تُعرَّف الرحلة البرية بأنها رحلة بعيدة المدى على الطرق، وغالبًا ما تكون لمسافات طويلة، وتُقطع بواسطة المركبات أو الدراجات، وأحيانًا تكون سيرًا على الأقدام. ويكون الهدف الرئيسي منها الترفيه عن النفس بعد الجدّ والعمل الشاق والبذل والعطاء، حتى لا تسقط النفس في غياهب الملل فتترك العمل. لذلك أباحت الشريعة الإسلامية للناس الترويح عن أنفسهم بما هو مباح، لتعود النفس نشطة في أداء المهام والقيام بالطاعات.
وقد خلق الله تعالى الإنسان محبًّا للحركة والتنقّل، وأمدّه بالعقل الذي يدعوه إلى ذلك، وزوّده بالجسم الرشيق ليُعينه على الانتقال من موضع إلى آخر. لذلك عُدَّت الحركة عامة، والرحلة خاصة، سِمةً أساسية في التركيب الجسدي والنفسي للإنسان؛ إذ هيّأه الله لها، وجعلها ضرورة لحياته ومعاشه، تتسق مع الهدف من إيجاده، والغاية التي خُلق لأجلها.
التنزّه بالثوابت الشرعية
والمعلوم أن النفس البشرية تركن دومًا إلى الملل، فإذا انتعشت ودخل السرور عليها، ازداد نشاطها وإقبالها على العمل. وقد رُوي عن الإمام أحمد رحمه الله، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ قال لبني أرفدة: «خذوا يا بني أرفدة، حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة» (أخرجه النسائي).
والحديث يبيّن أن الإسلام دين يُسر، رفع الله به الحرج والضيق عن الناس، ووسّع عليهم دون تجاوز. وفيه بيان رفق النبي ﷺ بأصحابه الكرام، ودلالة على أن في الإسلام فسحةً مشروعة للتنزّه واللعب والترويح في أوقات معلومة، بما لا يُخلّ بالثوابت الشرعية.
وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا، أن النبي ﷺ كان يَبدو إلى السِّلاع. والسِّلاع هي مجاري الماء من أعلى الوادي إلى أسفله، فإذا كان مجرى الماء مرتفعًا ينساب إلى الأسفل، فإن هذا الرأس يُسمّى سلعة، وكذلك ما انحدر من الأرض وما أشرف منها، أي ما علا وأطلّ على غيره من الأراضي، يُسمّى سلعة، وجمعها سِلاع. وفي شرح مراد الحديث: أنه ﷺ كان يخرج إلى البادية من أجلها، فقد كان للرسول ﷺ بعض الأوقات يخرج فيها ليستجمّ ويُروّح عن نفسه، وكان ذلك النوع من الخروج إلى البادية محبوبًا إلى النفس، وفيه ترويح كبير.
وعن سلمة بن الأكوع أن أباه حدّثه أن سلمة قدم المدينة فلقيه بريدة بن الحصيب، فقال: ارتددت عن هجرتك يا سلمة؟ فقال: معاذ الله، إني في إذن من رسول الله ﷺ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ابدوا يا أسلم، فتنسموا الرياح، واسكنوا الشعاب».
فقالوا: إنا نخاف يا رسول الله أن يضرّنا ذلك في هجرتنا. قال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم» (أخرجه أحمد).
ويُروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد: «مُروا الناس أن يخرجوا إلى الصحاري أيام الربيع، فينظروا إلى آثار رحمة الله، كيف يُحيي الأرض بعد موتها».
اتفاق وتعاون وإجراء مسابقات
يلزم في بداية الرحلة حسن التنظيم والترتيب، وإذا كانت المسافة مسافةَ سفر، يجب أن يؤمّروا عليهم أحدهم، لقوله ﷺ: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم» (رواه أبو داود).
أي ليجعلوا أحدهم أميرًا عليهم، يتخذ القرارات بعد المشورة، كاختيار وقت الذهاب والبيات ونحوها من شؤون السفر. وفي الحديث الحثّ على نبذ الخلاف وتوحيد الكلمة ما أمكن، شريطة أن يكون هذا الأمير من أهل الخبرة في تسيير الأمور وتنظيمها، وعلى إخوانه معاونته والالتزام بما تم الاتفاق عليه مما يتعلق بأمر الرحلة.
ويمكن استغلال الرحلة في مدارسة بعض مسائل العلم مع الإخوة، على ألا تطغى هذه المدارسة على الهدف الحقيقي من الرحلة. كما يمكن لمسؤول الرحلة أو المشرف عليها تنظيم مسابقات دينية أو ثقافية لتحصيل المعرفة والتعلّم، بما يحقق ترفيه النفس واستجمامها.
