جمالية المثل في آيات الإنفاق بسورة البقرة

شكل المثل في الخطاب القرآني جزءًا مهمًّا من بنيته الداخلية والجمالية، إذ يؤدي وظائف إبلاغية وبيانية وتأثيرية واضحة على المتلقي، فيخاطب فطرته الميالة إلى تقريب الصور عبر التمثيلات القابلة للتجسد، ليصبح ذلك طريقًا للاستجابة والإدراك لمقصد الله تعالى من القضية القرآنية. وكان المثل من أنسب الطرق الأسلوبية التي حفل بها النص القرآني في مواضع كثيرة، لما له من قدرة على جذب اهتمام المتلقي وتقريب صورة القضية.

في سورة البقرة، ضرب الله أمثلة عدة، منها: مثل الذين ذهب الله بنورهم لما استوقدوا نارًا، ومثل البعوضة وما فوقها. وجاءت آيات الإنفاق لتشرح هذا المبدأ الاجتماعي والأخلاقي الرائع في الإسلام، وتبين كيفية تحققه على أرض الواقع، حصولاً لفائدته في الدنيا وفائدته في الآخرة، ثوابًا مضاعفًا لمن أخلص نيته لله تعالى. وكان التحذير القرآني شديد اللهجة للمؤمنين، خوفًا عليهم من أن يشوب إنفاقهم شيء من رياء يذهب بحسناتهم.

فكان المثل مسلكًا بديع الصنعة، حلو المأخذ، مستساغًا في القلب والعقل، يقدم صورة الإنفاق كسلوك عملي، لم يكن ليُشرح بمثله بطريقة أخرى لما سيمنحه هذا الشرح من تماثل واجترار، لا تكون له الفائدة مثلما يحدث عبر المثل، الذي يصور الفكرة بيانيًّا بشكل مباشر.

المثل الأول: مضاعفة الجزاء للمنفقين بإخلاص

في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(البقرة: 261)، يبين الله تعالى الجزاء المضاعف لأهل الإنفاق بإخلاص. ولإيضاح صورة المضاعفة، جاء المثل مستوحى من عالم الطبيعة المحسوسة، المشاهدة، والمدركة بالعقل، من فعل الحبة التي تزرع في الأرض فتثمر سنابل مليئة بحبات القمح، تمكن الفلاح من حصد الغلال المضاعفة، وهو أمر معروف منذ تاريخ الزراعة لا ينكره العقل. فكانت الصورة واضحة الجوانب، قادرة على تحقيق الإبلاغ وبيان مقصد الكلام الإلهي من المضاعفة، التي لا يراها الإنسان في سجل أو كتاب، وإنما تُدرك من خلال المثل المضروب في تضاعف حبة القمح إلى مئات وآلاف الحبات، فيدرك العقل أن الله تعالى أراد بذلك مضاعفة الحسنات إلى أعداد لا متناهية بحسب درجات الإخلاص.

المثل الثاني: التحذير من الرياء في الإنفاق

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَبَلٌّ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(البقرة: 263). إنه تحذير إلهي صريح عبر النهي للمؤمنين، خشية ترك مدخل للشيطان ينفذ من خلاله، فيساور النفس شيء من العجب والكبر والرياء، فيذهب بالأجر والثواب. وقد يحدث أن يمن الإنسان، ولو بعد زمن، سهوًا أو غفلة أو اغترارًا، فتتفتح في نفسه لملمات العجب، فتفصح للغير عن صنيع قديم.

ولما أراد الله تعالى بيان خطورة الرياء وكيفية ذهاب الحسنات بسبب هذا المنكر، مثل له تمثيلاً بديعًا، مستوحى من عالم الطبيعة، يحمل الذهن على تخيل مشهد صخرة غشاها التراب، كُني به الحق تعالى عن كثرة عدد الحسنات التي حصل عليها المنفق، لكن رياءه سيذهب بها كما يذهب المطر الغزير بالتراب، فيترك الصخر عاريًا بعدما غسله الماء ولم يترك عليه حبة واحدة. يالها من صورة غاية في البديعة والتمثيل! يقف الذهن أمامها في مشهد طبيعي مذهل، وترتعش النفس لجلال الصورة وهي ترى حبات التراب التي كانت بأعداد لا تحصى تختفي كلها من الصخرة الصماء.

المثل الثالث: الجزاء العظيم للمنفقين المخلصين

قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرُبْوَةٍ أَصَابَهَا وَبَلٌّ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَبَلٌّ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(البقرة: 265). إنها صورة مقابلة لأولئك الذين ينفقون رياء، توضح الوضع الذي يريده الله تعالى لعباده المؤمنين، فتُظهر أثر الإنفاق بإخلاص وما يحصله المنفق من جزاء كبير، كحال بستان مزدان في مرتفع من الأرض، وهو الأنسب لإنتاج الغلات وأزكى ثمرة، تؤتي نتاجها خيرات مضاعفة، سواء كان إنفاقه كثيرًا أو قليلاً، لأن العبرة في الإسلام ليست بالعدد، بقدر ما تكون بالإخلاص وصفاء النيات ونقاء السرائر. وكحال البستان، يؤتي أكله مضاعفًا سواء أصابه مطر غزير أو خفيف.

إنه تمثيل آخر لا يقل جمالاً عن سابقيه، مستوحى من الطبيعة التي تطمئن النفس، ويستريح القلب في هدوئها، فيطلق الفكر عنانه للتأمل، فيستحضر عظمة الخالق وبديع صنعته، ليحمل العقل على تدبر معنى الآيات ويفقه المراد الإلهي من الإنفاق في الإسلام، فيتجنب كل مدخل ولو صغير من مداخل الرياء، الذي يشبه دبيب النمل على الصخرة الصماء، ويستحضر القلب جلال الله، وينظر في إنفاقه إلى الأجر والثواب الذي لا يعلم الإنسان موقعه، فلا يلتفت بعينيه إلى نظرات الناظرين، حتى لا يقع في قلبه شيء مما قد يذهب بأجره.

المثل الرابع: التحذير من الكبرياء والضياع

في قوله تعالى: {أَيُودُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبْرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَت}(البقرة: 266). وهو مثل فيه من سحر البلاغة ما يفتن اللب ويشد العقل. فالتشبيه هنا استعارة تمثيلية بديعة ماتعة، تصور لنا مشهدًا جميلاً: جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار، لكنها سرعان ما تحولت إلى أكوام من رماد تذروها الرياح. صاحبها رجل بلغ من الكبر عتيًّا وله أطفال سيحتاجون إلى غلال هذه الجنة، لكن الإعصار المشتعل أحرقها، فضاع كل البهاء والجمال الذي كان فيها. يبدأ المثل باستفهام يحمل معنى التمني (أيود أحدكم) ولا بد من أن يكون الجواب: بلى، لأن هذا من فطرة الإنسان، فلا يوجد أحد سيرفض مثل هذا النعيم، غير أن الإعصار يأتي على كل شيء فيه، خاصة وأن أبناء صاحب البستان محتاجون إلى غلاته ليعتاشوا منها بعد موته.

وهكذا يبين الله تعالى صورة من أضاع حسناته بسبب المن والرياء، بعدما حصل على الأجر الكبير، فيكون هذا المثل تحذيرًا آخر لأهل المن والأذى، ليحذروا عاقبة التفاخر ويتجنبوا مغبة التطاول، في صورة مقابلة لحال المنفقين بإخلاص، أصحاب الجنة على الربوة المهيأة للإثمار والمؤتية للغلات المضاعفة.