الرموز المنسية من ظواهر التراث الإسلامي

في عمق التراث الإسلامي، تكمن كنوز لا يُدرك قيمتها إلا من غاص في تفاصيلها بدقة وعناية. هذه الكنوز غالبًا ما تأخذ شكل رموز ودلالات، تبدو للوهلة الأولى مجرد عناصر شعائرية أو تاريخية، لكنها في الواقع شفرات معرفية وروحية متقنة الصياغة. ولنأخذ على سبيل المثال رمزًا غنيًّا بالمعاني والتاريخ وهو الرقم سبعة.

رمزية الرقم سبعة (7)

إذا تأملنا في القرآن الكريم، نجد أن الرقم 7 يسطع كرمز للكمال الإلهي وتمام الحكمة في كل شيء. السماوات السبع، والأرضين السبع، والسبع المثاني، والسنابل السبع، كلها تشير إلى نظام محكم، لم يترك الله فيه شيئًا للصدفة. فالمؤمن يطوف حول الكعبة سبع مرات، ويسعى بين الصفا والمروة سبع أشواط، ويرمي الجمار سبع حصيات، وكل حركة تحمل بعدًا روحانيًّا وتذكيرًا بالكمال المنظم في الخلق والعمل. حتى مضاعفة الصدقات في القرآن إلى سبعمائة ضعف، التي تأتي في سياق الخير والبركة، تؤكد أن الرقم 7 يربط بين الطاعة والوفرة والنجاح الروحي.

ولا يخفى أن في هذا الرقم سرًّا دقيقًا، فقد قال العلماء إن الرقم 7 يرمز إلى الاكتمال في الإنسان نفسه: سبعة أحاسيس (وهي البصر، والسمع، واللمس، والشم، والتذوق، والحاسة الدهليزية، وحاسة المفاصل والعضلات)، وسبعة أعضاء أساسية في الجسد (وهي التي أمرنا الله بإخضاعها للسجود وأن ينتصب الجسد عليها أثناء السجود، وهي الجبهة مع الأنف، واليدان، والركبتان، وبطون أصابع الرجلين).

لكن الرقم 7 لا يقتصر على الخير، بل يظهر أيضًا في سياق الشدة والاختبار؛ أبواب جهنم السبعة، وسنوات يوسف السبع من القحط والخصب، والريح على قوم عاد التي استمرت سبع ليال، كلها أمثلة تبرهن كيف يمكن للرقم أن يمثل الامتحان والعقاب. فالرقم 7 هنا، يعكس شمولية النظام الإلهي، الرأفة والرحمة في جانب، والإنذار والاختبار في جانب آخر.

ومن الطرائف الرمزية، أن القرآن يذكر السبع العجاف في قصة يوسف، ليعلمنا أن الابتلاء ليس لحظة عابرة، بل دورة كاملة تمر بالإنسان حتى ينضج ويتعلم الصبر. وهكذا، الرقم 7 يظهر كأداة لقراءة الحياة بمنظار روحاني، حيث كل تجربة تحمل درسًا، وكل شدّة تنطوي على حكمة.

في السنّة النبوية، يظهر الرقم 7 في تفاصيل الحياة اليومية، ليجعل الكمال والبركة ملموسين عمليًّا؛ سبع تمرات صباحًا، غسل الإناء سبع مرات.. كلها أمثلة على العناية بالكمال في الأعمال الصغيرة.

أما المضاعفات الكبيرة، مثل فضل سبعين ألفًا أو سبعمائة ألف حسنة، فهي تذكير بالوفرة الإلهية في الجزاء. ومن الطرائف الجميلة أن بعض الصالحين كانوا يعتبرون كل سبع تمرات يلتهمونها صباحًا بمثابة طاقة روحية متجددة، ليس فقط للجسد بل للنفس أيضًا، وذلك مصداق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن تصبَّح بسبعِ تمراتٍ عجوةً، لم يضُرّه ذلك اليومَ سمٌّ ولا سحرٌ” (رواه البخاري). الرقم 7 هنا هو رابط بين الروحانية العملية والجزاء الإلهي، ويعلّم الإنسان أن الكمال يظهر في التفاصيل اليومية الصغيرة والكبيرة على حد سواء.

في الثقافات القديمة كان الرقم 7 مرتبطًا بالمعرفة والفلك والقداسة. البابليون، الإغريق، العرب قبل الإسلام، وحتى في فلسفة فيثاغورس، كان الرقم 7 يمثل حلقة مكتملة من القداسة والمعرفة والانسجام الكوني.

في بعض الأساطير القديمة، كانت هناك سبع مدن أسطورية، سبعة كواكب، سبعة عناصر أساسية، وكلها تظهر أن الرقم 7 كان يُنظر إليه كرمز للاكتفاء والاكتمال والانسجام. هذه الرمزية العالمية تجعل الرقم 7 جسرًا بين الأديان والفلسفات والثقافات، شاهدًا على قدرة الإنسان على ربط الرموز الكونية بالحياة اليومية.

