تتبوأ الأمة الإسلامية مكانة متميزة في ميزان القيم الربانية، إذ وصفها الله تعالى بأنها “خير أمة أُخرجت للناس”. وهذا الوصف -بلا شك- تكريم عظيم يحمل في طيّاته مسؤولية عظيمة قوامها الإيمان الصادق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا تظهر حقيقة هذه الخيرية، إلا عندما تؤدي الأمة دورها في نشر الفضائل وحماية المجتمعات من مظاهر الفساد.. فهي أمة مُكلَّفة بالشهادة على الناس، معنية بترقية الإنسان أخلاقيًّا وروحيًّا، لا يكفي أن تعنى بإصلاح نفسها دون الإسهام في إصلاح غيرها.
ولا بد من الإشارة -بدايةً- إلى أن الأمر بالمعروف لا يتحقق بالأقوال أو الشعارات البراقة، إنما هو مشروع تربوي متواصل يقوم على تحلية النفوس بالفضائل، وتخليتها من الرذائل، فيغرس فيها الصدق، والإحسان، والعدل، والرحمة.. وكذلك النهي عن المنكر الذي لا يستهدف إقصاء الإنسان ذاته، إنما استئصال ما يعتريه من صفات سلبية وكأنها فيروسات تحتاج إلى معالجة دقيقة.. إذن، الغاية إصلاح الفرد وشفاؤه، ثم إعادته إلى صفائه الذي فطره الله عليه. لذا، يتطلب هذا المسار الإصلاحي وعيًا عميقًا بالأساليب والضوابط، ولا يجوز أن يتحول إلى أحكام تدين الأشخاص، بل ينبغي أن يتوشّح بروح الرحمة والحكمة.
الالتزام بمنهج الوحي
ومن أجل ضبط المسار والأسلوب في هذا المشروع التربوي، لا بد من الالتزام بمنهج الوحي الذي ينظّم حياة الأمة ويحفظ تماسكها. فالأمة الإسلامية مدعوة إلى السير وفق المنهاج الرباني الذي يصون كيانها من التصدع، لأن أي خلل يصيب هذا البناء ينعكس على الجماعة بأسرها. وقد جسّد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بقوله: “مثَل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا” (رواه البخاري).
ويحمل هذا التصوير النبوي دلالة عميقة تتجاوز ظاهر الحكاية؛ إذ إنه يقدّم فهمًا دقيقًا لطبيعة المسؤولية الجماعية. فالمجتمع وحدة مترابطة يؤثر بعضُها في بعض. وقد لا تنبع بعض الأخطاء من قصد الإفساد المتعمّد، إنما من اجتهادات قاصرة أو تصورات يظن أصحابها أنها نافعة، تمامًا كما ظنّ أهل السفينة بأنهم يخففون المشقة عن الآخرين. غير أن حسن النية وحده لا يكفي لتبرير السلوك إذا كانت نتائجه مضرَّة بالمصلحة العامة أو تهدد استقرار المجتمع وقيمه. ومن هنا، فإن ترك المنكر دون معالجة، يفتح المجال لتوسّع الخلل حتى يصبح خطرًا عامًّا تتجاوز آثاره حدود مرتكبيه.
ولذلك ارتبطت هوية الأمة الإسلامية بمهمة الإصلاح الاجتماعي، فجعَل القرآن من خصائصها الأساسية، الدعوة إلى الخير وحماية المجتمع من الانحراف: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(آل عمران:104). فالميزة التي تضفي على هذه الأمة خصوصيتها إذن، تكمن في تحمّل مسؤولية الإصلاح والرقابة الأخلاقية والاجتماعية. إنها الأمة التي لا تكتفي بصيانة ذاتها، بل تسعى كذلك إلى حماية محيطها من الانزلاق، تمامًا كما تقتضي حكمة السفينة المشتركة أن يتعاون ركابها على منع ما يؤدي إلى غرقهم جميعًا.
ضبط الفكر والسلوك
من هذا المنطلق، يأتي الأمر الإلهي بـ”الطاعة”، لأنه مدخل أساسي لحفظ توازن الأمة واستقرارها. وإن الالتزام بمنهج الله ورسوله نظام متكامل يضبط الفكر والسلوك والعلاقات، ويَحول دون الفوضى والانحراف. فحين يلتزم المجتمع بالهداية الربانية، يصبح أكثر قدرة على مواجهة عوامل التفكك والانقسام.
