عمران بلا أسوار خفية

ليست المدينة جدرانًا صامتة، ولا طرقات مرصوفة بالحجارة وحدها، بل إنها فضاء إنساني حي تُقاس قيمته بقدرته على احتضان أبنائه جميعًا بلا استثناء. فما جدوى برجٍ شامخ إن عجز مسنّ عن الوصول إلى مدخله؟ وما قيمة مدرسة حديثة إن حُرم طفل كفيف من الجلوس في فصلها؟

إن العمارة رسالة إنسانية قبل أن تكون معادلة هندسية، فإذا غفلت عن جزء من المجتمع فإنها تُقيم “أسوارًا خفية” قد لا نراها مباشرة، لكن يشعر بها من يُقصى عنها عند أول خطوة.

لقد بدأ الاهتمام عالميًّا بما يُسمّى “مباني لذوي الإعاقة أو ذوي الهمم”، حيث صُمّمت مدارس ومؤسسات لفئة محددة، لكن التجربة سرعان ما كشفت أن المشكلة ليست في الجسد، بل في التصميم. فالمنحدر الذي يُسهّل الدخولَ على شخص يستخدم الكرسي المتحرك، يساعد أيضًا أمًّا تدفع عربة طفلها، أو شخصًا أُصيب بكسر.

لقد شارك كاتب المقال مع بعض أساتذة الجامعات المصرية في صياغة أول “كود مصري لمباني ذوي الإعاقة”، ومع مرور الوقت أصبح واضحًا أن مفهوم “التصميم بلا عوائق” أوسع من التصميم لذوي الهمم فقط، ليشمل كبار السن، ومصابي الحوادث، وأي شخص يواجه صعوبة مؤقتة في الحركة، وحتى النساء في أشهر الحمل الأخيرة.

فهذه الفئات تمثّل نسبة كبيرة من المجتمع، مما يجعل من الضروري أن يصبح التصميم بلا عوائق قاعدةً عامة في المدن والمباني لا رفاهية اختيارية، بل حاجة إنسانية دائمة، لضمان بيئة معمارية صديقة للإنسان بصفة عامة.

هكذا تحوّل المفهوم من مبانٍ ذات طبيعة خاصة لفئة محدودة، إلى ثقافة مدينة شاملة للجميع. إنها نقلة نوعية من الهندسة الوظيفية إلى الهندسة الإنسانية.

الأرصفة: مسارات الحركة الأساسية

الأرصفة هي الأبجدية الأولى للحركة في المدينة، لكنها قد تتحوّل إلى حاجز مادي -مثل جدار- إذا ارتفعت أكثر مما ينبغي أو ازدحمت بالعوائق.

منحدر صغير عند الزاوية قد يفتح الطريق لطفل على كرسي متحرك، وأرضية خشنة مانعة للانزلاق قد تحمي مسنًّا من السقوط في يوم ممطر، وزرٌّ على عمود إشارة مرور يُنبّه السيارات ليعبر كفيفٌ بأمان.. إنها تفاصيل بسيطة، لكنها تعني لكثيرين، الفارق بين المشاركة والعزلة.

يُعتبر توفير أماكن لسيارات مستعملي الكراسي المتحركة في مواقف السيارات العامة أو الملحقة بالمباني العامة من أهم الوسائل التي تساعدهم على استخدام سياراتهم المجهزة -إن وُجدت- والتي يستعملونها في تنقلاتهم الخارجية للوصول إلى أماكن عملهم، أو لممارسة أنشطتهم الحياتية المختلفة بشكل طبيعي.

المباني العامة: احترام كرامة الإنسان

المبنى العام بيت مشترك، لا يجوز أن يُغلق أبوابه أمام أحد. المدخل بحاجة إلى منحدر مدروس، والمصعد داخل المبنى يجب أن يسع كرسيًّا متحركًا واحدًا على الأقل، وفي الداخل تفاصيل صغيرة تروي حكايات كبيرة: كونتر استقبال منخفض يتيح للجميع الحديث بكرامة، ولوحات إرشادية واضحة تضيء الطريق للمبصرين ولمن فقدوا حاسة السمع، ودورة مياه مجهزة ومتسعة لكرسي متحرك تضمن استقلالية من يستخدمها.. كل تفصيلة هي انعكاس لمدى احترام المجتمع لكرامة الإنسان. فلا بد من مراعاة تيسير الحركة الأفقية بممرات وطرقات المبنى، حيث يتم تصميمها بمقاسات مدروسة تساعد على ذلك، مع وضع درابزين جانبي على الحوائط، وفي حالة المباني الكبيرة ذات الطرقات الطويلة، يمكن توفير مشايات كهربائية متحركة تُستخدم للانتقال من منطقة إلى أخرى.