المضاعفات القائمة على الرقم 7 تعكس التكرار كرمز للكمال المطلق والوفرة. القرآن والسنة يشيران إلى سبعين ألفًا من الملائكة، سبعمائة ضعف من الحسنات، سبعمائة ألف حسنة، وكلها تذكير بأن النظام الإلهي يتجاوز حدود الإنسان ليعكس الكمال المطلق في العقاب والجزاء والبركة.

ومن النوادر الطريفة في الأحاديث، أن بعض العلماء كانوا يحسبون كل تكرار سباعي للحسنات كما لو أنه سلّم يوصلك إلى الدرجة الأعلى في المعارج الروحية، مؤكدين أن الكمال والوفرة مرتبطان بالعدد نفسه، وبالتكرار الواعي للأفعال الصالحة.

النجمة الثمانية هندسة النور والكمال

حين تتأمل عمارة الأزهر الشريف، أو أرضيات المساجد العثمانية، أو زخارف المآذن المغربية، ستجد النجمة الثمانية تتكرر كعلامة لا تخطئها العين؛ وكأنها بصمة التوحيد في الجمال الإسلامي. فهي ليست اختيارًا زخرفيًّا عابرًا، بل لغة رمزية تحمل في طياتها فلسفة روحية دقيقة.

تتكون النجمة الثمانية من تداخل مربعين، أحدهما يشير إلى العالم المادي الأرضي، والآخر يرمز إلى العالم الروحي السماوي، وبين تداخلهما يتشكل توازن يعبّر عن الإنسان الكامل الذي يحقق الانسجام بين السماء والأرض، بين العبادة والعمل، بين الروح والجسد.

وقد وعى المعماريّ المسلم هذا المعنى الخفيّ، فاتخذ من النجمة الثمانية قلب التصميم الإسلامي في كثير من الأبنية الروحية، ولا سيما الأزهر الشريف الذي تزيّن جدرانه وسقوفه وساحاته بهذه النجمة بأساليب متعددة.. في الرخام المحفور تبدو بارزة، وفي الزليج (الفسيفساء المغربية) تبدو مكررةً إلى ما لا نهاية، في إيحاء بديع إلى اللانهائية الإلهية التي لا يُدرك مداها.

ولعل السرّ الأعمق في النجمة الثمانية، أنها جاءت مكملة للرقم سبعة. فإذا كان الرقم سبعة يرمز إلى كمال الدنيا (السماوات السبع، الأيام السبعة، الأشواط السبعة)، فإن الرقم ثمانية يشير إلى كمال الآخرة وتمام الارتقاء الروحي؛ كما قال تعالى: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ)(الحاقة:17). وكما ذكرنا أن لجهنّم سبعة أبواب، فإن للجنة ثمانية أبواب أيضًا، قال رسول صلى الله عليه وسلم: “مَن قال أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، وأنَّ عيسى عبدُ الله وابنُ أمَتِه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، وأنَّ الجنة حقٌّ، وأنَّ النار حقٌّ، أدخلَه الله مِن أيِّ أبواب الجنة الثمانية شاءَ” (رواه البخاري).

ولهذا ارتبطت النجمة الثمانية بالعرش والجنة والنور الإلهي في الخيال الصوفي والمعماري على السواء. فترمز زواياها الثماني إلى صفات إلهية ثمانية كالعلم والحكمة والعدل والرحمة، أو إلى اتجاهات الكون الثمانية التي تحتضن الخليقة كلها في توازن عجيب.

وفي الفن الإسلامي العثماني، خاصة في تزيين القباب والمحراب، كانت النجمة الثمانية تُعرف باسم “نجمة الخاتم” أو “نجمة الكمال”، ترمز إلى ختم الجمال الإلهي في الوجود، وإلى أن كل ما في الكون صادر عن نظام هندسي إلهي منضبط لا فوضى فيه.

أما في العمارة الأندلسية والمغربية، فقد تجلت النجمة الثمانية في الزخارف الهندسية للأرضيات والجدران والأبواب، حتى أصبحت جزءًا من الهوية البصرية الإسلامية. وفي كل مرة تُكرر فيها النجمة في نمط متداخل، كأنها تقول بلغة الفن: إن الوحدة تولد من التنوع، وإن التناسق لا يتحقق إلا بتداخل المتقابلات.

بل إن بعض الباحثين في الفن الإسلامي الحديث، رأى أن النجمة الثمانية تمثل المعادلة الكبرى للتوازن الوجودي:

فالمربع الأول = المادة والعلم والعقل

والمربع الثاني = الروح والوحي والإيمان

والتقاطع بينهما = الإنسان الذي يسعى ليكون خليفة الله في الأرض.

وهكذا، حين يرفع الأزهر الشريف قبابه ومبانيه المزخرفة بالنجمة الثمانية، فهو لا يرفع زخرفة حجرية فحسب، بل يرفع رمزًا فكريًّا وجماليًّا يقول: إن الإسلام ليس دين العبادة فقط بل دين التوازن، حيث الجمال عبادة، والعلم نور، والنظام هندسة السماء على وجه الأرض.

