنوازع الفطرية المختلفة، وأن هذه اللطائف والنوازع تبقى في ظمأ شديد، وفي اشتياق أبدي إلى ما يُروي ظمأها ويُشبع جوعتها، لكُلٍّ منها رِيُّها وَقُوتُها الخاصان بها، فما يروي العقل غير ما يروي الروح، وما يروي الحسَّ غير ما يروي الشعور، وما يشبع خيال الروح غير ما يشبع خيالات البدن، ونـزوع النفس الحرُّة إلى المغيبات في حاجة إلى رواء غير الرواء الذي تحتاجه النفوس الحبيسة في قمقم أجسادها. ولكي يتهيأ لنا أن نستقي من ينابيع القرآن جميعًا، علينا أن نقبل عليه بِجَمع كياننا، وبجميع لطائفنا، وبكل نوازعنا.. ومن هنا عاب علماؤنا على بعض الفِرَق الإسلامية إتيانها القرآن من بعض منافذ النفس دون بعض.

إن الجمال  يحبُّ أن يَشْهَد نَفْسَه في مراياه ومرايا الآخرين، ويَودُّ أن يكون موضع إعجاب واستحسان غيره. ولمَّا كان الجمال الإلهي سرمدًا وخالدًا وأبديًّا، فهو يقتضي خلود أولئك المشتاقين وديمومتهم.

والنفس السليمة تنجذب بفطرتها إلى الجمال والجميل، وكل جمال وجميل يوقظ حينًا ويأخذ بمجامع قلوبنا لسبب وحيد وذلك لظهوره بمظهر من ينطوي على قوىً هي أعظم من جرمه، وأعمق وأوسع مما يبدو على ملامح شكله، وأن فيه لمحة من ملامح الخلود تضيء قلوبنا، وتصعق أرواحنا. فالجمال الإلهي الذي يندُّ عن أي شكل، لا يلبث أن يأخذ أشكالاً عديدة ويتصور بصور مختلفة حين يهبط الأرض وينـزل منها منازله.

والنورسي يرى “أن كلاًّ منا هو مرآة كبيرة واسعة”، قابلة لاستقبال الصور التي يبثها الكون والحياة من حولنا، وإننا لننفعل بما تنقله إلينا هذه الصور من رسائل، ونسعى إلى فهمها والكشف عما ترمز إليه من المعاني والأفكار، وما تنطوي عليه من أسرار الحسن والجمال ومن حيث كوننا مرايا يظلُّ الواحد منا يتلقى طوال حياته سيولاً هائلة متتابعة لا تتوقف من الصور، وتزدحم بها ذاكرته وينتخم بها عقله.

ولضعفٍ في قوة الإبصار، وصدإٍ مزمن في المرآة، وكلال في الذهن على استبانة حقائق الأشياء، يتلقى الإنسان المنكود الصور الهابطة عليه من سماء الحق مشوشةً ومشوهةً، لا يتبين حقيقتها ولا يدرك رمزها، ومن هنا تنشأ الانحرافات وتتجذر الكفريات، ويكبر الجحود ويتفاقم الإنكار، وتصبح الماهية الإنسانية التي هي في الأصل “مرآة جامعة للأسماء الحسنى كلها” كما -يقول النورسي- عدسةً مشتتةً لهذه الأسماء، وطامسة لأنوارها وجلواتها في مرايا الموجودات.

والمرآيا العاكسة تعكس كُلُّ واحدة منها -بحسب حجمها وعلى قدر صقالتها وشدة نقائها- بعضًا من أنوار تجليات الأسماء الإلهية الحسنى. فإن هذه المرآيا إذا ما نُظِرَ إليها بمنظار “التوحيد” عُرِف أن مصدر نورها واحد، ومنبعه واحد، فيجتمع بهذا النظر شتاتها، وتتوحد أجزاؤها، ويلتحم بعضها ببعض، وتصير -بسرِّ التوحيد- مرآة واحدة كبرى تعكس وحدة النور وأحدية المُنوِّر.

والوحدة والتوحيد سنة كونية تدفع بالأشياء من الجزئية إلى الكلية، ومن الشتيت المتفرق إلى الواحد المتجمع، وتسعى إلى رتق ما يتفتَّق وتركيب ما يتفكك، حتى إن القرآن الكريم يشير إلى هذه السنة الكونية الإلهية فيقول: (مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(لقمان:28)، ويقول: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)(المائدة:32).