هذا ويمثّل قولُه تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ)(الأنفال:1) أساسَ المرجعية الإسلامية، ومصدر التوجيه في مختلف شؤون الحياة. فطاعة الله تتحقق من خلال الالتزام بما ورد في القرآن الكريم، كما تتجسد طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في اتباع سنّته وما أرشد إليه من هديٍ وتشريع. وبناء على ذلك، فإن المنهج الإسلامي يقوم على مرجعية واضحة، تمنع التناقض في قضايا العقيدة والقيم والأخلاق.
إن الإسلام يفتح المجال للاستفادة من الخبرات الإنسانية والمعارف العلمية والإدارية عندما تكون منسجمة مع مبادئه العامة، وقابلة للتقويم وفق معاييره الأخلاقية. فالحكمة النافعة تُقبل إذا لم تتعارض مع أصول الدين، أما التصورات التي تفضي إلى تشويه الهوية أو إفساد المنظومة القيمية، فلا يمكن قبولها دون مراجعة وتحليل دقيق. ومن هنا يمكن القول: إن المجتمع الإسلامي يحتاج إلى وعي معرفي يميّز بين ما ينسجم مع رؤيته الحضارية، وما يتعارض معها؛ ليبقى تطبيق الأمر الإلهي بالطاعة قائمًا على الفهم السليم لا على التبعية العشوائية.
الحفاظ على التوازن الداخلي
إن الحفاظ على وحدة الأمة يبدأ من إصلاح الإنسان وتحسين علاقته بنفسه. والتوازن الداخلي يقتضي انسجام الفكر مع القول والعمل، بحيث لا يعيش الفرد حالة من الازدواجية التي تُظهر شيئًا وتُخفي عكسه. فكلما ازداد التوافق بين القناعة والسلوك، أصبح الفرد أكثر قدرة على الإسهام الإيجابي في بناء المجتمع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة التفاهم والتسامح والتعاون، وتقليل أسباب الخصومة والانقسام، حتى تستعيد العلاقات الاجتماعية قدرًا كبيرًا من التماسك والاستقرار. ويمتد هذا المعنى إلى نطاق الأمة بأسرها، حيث ينبغي أن يسود الشعور بالانتماء إلى جماعة واحدة تتجاوز الانقسامات الضيقة. وقد عبّر الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى حين شبّه المؤمنين في تآلفهم وتراحمهم، بالجسد الواحد الذي يتأثر كله إذا أصاب الألم أحد أعضائه، فقال: “مثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثَل الجسد، إذا اشتكى منه عضْو تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى” (رواه مسلم). إذن، الأمة الإسلامية الشاهدة على الناس، كيان إنساني وروحي متكامل، يستوجب التعاون والتكافل والشعور المتبادل بالمسؤولية.
استعادة العلاقة مع القرآن
على الرغم من أن الأمة الإسلامية تظلّ في حاجة إلى القرآن الكريم بوصفه مصدرًا للهداية والبصيرة والتزكية، فإن القرآن بدوره لا تتجلى رسالته كاملة في واقع الحياة إلا من خلال أناس صادقين يحملونه وعيًا وسلوكًا، وتتشكل قلوبهم وفق قيمه ومعانيه ليصبح جزءًا حيًّا من تكوينهم الإيماني والفكري. فالقرآن يحتاج نفوسًا تشبّعت بروحه، وتشرّبت معانيه، حتى تغدو ترجمة عملية لمضامينه ومقاصده.
وحين يُختزل كتاب الله في مظاهر التوقير المجردة فيُحفَظ في أغلفة فاخرة، أو يوضع في أماكنَ مرتفعةٍ بوصفه رمزًا للتقديس، وينحسر أثره في الحياة اليومية؛ فإن العلاقة معه تتحول إلى علاقة رمزية أكثر منها تفاعلية. ففي مثل هذه الحال، لا يخرج القرآن إلى فضاء التأثير الحقيقي إلا على فترات متباعدة؛ تُلامسه الأيدي احترامًا، وتقبّله الشفاه طلبًا للبركة، ثم يُعاد إلى موضعه بعيدًا عن المجال الذي خُصّص له أصلاً وهو توجيه الإنسان وصناعة وعيه الأخلاقي والحضاري. وعندما يغيب من يمثّل رسالته في السلوك والفكر، يصبح حضوره محدود الأثر، كأنه محروم من القدرة على الإفصاح الكامل عن نفسه وحقائقه.