النجمة الثمانية في العمارة الإسلامية

لم تكن النجمة الثمانية حِلية فنية تُرسم للزينة، بل منذ بدايات الحضارة الإسلامية كانت نقطة التقاء بين العلم والجمال والعقيدة. فمنذ العصر العباسي بدأت تظهر في زخارف القصور والمساجد الكبرى ببغداد وسامراء، لتعبّر عن نزعة الفن الإسلامي نحو الهندسة الموزونة التي تنقل العقل من التأمل في الخطوط إلى التأمل في الخالق.

في العصر الأندلسي بلغت النجمة الثمانية ذروة حضورها، خصوصًا في قصر الحمراء بغرناطة، حيث تكررت في النقوش الجصية والأرضيات والقباب. كان المعماري الأندلسي يراها رمزًا للتناغم بين الأرض والسماء، فيجعلها تتوسط السقوف، محاطة بآيات من القرآن الكريم، كأنها تفتح للروح نافذة على ملكوت الجمال الإلهي. ومن العجيب أن الضوء حين يتسلل من نوافذ القصر ينعكس على جدران مزيّنة بالنجوم الثمانية، فيتشكل مشهد يوحي بأن النور نفسه يخضع لقانون الجمال الإلهي.

وفي القاهرة الفاطمية والمملوكية، ولا سيما في الجامع الأزهر الشريف، أصبحت النجمة الثمانية عنصرًا ثابتًا في التصميم؛ تراها في الرخام المزخرف للأرضيات، وفي نقوش الخشب المطعَّم بالصدف، وفي الزخارف المحيطة بالمحراب. وقد استخدمها البناؤون كتعبير عن مركزية العلم والنور، إذ كان الأزهر منارةً للعلم كما أن النجمة الثمانية منارةٌ في فن الزخرفة.

وعند العثمانيين، تطورت النجمة الثمانية لتصبح توقيعًا هندسيًّا مميزًا في عمارتهم. في مسجد السلطان أحمد، ومسجد السليمانية بإسطنبول، تتداخل النجمة مع الدوائر والمربعات في توازن بديع يعكس روح الوسطية الإسلامية. ولم يكن الفن العثماني يسعى إلى بهرجة بصرية، بل إلى هندسة تنطق بالسكينة، فكانت النجمة الثمانية عندهم، تمثل الانفتاح على الجهات الثمانية للكون، في دلالة على شمول الرسالة الإسلامية للوجود كله.

أما في العمارة المغربية والمشرقية الحديثة، فقد استمر حضور النجمة الثمانية كرمز لهوية الفن الإسلامي، سواء في بلاط الزليج المغربي أو الزخارف الحجرية في دمشق وحلب وإيران. وهي اليوم تُستخدم في الشعارات الرسمية لكثير من الجامعات والمؤسسات الإسلامية، للدلالة على الاكتمال والتكامل والاتزان.

ولعل أجمل ما يقال في ختام هذه الرحلة، إن النجمة الثمانية هي روح الفن الإسلامي نفسه، نظامٌ هندسيٌّ ينبع من الإيمان بأن الكون خُلق على ميزان، وأن الجمال في الإسلام ليس ترفًا، بل وجهٌ من وجوه التوحيد، ودعوة للتأمل في كمال الخالق من خلال انتظام المخلوقات.

رمز الهلال والقمر

إلى جانب الرقم سبعة والرقم ثمانية، نجد رموزًا أخرى تحمل معاني مزدوجة:

أ- الهلال والقمر: رمز الدورة الزمنية والارتباط بالكون، مرتبط بالتقويم الهجري والعبادات. القمر يرمز للتجدد والتوازن بين الليل والنهار، وهو أداة تنظيمية ومعرفية لمجتمعات كاملة، تظهر فيها حكمة الإسلام في ضبط الوقت والعبادة بما يتناغم مع الطبيعة.

ب- الرقم اثنا عشر: يظهر في أسماء الأنبياء، وأشهر السنة، وأبعاد معينة في الفلك الإسلامي، ويعكس النظام الكوني والدقة في التنظيم الاجتماعي والديني.

وفي الختام نقول: إن هذه الرموز وغيرها ليست نقوشًا من الماضي، بل مفاتيح لفهم الذات والكون. فهي تنظم الفكر، وتمنح السلوك بعدًا روحيًّا يربط الإنسان بجذوره ومعناه. حين نتأمل الرقم سبعة أو الهلال أو النجمة الثمانية، لا نمارس استدعاءً تراثيًّا فحسب، بل نستعيد صلتنا بعالم القيم والمعرفة.

وإعادة قراءة هذه الرموز في ضوء العلوم الحديثة، تجعلها جسرًا بين التراث والحاضر، وتؤكد أن الثقافة الإسلامية لم تكن سردًا للتاريخ، بل رؤية متكاملة للحياة والعقل والجمال.

——————–

(*) كاتب وباحث سوري.