فالبشرية بأجيالها المتعاقبة منذ آدم عليه السلام وإلى أن تقوم الساعة، مختزلة في أي فرد من أفرادها، فَقَتْل هذا الفرد من غير وجه حق كأنه قَتْل البشرية بأسرها، وإحياؤه -أي مساعدته على حفظ حياته- كأنه إحياء للبشرية كلها، وهذا الفرد وسرّ كينونته منطوٍ في أصغر خلاياه، كما أن أعظم طاقات الكون مخفية في الذرة الواحدة من ذراته.

يقول النورسي في هذا المعنى: “نعم، إن ثمرة واحدة وزهرة واحدة وضياءً واحدًا، كُلٌّ منها يعكس كالمرآة الصغيرة رزقًا بسيطًا ونعمة جزئية وإحسانًا بسيطًا، ولكن بسرِّ التوحيد تتكاتف تلك المرايا الصغيرة مع مثيلاتها مباشرة، ويتصل بعضها بالبعض الآخر، حتى يصبح ذلك النوع مرآة واسعة كبيرة جدًا تعكس ضربًا من جمال إلهي يتجلَّى تجليًا خاصًّا بذلك النوع، فيظهر سرَّ التوحيد حسنًا سرمديًّا باقيًا من خلال ذلك الجمال الفاني الموقت، بمعنى أن ذلك الشيء الجزئي يتحول بسرِّ التوحيد، إلى مرآة للجمال الإلهي”.

وفي النافذة السادسة والعشرين من رسالة “النوافذ” يقول النورسي: “إن أنواع الجمال الزاهر، وأشكال الحسن الباهر، التي تتلألأ على وجوه الكائنات السريعة الأفول، ثم تتابع هذا الجمال وتجدده بتجدد الكائنات واستمراره باستمرار تعاقبها، إنما يُظهر أنها ظل من ظلال تجليات جمال سرمدي لا يحول ولا يزول.. تمامًا كما أن تلألأ الحباب على وجه الماء الرقراق، وتتابع هذا اللمعان في تتابع الحباب، يدل على أن الحباب والزبد والتموجات التي تطفو على سطح الماء إنما تمثل مرايا عاكسة لأشعة شمس باقية.

التراب حياة وإحياء، ومن هنا كان المؤمن أقرب ما يكون إلى الله وهو ساجد كما جاء في الحديث الشريف، لأنه أقرب ما يكون إلى التراب الذي تتجلَّى فيه أسماؤه الحسنى.

فتلمّع أنواع الجمال أيضًا على الموجودات السيالة في نهر الزمان الجاري، يشير إلى جمال سرمدي خالد، ويدل على أن تلك الموجودات إنما تمثل إشارات وعلامات على ذلك الجمال، ثم إن ما يخفق به قلب الكون من حُبٍّ جادٍّ وعشق صادق، يدل على معشوق دائم باق. إذْ كما لا يظهر شيء في الثمرة ما لم يوجد في الشجرة نفسها، فكذلك العشق الإلهي العذب الذي يستحوذ على قلب الإنسان -وهو ثمرة الكون- يبين أن عشقًا خالصًا ومحبة صادقة بأشكال شتى مغروزة في كيان الكون كله، وتتظاهر بأشكال شتى.. هذا الحب المالك قلب الكون، يفصح عن محبوب خالد سرمدي”.

فما دام أن الكون شجرة -كما يراه النورسي- والإنسان ثمرة هذه الشجرة، والثمرة لا يمكن أن تحمل من الخصائص والصفات ما لا تحمله الشجرة ذاتها، ولما كان الإنسان يحسُّ في حالة صحو الروح وصفاء القلب بوجد وتوق متدفق نحو خالقه وموجده، لذا فإن الكون -الذي هو شجرة الإنسان- لا بد وأن يحمل نفس ما تحمله ثمرته “الإنسان” من مثل هذا الوجد والتوق إلى الخالق العظيم ذي الجلال والجمال.