إن المدرسة -على سبيل المثال- ليست مكانًا للتعليم فقط، بل درسًا في المواطنة؛ أن يجد الطفل الكفيف مقعده المناسب، أو الطالب الذي يستعمل الكرسي المتحرك بابًا يسهل خروجه ودخوله، يعني أنه يشعر منذ الطفولة بأنه جزء من المجتمع.

أما المسجد فهو بيت الله الذي يُفترض أن يكون مفتوحًا للجميع، لا ينبغي أن يكون السُّلم عائقًا بين المصلّي وربه. إن وجود منحدر أو مصعد، ووجود مكان مخصص للوضوء، ومساحة مهيأة لصلاة مستعملي الكراسي المتحركة، كلها مظاهر رحمة معمارية تجسد قيم الدين في صورة ملموسة.

وما ينطبق على قاعات الصلاة، ينسحب أيضًا على قاعات المؤتمرات في المباني التعليمية أو الثقافية أو في الملاعب الرياضية، حيث إنه لا بد من توفير أماكن خاصة بمستعملي الكراسي المتحركة، حتى يتمكنوا من ارتياد هذه القاعات دون عناء أو تعب.

أماكن اللعب: الفرح حق مشترك

اللعب ليس ترفًا للأطفال، بل حاجة إنسانية عميقة، لكن كثيرًا من الملاعب صُمّمت وكأنها حكر على الأصحاء. كما أن مفهوم “اللعب بلا عوائق” يفتح الساحة للجميع: ألعاب أرضية يسهل الوصول إليها، نصف المعدات المرتفعة مزودة بطرق آمنة، وأرضيات ناعمة تقلل خطر السقوط.. حتى الترفيه والفرح يجب أن يكونا حقًّا مشاعًا.

إن متعة التنزه قد تصبح عائقًا إن لم تُصمَّم وتُدرس أدق تفاصيلها بوعي؛ ففي حديقة بلا تصميم ملائم لمستخدم الكرسي المتحرك، أو شاطئ بلا ممر خشبي يتيح للمسنين الاقتراب من البحر، يتحوّل الفرح إلى مشقة. كما يمكن استخدام النباتات بحيث تصبح دليلاً حسيًّا: عطر الياسمين يرشد المكفوف، وتباين الألوان يحدد حدود الممرات، أما الأحواض المرتفعة فتتيح لذوي الصعوبات الحركية الاعتناء بالنبات دون عناء الانحناء.

ومن أهم وسائل الترفيه والرياضة أيضًا بالنسبة لكثير من الناس ممارسةُ رياضة السباحة، وبخاصة في حمامات السباحة. ولكي تصبح أكثر أمانًا لكبار السن والأطفال أو ذوي الهمم، لا بد من مراعاة تطبيق بعض المعايير الإضافية الواجب توافرها في حمامات السباحة المخصصة لاستعمال تلك الفئات، حيث يكفي منحدر لطيف أو رافعة صغيرة، ليصبح استخدام حمام السباحة متاعًا للجميع.

حلم الوصول إلى سطح المبنى

في حوار قصير تم بين كاتب المقال وبين أحد مستخدمي الكراسي المتحركة، شاركنا حلمه البسيط والإنساني في الوقت نفسه. قال إنه يقيم في الدور الأرضي من المبنى الذي يسكن فيه، مثله مثل كثير من ذوي الهمم، ويواجه صعوبة في الوصول إلى الطوابق العليا، لذا فهو يحلم بوجود منحدر أو مصعد يمكِّنه من الوصول إلى سطح المبنى، لمشاهدة المحيط والاستمتاع برؤية بانورامية للحي والحدائق المحيطة بالمكان.

هذا المثال البسيط يعكس حقيقة جوهرية، هي أن التصميم بلا عوائق، لا يقتصر على تيسير الحركة داخل المبنى أو تسهيل الوصول إلى الخدمات الأساسية، بل يمتد ليمنح المستخدم شعورًا بالحرية والمشاركة الكاملة في فضاء المكان. تصميم كهذا يجعل المبنى بيئة شاملة، لا يهم فيها ما إذا كان الشخص موظفًا أو زائرًا، شابًّا أو مسنًّا، معوقًا أو حاملاً مؤقتًا لإعاقة، أو حتى امرأة في أشهر الحمل الأخيرة.

