مجانين ولكن!

“حتمًا سيهلك نفسه!! كيف ستؤثر في كل هذا العالم؟ لماذا تشغل نفسك بكل هؤلاء؟”

هكذا يقال لهؤلاء المجانين الذين هم في سعي دائم، يحمل الواحد منهم داخل صدره شعلة متقدة، توفر الدفء والأمان لمن يدنو منها، وتشع بابتكار احتضان الوجود بسواعد الرحمة والشفقة.

أمانة الإصلاح وبناء الإنسان

لقد حمل هؤلاء على عاتقهم أمانة من نبيهم ﷺ حين قال: “بلغوا عني ولو آية”. فقد انقادوا لدعوى الإصلاح وبناء الإنسان، الذي تتمثل فيه روح الإخاء والعطاء دون مقابل. وهذه الحركية والفاعلية نابعة من تأصيل نبوي وقرآني؛ فقد قال ﷺ: “لأن أمشي في قضاء حاجة أخي خير لي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرًا”. كما استلهموا طريقهم من قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.

صفات “المجانين” وغربتهم

يتميز هؤلاء الناس بـ:

– نكران الذات والبعد عن الأنانية أو الكبر.

إرجاع الفضل كله لله، مؤمنين بمبدأ “ذلك الفضل من الله”.

تجسيد الأخلاق واقعًا حيًّا يمشي على الأرض.

الغربة فكرًا وقلبًا وروحًا، كما وصفهم الدكتور فريد الأنصاري بأنهم رجال أتوا بروحهم لجيلنا وإشكالاته.

الاعتناء بمهمة الإحياء والإرشاد، لتصبح أنفاس قلوبهم إشراقات للأمل في دياجي الحزن.

الثراء في الاختلاف والتواضع في العمل

يرى هؤلاء أن اختلاف مساراتهم في خدمة الدين وإصلاح المجتمعات هو “ثراء” وليس تفريقًا؛ فكل منهم يحمل جزءًا من هذا الكنز السامي. وهم يوقنون بأن أعمالهم ما هي إلا اصطفاء من الله.

وإذا ما حدثتهم أنفسهم بالغرور، كبحوا جماحها بموعظة النبي ﷺ: “إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر”، معتبرين أنفسهم “لا شيء في لا شيء”، وأن خدمات الآخرين قد تكون أفضل وأينع بسر الإخلاص والتشاركية.

الخاتمة

يعيش هؤلاء المجانين في الدنيا بظلال الآية المباركة: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.

سائلين الله أن يجعلهم من عباده المخلصين، وأن يحيوا بالقرآن ويحيا القرآن بهم حالاً ومنهجًا وسلوكًا.