ويسير النورسي موغلاً في عمق هذه المعاني حيث يقول: “ثم إن ما تمور به قلوب اليقظين الراشدين من أصفياء الناس، وما يشعرون به من انجذاب، وما يؤرقهم من وَجْدٍ، وما يحسون به من جذبات، وما تتدفق به صدورهم من توق وحنين، إنما يدل على أن حنايا ضلوع الكون تعاني ما يعاني الإنسان، وتكاد تتمزق من شدة إنجذابها وعظيم جذباتها التي تتظاهر بصور متنوعة، وهذا الجذب لا ينشأ إلا من جاذب حقيقي وجاذبية باقية أبدية” إلى أن يقول: “ثم إن قلم التجميل والتحسين الذي يبدع نقوشه في وجه الكائنات، يدل بوضوح على جمال أسماء مالك ذلك العليم المبدع.

وهكذا فالجمال الذي يشع من وجه الكون

والعشق الذي يخفق به قلبه

والانجذاب الذي يمتلئ به صدره

والكشف والشهود الذي تبصره عينه

والروعة والإبداع في مجموع الكون كلِّه..

كل ذلك يفتح نافذة لطيفة جدًّا، ونورانية ساطعة أمام العقول والقلوب اليقظة يتجلى منها ذلك الجميل ذو الجلال الذي له الأسماء الحسنى، وذلك المحبوب الباقي والمعبود الأزلي”.

إن شيئًا ما ينحدر إلينا من منابع الأبدية عندما نروح في استبحار فكري وروحي في الأمداء المهولة البعد من محيطات النفس والوجدان، وهذا يعني أن “الخلود” مُجَوْهَر في مناجم الروح، وأن بذرة “الأبدية” منطوية في وجدان كل إنسان.

والنورسي يرصد هذه الظاهرة ويقدم لنا التفسير الآتي: “إن هذه الأشياء لم تخلق للفناء بل للبقاء، بل إن فناءها الظاهري ليس إلا إطلاقًا لسراحها بعد أن أنهت مهامها، وكما أن الشيء يفنى من جهة، إلا أنه يبقى من جهات كثيرة:

التراب فيه خاصية إحياء كالماء، لذا فهو يقوم مقامه في الوضوء والطهارة حين يَعِزُّ الماء أو يختفي.

تأمل هذه الزهرة وهي كلمة من كلمات القدرة الإلهية، إنها تنظر إلينا مبتسمة لفترة قصيرة ثم تختفي وراء ستار الفناء، فهي كالكلمة التي تتفوه بها، والتي تودع آلافًا من مثيلاتها في الآذان، وتبقى معانيها بعدد العقول المنصتة لها، وتمضي بعد أن أدَّتْ وظيفتها وهي إفادة المعنى.

فالزهرة أيضًا ترحل بعد أن تودع في بذيراتها ماهيتها المعنوية، فكأن كلَّ ذاكرة وكلَّ بذرة بمثابة صور فوتوغرافية لحفظ جمالها وصورتها وزينتها، ومحل إدامة بقائها. فلئن كان المصنوع -وهو في أدنى مراتب الحياة- يعامَلُ مثل هذه المعاملة للبقاء، فما بالك بالإنسان -الذي هو في أسمى طبقات الحياة- الذي يملك روحًا باقية، ألا يكون مرتبطًا بالبقاء والخلود؟!”.

والرغبة في الخلود والدوام هي حافز أعظم الأعمال الفكرية والوجدانية. فآمال الإنسان وأشواقه وأحلامه وخياله وفكره وآدابه وفلسفاته، وما قاله من حِكمٍ وتغنَّى به من شعر، إنما هو تعبير عن نفس الهاجس، ولو لم يتوهم لمحة من لمحات الخلود في أعماله الفكرية والإبداعية وبناه الحضارية، لما كلَّف نَفْسَه عناء التفكير ومشقة الإبداع، ولو لم يتوهم بعضًا من علامات الخلود والدوام فيما يحبُّ ويهوى لما أحبَّ ولما هَوِي، ولما التذّ بعمل أو سُرَّ بشيءٍ من أعماله كما يشير إلى ذلك النورسي.

فالزمان الدنيوي المحدود، عاجز عن المضي مع الإنسان إلى آخر الشوط في خياله الذي لا حدود له، ومع أشواقه التي لا نهاية لها. فلا بد من زمن أخروي لا حدود له تصبُّ فيه الأزمنة كلُّها بخيرها وشرِّها، وتصبُّ فيه آمال الإنسان وأحلامه وأشواقه بخيرها وشرِّها، وتطويها دفاتر الأبد وسجلاته.

