هناك بيتٌ من بين مئات الأبيات في الشعر العربي لم تقدر الأيام أن تمحوه من ذاكرتي، ألا وهو قول الشاعر:
لا تحقرنّ صغيرًا في مخاصمةٍ
إنّ البعوضة تُدمي مقلة الأسد.
وبيتٌ آخر لا يقل روعة، وهو:
إذا كنتَ في حاجةٍ مُرسِلاً
فأرسلْ حكيمًا ولا توصِهِ!
أي: إذا أركبتَ العاقل فلا تقل له: تماسك! كما يقول المثل عندنا. والمعنى من هذا الوجه صحيح، لا غبار عليه.
نعم، هذا هو الشعر: خيالٌ يعضده المعنى، ورصانةٌ في التعبير. ونكاد نتفق على أهمية حرية الأديب في تلوين إنتاجه الأدبي بما يتفق مع الذوق الرفيع، والمزاج الخاص، والمذاق الطيب. لذلك، كان ينبغي تقبّل الخروج عن المألوف أحيانًا، وولوج عوالم لا عهد للبشرية بها، ولن يتسنى ذلك لأحد بالتقليد أو بالتمسك بحبل المألوف من الأخيلة والمعاني.
أنا ضدّ التجنّي، ولا أميل إلى تبنّي نظريات شاذة قد تزجّ بصاحبها في قفص الاتهام. كلا! الإنسان حكم نفسه؛ له أن يرتقي بإنتاجه كما يريد، والمهم أن يلامس حدود المعقول علوًّا وسموقًا. فالإنسان فنان بطبعه، وهو الوحيد من بين كل المخلوقات الذي يمتلك إرادة حرة قد يُحاسَب عليها إن فرّط أو أفرط.
والأديب الحق لا ينتظر مكافأة على عمله، ولا يبالي بقول فلان أو علّان إن استقام في أمره. أنتَ هو ذاك الذي قد تراه منهمكًا في عمله، هائمًا في عوالمه الخاصة، مستمتعًا بالجو وصفاء الكون، غير هيّاب، ولا مقصّر في بلوغ غايته، مبتعدًا عن كل ما يثير الغبار في طريقه. يسافر مع الضوء، ويسهر مع القمر، ويتخذ من الليل رواءً، ويستشرف صباح الغد بأمل وهمّة عالية.
أتراك أنتَ ذلك البطل؟! تدخل في معترك الحياة إذا شئت، وبإمكانك أن تعتزل الفتن متى شئت. تنفرد بحسّ لا يشبع من الطبيعة، وتسوق ما تريد من الحيوانات بعصاك الغليظة، وتقتطع شيئًا من وقتك للتأمل والتدبر في قدرة خالق الأرض والسماء. فمع ضآلة جسمك، لست أقل شأنًا من العمالقة؛ فإن فاتك امتلاك العضلات، فما فاتتك الحيلة وقوة التفكير.
يحملك الشوق على بذل المعروف، ونشر الفضيلة، وتحقيق المصلحة العامة. أنت نسيج وحدك؛ فافتح إذن وصحصح! الخطأ عندك وارد، فلا تكن كمن يفتح عينًا ويغمض أخرى. تشبّه بالعمالقة! كونك شاعرًا يؤهلك للخوض في بحر لا ماء فيه، يشبه السراب، ومن ورائه تستطيع استخراج اللآلئ.
ألستَ تمتلك مئات، بل آلاف البيوت، ومع ذلك تسكن بيتًا بالإيجار؟! استعضتَ منها ببيتٍ من قصب، أو كوخٍ صغير، حبًّا في الحرية. يجب أن يكون الكاتب في قمة سامقة لا تصل إليها يدُ طالبٍ أو طمعٍ ثقيل. لك عزّة قعساء.
وأخيرًا، نحن فرعٌ من شجرة متجذّرة في أعماق التاريخ، لا تزيدنا الأيام إلا رسوخًا. نمضي مع الدهر في ركب الحياة، وموكب الوجود، المتعبّد لربه إلى غاية مرسومة. نعم، نمضي بعزم وثبات وقوة وإيمان، حتى إذا كان وعد الآخرة وحان حينه: جاء الله بكم لفيفًا.