ولقد عرف التاريخ الإسلامي مراحل كان القرآن فيها حاضرًا بقوة في وجدان الناس وحركتهم، فكان مصدر الإلهام الذي يوجّه الفكر، ويصوغ الأخلاق، ويمنح الحياة معناها واتجاهها. فمنذ اللحظة الأولى لنزوله، أدّى دورَ الدليل الهادي والروحَ المحرِّكة، ولم يكن أثره محصورًا في جماعة بعينها، إنما امتدّ ليؤثر في مسار الإنسانية جمعاء. وفي أزمنة الوعي والانبعاث، كان صوته حاضرًا في مختلف مجالات الحياة، يوجّه الضمير الجمعي ويصنع التحولات الكبرى. غير أن هذا الحضور كان يضعف في فترات أخرى حين تتراجع الصلة الحقيقية به فينكمش تأثيره العملي، ويغدو وجوده أقرب إلى حضور صامت تحاصره الطقوس الشكلية، وتقيّده مظاهر التقديس المنفصلة عن الفاعلية.
إن الذين حملوا القرآن حقّ الحمل في تاريخنا المجيد، لم تكن علاقتهم به علاقة سطحية، إنما علاقة امتلأت بالتضحية والمكابدة والانشغال العميق، إلى درجة أنه أثّر في وجدانهم وصاغ رؤيتهم للحياة. صحيح أن فضل الله تعالى واسع، وأن عطاياه قد تتنزل على هذه الأمة من حيث لا تحتسب، فيمنحها من الألطاف ما لم يكن في حسبانها، غير أن السنن الجارية تشير إلى أن العطاء يرتبط غالبًا بمقدار البذل والصدق في الطلب.. فبقدر ما تبذله الأمة من جهد في التعلّق بالقرآن وفهمه والعمل به، تتحدد مساحة ما تناله من أثره وثمراته الروحية والفكرية.
وعليه، فإن مجمل ما سبق، يقود إلى حقيقة مركزية واحدة تُلقي بمسؤولية واضحة على عاتق الأمة.. وتكمن هذه المسؤولية في ضرورة إعادة ضبط مسارها ومنظومتها القيمية من جديد، وذلك بتقديم لسان حالها على لسان مقالها، وتجسيد القيم سلوكًا قبل صياغتها أقوالاً. والغاية من ذلك كله، إخراج الناس من ظلمات الغفلة إلى نور الهداية، وهي غاية لا تُنال إلا بتخطيط محكم، وسعي دؤوب، وصبر فعّال، وعزيمة لا تفتر.. ولكن حين تقوم بتنفيذ هذه المهمة، يجب عليها أن تكون كالشمس في الرحمة، وكالغيث في العطاء، وكالشجر في النفع، وكالميت في ترك الغضب، وكالمحيط في سعة الصدر.. عندها تصبح الأمة مصدر خير دائم للعالم أجمع.
الحقيقة الكبرى -أولاً وآخرًا- هي أن “بناء الإنسان” أساس هذا المسار الإصلاحي. فلا يمكن إصلاح نظام سياسي أو اقتصادي أو ثقافي دون إصلاح الإنسان نفسه في هذه الأمة.. لأن الإنسان هو قلب الأمة، إذا صلح صلحت الأمة كلها، وإذا فسد فسدت الأمة كلها. وإذا استطاعت الأمة أن تبني الإنسان الصالح الذي استطاع أن يجمع بين موارد العقل، وفيوضات القلب، والتوازن السلوكي، فإنها عندئذ تكون قد أصلحت ذاتها، وأصلحت مجتمعها، وأنقذت المجتمع البشري من الضياع. وكم أصاب القائل حين قال: الإنسانية اليوم في أمس الحاجة إلى الإسلام، ولكن الإسلام -أيضًا- في أمس الحاجة إلى من يمثّله قيمًا وأخلاقًا.. والإسلام جميل، لكن يحتاج إلى من يتمثل جماله هذا بحقّ.
(*) كاتب وباحث تركي.