وخير مثال على أن الرحلات البرية كانت سبيلاً لطلب المعرفة، أن العلماء والمتصوفة جمعوا بين رحلاتهم البرية ودراستهم الدينية، وكانوا يعدّون الرحلات وسيلة من وسائل أداء الفرائض، كالحج، واكتساب المعارف، والتأمل في خلق الله، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾(آل عمران: 191)،
وقوله تعالى: ﴿وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ﴾(الذاريات: 20).
كما تتضمن الرحلات إعدادًا روحيًا، والتزامًا بالتعاليم الإسلامية في المسلك والملبس. وقد ذُكر في ترجمة ابن مجاهد شيخ قرّاء بغداد أنه خرج ذات مرة في رحلة برية، فأتى بستانًا مع نفر من علماء بغداد، وصاروا يلعبون بإداوة ودولاب، فقال لهم ابن مجاهد: «التعاقل في البستان كاللعب في المسجد». وفي هذه العبارة دلالة واضحة على أن وجود جو من المرح واللعب في البستان أمر طبيعي، كما أن اللعب في المسجد غير مناسب؛ فلكل مقام مقال، ويلزم أن يتناسب السلوك مع المكان.
أداء الصلاة في وقتها
ومن المستحب في الرحلات البرية تخصيص مكان للصلاة، يُصلَّى فيه، ويُرفع الأذان لكل صلاة في وقتها. وقد روى البخاري أن النبي ﷺ قال لأبي صعصعة المازني: «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا حجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة».
وعند سماع الأذان يصطفّ المتنزهون كالبنيان المرصوص لأداء فريضة الصلاة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾(النساء: 103). أي فُرضت في أوقات محددة لا يجوز تقديمها قبل وقتها ولا تأخيرها عنه.
ويستدل أهل العلم بقوله ﷺ: «الصلاة في جماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة» (أخرجه أبو داود).
ومن السنة أن يصلي المسلم على الأرض مباشرة دون بساط إن أمكنه ذلك، لقوله ﷺ: «جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (أخرجه أحمد).
ومن السنن كذلك إذا نزل المطر أن يكشف المرء ذراعيه أو بعض جسده ليصيبه المطر، فقد كان النبي ﷺ يفعل ذلك ويقول: «إنه حديث عهد بربه» (أخرجه مسلم).
يُكره الإهمال وترك النسوة
من المكروه في الرحلات البرية اختيار الطرق الوعرة أو المجازفة بالأسرة في مسالك خطرة قد تُعرّضهم للأذى، وكذلك الإهمال في رعاية الأطفال وعدم مراقبتهم، فقد يؤدي ذلك إلى ضياعهم أو إصابتهم. وقد قال أنس رضي الله عنه: «والله ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ» (رواه مسلم).
ومن مساوئ الرحلات ترك النساء وحدهن في البراري بحجة ذهاب رب الأسرة لقضاء غرض، لما في ذلك من تعريضهن للأذى أو الإساءة، وهو ما يخالف تعاليم الإسلام التي قامت على الرفق بالمرأة وحفظها وصيانتها.
كما يُكره رفع الصوت بالأغاني أو الضحك في البراري دون مراعاة مشاعر الآخرين، قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾(لقمان: 19).
قطع الأشجار وإلقاء المخلفات
يُعد الاعتداء على الأشجار، وقطع السدر بلا حاجة، من السلبيات الشائعة، وقد نهى الإسلام عن ذلك. قال النبي ﷺ: «من قطع سدرة صوّب الله رأسه في النار» (أخرجه النسائي).
ومن الآثام كذلك رمي القمامة ومخلّفات الرحلات في البراري، لما فيه من إفساد للبيئة وتشويه للمكان، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ﴾(الروم: 41).
لذا فإن تنظيف المكان قبل مغادرته من مكارم الأخلاق، قال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (أخرجه النسائي).
المصادر
(1) الاسترواح بالنزهة/ نايف بن احمد، مجلة البيان (الكويت)، عدد (380) ديسمبر/ يناير 2018م.
(2) شعاع من المحراب (جـ 12)، سليمان بن حمد العودة، دار المغني للنشر والتوزيع (الرياض) 2018م.
(3) كتاب أدب الرحلة في التراث العربي (طـ 2)، فؤاد قنديل، مكتبة الدار العربية للكتاب، (القاهرة) 2002م.
(4) المسائل الفقهية لأصحاب الرحلات البرية (طـ 1)، أ – د، عبد الله بن محمد بن أحمد، مدار الوطن للنشر (الرياض) 2011م.


