قراءة في فكر فتح الله كولن
“نحن حصادُ زرعِ السنين، وستصبح الأجيال اللاحقة حصادَ زرعِنا وثمرةَ جهدِنا وسعينا”. كلمةٌ للمفكر المربي الراحل فتح الله كولن صاحبِ المكانة المتميزة في الحياة الفكرية والعلمية، وصاحبِ المؤلفات التي أثّرت في المشاعر وتفاعلت معها العقول. لقد وضع لنا دستورًا وخارطة طريق لتربية الأبناء وبناء الشخصية المتكاملة، من البذرة إلى الثمرة.
ينطلق هذا الدستور من تأسيس الأسرة القائم على حُسن اختيار رفيقة الحياة من المسلمات المؤمنات القانتات، وإنجاب الأطفال بقدرٍ يسمح بتربيتهم تربيةً مثالية. وهذا يقتضي توفير التربية الدينية للطفل، إلى جانب الاستفادة من العلوم الطبيعية.
لا شكّ أن للمفهوم الأخلاقي في التربية أثرًا كبيرًا في بناء الأمم؛ فغياب هذا المفهوم يؤدي إلى الانهيار بسبب الانغماس في المادة وإهمال المعنى، وتقليد الأمم الأخرى، وعدم تحقيق التوازن بين الروح والجسد، والعجز عن كبح جماح النفس. وليس هناك أدنى شك في أن التخطيط المنضبط وفق منهج الشريعة الإسلامية له أهميته في إشاعة الرحمة بين الناس.
وفي حديثه عن الزواج يشير المفكر إلى ست نقاط تتمثل في: تربية الأسرة، أهمية المنزل، الغاية من الزواج، شروط الزواج، مبادئ الفطرة في الزواج، والفضيلة العليا وهي الأم.
فيما يتعلق بالأسرة، من الضروري إلقاء البذرة في تربة صالحة؛ مصداقًا لقول رسولنا الكريم ﷺ: «الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سُعد في بطن أمه» (سنن ابن ماجه). كما يؤكد على بيان الوظائف الأولية للأبوين: التربية والتعليم، وأن يكونا قدوة حسنة، تأسيسًا على الحديث النبوي الشريف: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (صحيح البخاري). ومن أهم مسؤوليات الأبوين: العدل بين الأبناء منعًا لحدوث الغيرة والحقد والكراهية.
التربية الحقة تتحقق عبر التدرّج في تعريف الطفل بما يجب معرفته، وتقوية روح المقاومة الداخلية لديه لتمكينه من مواجهة السلبيات، وتعويده على ارتياد المساجد منذ صغره كي يرتبط بالحياة الدينية. ولا مانع من تقديم الهدايا أو الحلوى، ومن المستحسن تخصيص مكان مصلى للأطفال.
ومن الأهمية كذلك التدرج في الردّ على الأسئلة والشبهات المتعلقة بالقضايا الدينية، مع التنبيه إلى الابتعاد عن المربيات الأجنبيات إذا لم تفِ الأم بمهام التربية لظروف اقتصادية.
وبطبيعة الحال قد لا تتوفر لدى الآباء المعلومات الكافية عن التربية والتعليم؛ لذا لا مفرّ من اللجوء إلى المتخصصين، مع الاهتمام بمرحلة المراهقة، والحذر من تلقين الطفل العلوم الفلسفية في المراحل الأولى من التعليم حتى لا تتشوه أفكاره.
الدقة في التربية
تتطلب الحياة السعيدة للأطفال الدقة في تهيئة المناخ التربوي. إن تنظيم محيط الأسرة أمرٌ مهم؛ فمن الطبيعي أن تكون أول كلمة ينطق بها الطفل لفظ «أب» و«أم»، غير أنه من الضروري أن تكون أول كلمة ينطقها بإرادة منه هي لفظ الجلالة. كما يجب تقديم القدوة الحسنة دائمًا، والابتعاد عن الكلمات النابية، وإكساب الأطفال حب الله والعرفان بالجميل عبر الحديث عن رأفة الله بعباده، وأن نقول لهم: إنه الرؤوف الرحيم الذي يحمينا ويحفظنا.
ومن جانب آخر ينبغي ألا تتناقض التصرفات مع الأقوال. ومن مهام الأبوين أيضًا تقديم المكافآت على قدر نجاح الطفل؛ لأن من متطلبات الأخلاق الإلهية المكافأة على النجاح، سواء في الأمور الدينية أو الدنيوية. كما يجب إعداد الأطفال للمستقبل، فهم يحتاجون إلى معلومات تُقدَّم لهم وفق أعمارهم. وفي هذا السياق يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إنهم مخلوقون لزمن غير زمانكم».
التربية الدينية للطفل
علينا أن نعود أطفالنا على قراءة القرآن من باب أن ما يتلى هو كلام الله تعالى، وأن نعينهم على فهم معانيه؛ فهذا يُحبِّب إليهم الدين ويجعلهم يقبلون عليه بقلوبهم. وبدلاً من أن تشغل الألعاب الإلكترونية عقولهم، يجب أن نقوّي لديهم تعظيم شعائر الله. ومن أمثلة ذلك: النظر إلى الكعبة على أنها مكان مقدس، مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾(الحج: 32).
وكذلك النظر إلى المسجد بنظرة تعظيم. ومن الجدير بالذكر أن تحبيب الطفل في الله لا يواجه صعوبة كبيرة؛ فكتب السيرة والصحابة والمغازي تساعد على ذلك.
أبعاد التربية
للتربية أبعادٌ عديدة تتمثل في العمل الصالح من خلال ذكر أعمال الصالحين، والاستفادة من العلوم التجريبية في التربية الدينية بالتوازي مع ثقافات الأطفال. فكل شيء بحسب ماهيته يرتبط بالعلم، والجهل هو ألدّ أعداء الدين والتدين. لذا يجب تنشئة جيل منفتح على الدين والعلوم والفنون، مع تعزيز الانتماء للوطن والتاريخ.
كما يجب إعداد بيئة صالحة للأطفال عبر مساعدتهم على اختيار الأصدقاء؛ تصديقًا لقول النبي ﷺ: «المرء مع من أحب» (صحيح البخاري ومسلم). وكذلك توجيههم لاختيار الأماكن النافعة لهم.
التربية القرآنية
يعقد المفكر مقارنة موضوعية بين التربية القرآنية والتربية غير القرآنية؛ فالتربية القرآنية ترتكز على أن العبودية لله هي الفضيلة المثلى، وأن التعاون والتضامن دستور حياة؛ فالحياة ليست جدالاً أو صراعًا. ومن ثمّ يؤمن الطفل بأهمية التواؤم مع النظام الكوني، إلى جانب رباط الأخوة، وأن نقطة الارتكاز في الحياة هي الحق لا القوة.
ويحذر المفكر من التربية غير القرآنية، فالعقل الذي ينشأ في ظل الفلسفة الدنيوية يكون ذليلاً؛ إذ يعبد أخس الأشياء لأجل منفعة دنيوية.
الوصول إلى القدوة المرجوة
للوصول إلى الثمرة المرجوة لا بد من مراعاة الدقة والحساسية في التصرفات والأفعال. وعلى الإنسان أن يقرأ ويكتب؛ يقرأ ما يعينه على إدراك الآيات الكونية، وفهم عالمه الداخلي، وتدبر لبّ الألفاظ القرآنية. وليس أدلّ على ذلك من قوله سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾(العلق:1). كما تناول القرآن موضوع الكتابة في قوله تعالى: ﴿نۤ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾(القلم:1).