يقول النورسي: “لو قيل لقدرة التخيل في الإنسان، وهي إحدى وسائل العقل وأحد مصوريه، سَتُمْنَح لكِ سلطنةُ الدنيا وزينتها مع عمْر مديد يزيد على مليون سنة، ولكن مصيركِ إلى الفناء والعدم حتمًا، نراها تتأوه وتتحسَّر، أيْ إن أعظم فانٍ -وهو الدنيا وما فيها- لا يمكنه أن يشبع أصغر آلة في الإنسان وهي الخيال.

يظهر من هذا جليًّا أن هذا الإنسان الذي له الاستعداد الفطري، والذي له آمال تمتدُّ إلى الأبد، ورغبات تنتشر في ثنايا أنواع السعادة الأبدية.. هذا الإنسان إنما خلق للأبد وسيرحل إليه حتمًا، فليست هذه الدنيا إلا مستضافًا مؤقتًا، وصالة انتظار الآخرة”.

وحبُّ الجمال والانتشاء بمشاهدته، والاقتراب منه ومحاولة امتلاكه، والاستحواذ عليه بالفكر والحسِّ والخيال، هو قضية معروفة ومشاهدة في الإنسان، حيث يمتطي خياله، ويظلُّ سابحًا في ملكوت الجمال، يجوس خلاله، ويطوف بين أمدائه وهو يلاحق مغيبات الحسن في خبايا الكون والحياة والإنسان، مدفوعًا إلى ذلك بنازع فطري وبحافزٍ روحي، يَوَدُّ لو يشرب جمال العالم كله ويطويه في حشاشته.

غير أن هذا “الخيال” وهو يبحث عن لمحات الجمال، ويلاحقها في كل مكان يقودنا إلى تيهٍ يباب، ويقف بنا في منتصف الطريق مُنْبَتّينَ هالكين؛ لأنه يبحث عن جمال مجازي ويلاحق حسنًا فانيًا زائلاً، بينما هو مرصود لكي يتلمس لمعات الحسن الحقيقي، ويبحث عن أنوار جمال سرمدي لا يفنى ولا يزول، لذلك فسيظَلُّ جائعًا لا يشبع وظامئًا لا يروي، لأن كلَّ جمال يلتقيه إنما هو جمال نسبي محدود فانٍ، وفوقه جمال هو تجلٍّ من تجليات نوره، كتجلي نور الشمس -ولا مشاحة في المثال- على المرايا وقطرات الماء وحباب البحر، هو ليس بالشمس ولا بعض منها، ولكنه بسرِّ النورانية والشفافية، يدخل كلَّ شيء من غير أن يحتويه شيء، ويقرب من كل شيء بينما هو بعيد عن كل شيء كما يشير إلى ذلك النورسي رحمه الله.

إن هذا الإنسان الذي له الاستعداد الفطري، والذي له آمال تمتدُّ إلى الأبد، ورغبات تنتشر في ثنايا أنواع السعادة الأبدية.. هذا الإنسان إنما خلق للأبد وسيرحل إليه حتمًا.

ومعلوم بداهةً أن الجمال -أيَّ جمال- يحبُّ أن يَشْهَد نَفْسَه في مراياه ومرايا الآخرين، ويَودُّ أن يكون موضع إعجاب واستحسان غيره. ولمَّا كان الجمال الإلهي سرمدًا وخالدًا وأبديًّا، فهو يقتضي خلود أولئك المشتاقين وديمومتهم. فمنح الخلود للمؤمنين المشتاقين للجمال الإلهي، هو من مقتضيات أبدية هذا الجمال وسرمديته كما يقول النورسي: “ولمّا كان الجمال والحسن خالدين سرمديين، فإنهما يقتضيان خلود المشتاقين وديمومتهم، لأن الجمال الدائم لا يرضى بالمشتاق الزائل”.

فالإنسان رهين الخلود، محكوم به عليه، مذهوب به إليه، سواء استسلم لقضاء الله فيه أم تمرد عليه، وسواء آمن واتَّقى أم جحد وكفر، فكما جاء إلى الدنيا بغير إرادته، فإنه مغادرها كذلك إلى الآخرة بغير إرادته، فلا فكاك له عنها، ولا مصرف له إلا إليها، لأنها موصولة به بحبال منسوجة من خيوط روحه، فهو مشدود إليها، وهي مشدودة إليه، ولا خلاص لأحدهما من الآخر.

