أنفاس القلوب الحية

أحيانًا نتأمل في حالنا نحن البشر، فنرى أن حياتنا لا تقاس بعدد السنين التي نعيشها، ولا بما نملكه من مال أو جاه؛ بل تُقاس بقدر ما نُحيي من قلوب، وما نزرع من أمل، وما نترك من أثر باقٍ في نفوس الناس.

إن الإنسان الحقيقي هو الذي يُحيي من حوله؛ فيحيي بالعلم قلبًا تائهًا في ظلام الجهل، ويحيي بالحب روحًا أرهقها اليأس، ويحيي بالفعل مجتمعًا كاد أن يستسلم للموت البطيء. إن الإحياء ليس مجرد كلمة، بل هو مشروع عمر، ورسالة حياة.

كيف نحيي القلوب؟

القلوب التي امتلأت بالشفقة لا تعرف الكراهية، لأنها خلقت لتحمل الحب وتوزعه بلا مقابل

نحيي القلوب بالشفقة، تلك الرحمة العميقة التي تجعلنا نشعر بآلام الآخرين كأنها آلامنا. الشفقة ليست ضعفًا، بل هي قوة القلب حين يتسع للناس جميعًا؛ هي اليد التي تمسح بها دمعة يتيم، والابتسامة التي تعيد الأمل لعابر مثقل بالهموم. وقد قال الأستاذ فتح الله كولن: “القلوب التي امتلأت بالشفقة لا تعرف الكراهية، لأنها خلقت لتحمل الحب وتوزعه بلا مقابل”.

روح الإخلاص

الإخلاص روح الخدمة، ومن فقد الإخلاص فقد كل شيء

الشفقة وحدها لا تكفي إن لم تتغذى بروح الإخلاص؛ فالإخلاص هو الروح التي تعطي للعمل قيمته، وهو أن تعمل لا ليمدحك الناس ولا لتذكر بأفعالك، بل لأنك ترى الله في كل ما تفعل.

أن تخدم الآخرين ثم تنسى ما فعلت، كالمطر ينزل فيسقي الأرض ولا يسأل من شرب ومن ارتوى. وكما قال الأستاذ كولن: “الإخلاص روح الخدمة، ومن فقد الإخلاص فقد كل شيء”.

حلقات متصلة

إن الإحياء والشفقة والإخلاص ليست كلمات متفرقة، بل هي حلقات متصلة يُكمل بعضها بعضًا:

الإحياء هو الغاية: أن نعيد للإنسان والمجتمع روحًا جديدة.

الشفقة هي الوسيلة: أن نُحب ونرحم ونعطي بلا حدود.

الإخلاص هو الضمان والدافع: أن يبقى كل هذا العمل نقيًّا، لا يفسده رياء ولا يضيعه غرور، ولا يوقفه شيء من وساوس شياطين الإنس ولا الجن.

الخلاصة

إذا أردنا أن نحيا حياة حقيقية، فلنجعل هذه الثلاثة رفيقة دربنا: إحياء النفوس، وشفقة على الناس، وإخلاص لله وحده. عندها فقط نكون قد ذقنا طعم العيش، وكتبنا أسماءنا لا في أوراق الدنيا، بل في سجل الخلود عند الله عز وجل.