تصميم المباني بهذه الطريقة يشمل كل التفاصيل؛ من السلالم والمصاعد والمنحدرات، إلى دورات المياه والمطابخ، وصولاً إلى الملاعب والمتنزهات والمواقف المجهزة للمعوقين، كما يتيح للأشخاص القدرة على التمتع بالمساحات الخارجية والداخلية على حد سواء، مما يحوّل المبنى من مجرد مكان للإقامة أو العمل إلى بيئة حيّة وشاملة.

تجربة هذا المستخدم تذكّرنا بأن أي تصميم معماري يجب أن يدمج “البعد الإنساني”، ويستشرف الاحتياجات اليومية والمتنوعة لجميع فئات المجتمع، بما يجعل مفهوم “التصميم بلا عوائق” قاعدةً لا غنى عنها في كل مدينة وكل مبنى، ليس كخيار للرفاهية، بل كحقّ أساسي لكل إنسان.

نحو مدينة بلا أسوار خفية

المدينة التي تفكّر في الكفيف، في الأم الحامل، في العجوز المتكئ على عصاه، ليست مدينة مثالية متخيَّلة، بل مدينة عادلة وواقعية. “التصميم بلا عوائق” ليس رفاهية معمارية ولا بنودًا جامدة في كودٍ هندسي، بل إعلانًا حضاريًّا يقول: “الإنسان أولاً”. حين نضع المنحدر في مدخل بناية، نحن لا نلبي شرطًا هندسيًّا، بل نفتح باب حياة. وحين نصمم رصيفًا آمنًا، نحن لا نرصّف الحجارة فقط، بل نمهد طريق الكرامة. لذا، لا بد من توافر ما يلي:

أ- مرونة الحركة: توفير ممرات ومنحدرات آمنة للجميع.

بـ- سهولة الوصول: إتاحة المرافق العامة والخاصة دون تمييز.

جـ- وضوح التوجيه: مسارات وعلامات بصرية وسمعية واضحة.

د- الأمان: تقليل فرص الحوادث وحماية ضعاف البصر والمسنين.

هـ- إمكانية الاستعمال: تصميم مداخل، ومصاعد، ودورات مياه تناسب مختلف الفئات.

و- شمولية الحياة اليومية: مدارس، ومساجد، وملاعب، وشواطئ، وحدائق تُرحِّب بالجميع.

قد لا نستطيع أن نغيّر مدننا كلها دفعة واحدة، لكن كل خطوة صغيرة تصنع فرقًا كبيرًا. كل منحدر جديد، وكل مصعد مهيأ، وكل دورة مياه مجهزة، وكل مقعد صديق للجميع، ليس مجرد تحسين تقني، بل هو رسالة إنسانية تقول: “أنت مرحَّب بك هنا، وهذا المكان لك كما هو للجميع”.

التصميم بلا عوائق ليس رفاهية، بل ضرورة تضمن كرامة الإنسان في الحركة، والاستمتاع بالمكان والمشاركة الكاملة في الحياة اليومية. هو جسر يربط بين الجسد والمكان، بين الحاجة والفرصة، بين الفرد والمجتمع. إنه يمنح كبار السن حرية التجول، ويتيح لمصابي الحوادث استعادة استقلاليتهم، ويسمح للنساء في أشهر الحمل الأخيرة بأن يتحركن بأمان وراحة، ويمنح المعوقين فرصة لرؤية العالم بعيون بانورامية، كما حلم أحدهم باعتلاء سطح المبنى.

فلنجعل مدننا كما قلوبنا؛ مفتوحة، رحبة، بلا حواجز أو أسوار خفية، حيث تتحول المباني والشوارع إلى فضاءات حيّة تدعم الحياة الكريمة لكل إنسان بلا استثناء. فكل خطوة نخطوها اليوم هي لبنة في صرح مجتمع أكثر عدلاً وشمولية، مجتمع يذوب فيه الحاجز بين القدرة البدنية والفرصة، مجتمعٍ ترى فيه الإنسانية نفسها في كل زاوية، وكل شارع، وكل مبنى.

وفي النهاية، التصميم بلا عوائق هو دعوة للتفكير وللتغيير وللحركة نحو عالم أفضل، عالمٍ تصنعه أيدينا اليوم حتى يتمتع به كل فرد غدًا، حيث تصبح الحياة رحلة حقيقية كريمة، ومتاحة لكل إنسان كما يجب أن تكون.

(*) أستاذ ورئيس قسم العمارة بمعهد الطيران / مصر.