إن “وجود الإنسان” موجود في علم الله تعالى قبل أن يمنحه إياه ويُتَوِّجه بالروح والحياة، ولأن علم الله تعالى أزلي وأبدي، فمن البديهي أن يكتسب هذا الوجود ظلاًّ من ظلال الدوام والبقاء، وهو بهذا الانتساب الإلهي لا يمكن أن يتفكك أو يمضي لأي سبب من الأسباب في طريق “التلاشي” والوصول إلى نقطة “اللاَّوجود” والانحدار نحو العدم.

فـ”وجود الإنسان” ابتداءً إنما هو خروج من دائرة “العلم” إلى دائرة “القدرة”، ووجوده انتهاءً هو خروج من دائرة “القدرة” إلى دائرة “العلم”، ثم العودة مرةً أخرى إلى دائرة “القدرة” للحساب والثواب والعقاب، وهو في هذه الحالات جميعها موجود غير معدوم. فهو -أي الإنسان- إما أن يكون موجودًا في “علم الله”، أو موجودًا في “قدرة الله” ولا في شيء غيرهما.

التراب الذي يتمنَّى الكافر أن يكونه ليس عدمًا ينجيه من العذاب كما يتوهم، فلا خلاص له مهما صار إليه من أشياء، أو تحول إليه من أحوال، لأنه مسجون الوجود

وفي تفسيره لقوله تعالى: (كُلُّ شيءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ)(القصص:88) يقول النورسي: “ثم إن العدم المطلق لا وجود له أصلاً لوجود “العلم المحيط”، علمًا أنه لا شيء خارج عن دائرة العلم الإلهي كي يمضي إليه شيء ما، والعدم الموجود ضمن دائرة “العلم” هو عدم خارجي، وهو عنوان صار ستارًا على الوجود العلمي، حتى حدا ببعض العلماء المحققين التعبير عن هذه الموجودات العلمية بأنها “أعيانٌ ثابتة”، لذا فالذهاب إلى الفناء، هو نـزع الأشياء لألبستها الخارجية مؤقتًا، ودخولها في وجود معنوي وعلمي، أي إن “الهالكات والفانيات” تترك الوجود الخارجي وتلبس ماهياتُها وجودًا معنويًّا، وتخرج من دائرة “القدرة” وتدخل في دائرة “العلم”.

والكافر -كما يحكي عنه القرآن- حين يرى العذاب المنصبّ عليه في نار جهنم، يهتف صارخًا: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا)(النبأ:40)، متوهمًا أن التراب مواتٌ لا يُحسُّ بالعذاب. بينما الأرض -ومنها التراب- هي مظاهر قدرته تعالى ورحمته وإحسانه، فحفنة من تراب يمكن أن يُسْتَنبَت فيها كلُّ أزهار العالم وأشجاره على اختلاف أنواعها وألوانها وطعومها، كما يقول النورسي:

“فالتراب حياة وإحياء، ومن هنا كان المؤمن أقرب ما يكون إلى الله وهو ساجد كما جاء في الحديث الشريف، لأنه أقرب ما يكون إلى التراب الذي تتجلَّى فيه أسماؤه الحسنى، حتى كره بعض الفقهاء السجود على ما يحجب جبهة الساجد عن الأرض.

فالتراب فيه خاصية إحياء كالماء، لذا فهو يقوم مقامه في الوضوء والطهارة حين يَعِزُّ الماء أو يختفي. فالتراب الذي يتمنَّى الكافر أن يكونه ليس عدمًا ينجيه من العذاب كما يتوهم، فلا خلاص له مهما صار إليه من أشياء، أو تحول إليه من أحوال، لأنه مسجون الوجود، ولا عدم يمكن أنْ يتلاشى فيه، أو يذوب في قعره ليخرج من شيئيته الإنسانية، ويتخلص من مسؤولية فكره وعقيدته. فالله تعالى من حيث ربوبيته “قد جعل سبحانه المخلوقات الأرضية عروشًا له، إذ جعل الهواء نوعًا من عرش لأمره وإرادته، وعنصر النور عرشًا آخر لعلمه وحكمته، والماء عرشًا آخر لإحسانه ورحمته، والتراب نوعًا من عرش لحفظه وإحيائه”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) كاتب وأديب عراقي.

المراجع

(1) كليات رسائل النور، لبديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة.

(2) كليات رسائل النور، لبديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة.

(3) كليات رسائل النور، لبديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.