الموت حق.. كيف نواصل الطريق؟

يتبادر أحيانًا إلى الأذهان تساؤلٌ عميق: كيف يؤثر رحيل رواد الإصلاح أو قادة المشاريع الدعوية على الوحدة الروحية والتضامن بين الأفراد؟ إذا كانت القضية التي ننتمي إليها تحمل طابعًا إلهيًّا وترتبط برسالة الله وتعاليمه، فإن الثقة ينبغي أن تكون بالله وحده، فهو الحافظ لها والمهيئ لرجالها. إن رحيل شخصٍ ما، مهما كان أثره، لا يمكن أن يوقف مسيرة الدعوة؛ لأنها في جوهرها مشروع إلهي.
حكمة من تجربة شخصية
أتذكر موقفًا حدث معي حين بلغني خبر وفاة الأستاذ سعيد النورسي رحمه الله؛ كنت حينها شابًّا مفعمًا بالحماس، ولكن هذا الخبر أثّر فيَّ بعمق وأثار تساؤلات حول استمرارية مشروعه وكيفية الحفاظ على اللحمة الروحية بين الإخوة.. في تلك اللحظة، التقيت برجل يعمل خياطًا قرب جامع “الشرفات الثلاث” في مدينة “أدرنه”. شاركته مخاوفي فأجابني بحكمة: “ما دمتَ قد أديتَ واجبك حتى الآن، أكمل الطريق بالنية الصالحة والعمل المثابر، هذه القضية ليست ملكًا لأحد، بل هي قضية الله، وهو من يهيئ لها رجالها”.
كلماته كانت بمثابة طوق نجاة أعاد الطمأنينة إلى قلبي. ومنذ ذلك الحين، وبفضل الله، استمرت الدعوة رغم كل التحديات. اليوم، يُسمع صوت تلك الدعوة في أصقاع الأرض بقوة وثبات، كأنه صوت موحد ينبعث من قلوب المؤمنين، يحمل رسالة النور والسلام إلى العالم.
مواجهة الفقد
علينا أن نستلهم من مواقف السلف الصالح عند مواجهة الفقد. عند وفاة الأستاذ سعيد النورسي، كان بين طلابه طالب يدعى السيد “أحمد فَيْزِي”، الذي عُرف بحكمته ورجاحة عقله.. عندما توفي الأستاذ، قال بانفعال: “لا.. هذا غير ممكن، ليس صحيحًا، إنه لم يمت.. إنه لم يُتمّ مهمته بعدُ”. هذه الكلمات تعبر عن حب عظيم وشعور بالصدمة، لكنه في النهاية أدرك -كما أدركنا جميعًا- أن الدعوة ليست مرتبطة بشخص بعينه.
ومهما يكن من أمر فلن يبلغ الجلل ما بلغه حين فقد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولن يصل المحبُّون إلى ما وصل إليه الصديق أبو بكر رضي الله عنه تجاه الحبيب صلى الله عليه وسلم.. فقد كانت لحظة وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أكبر صدمة للمسلمين آنذاك؛ إذ أصابتهم بحالة من الذهول وضياع الإدراك. دخلوا في حالة من التشتت والاضطراب، حتى إن سيدنا عمر رضي الله عنه وقف مهددًا: “من قال إن محمدًا مات، قطعت عنقه”. وهكذا كان الذهول عارمًا، حتى جاء سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بثبات وحكمة، فتلا قول الله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)(آل عمران:144).
ثم قال: “أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت”. بهذا الموقف الحكيم أعاد الأمور إلى نصابها وأزال عن الناس ذهولهم، وأثبت أن الرسالة مستمرة لأن الله هو الحي الباقي.
مسؤولية الاستمرار
يجب على كل مؤمن أن يبقى ثابتًا تجاه الدعوة التي آمن بها. قد يشعر الإنسان بالحزن ويمر بلحظات ضعف عند فقد الأشخاص المهمين، لكن عليه أن يتجاوز تلك المشاعر ليواصل رسالته. من واجب المؤمن تعزيز معنويات الآخرين، وبث الطمأنينة والحماس في نفوسهم، وتجديد عزيمتهم.
لنأخذ من سير الصحابة دروسًا في المحاسبة الذاتية.. سيدنا عمر رضي الله عنه كان يسأل نفسه يوميًّا: “ماذا فعلتُ اليوم من أجل الله؟”.. هذه المحاسبة تعزز الإخلاص وتجدد الطاقة للعمل. كما يجب علينا أن نسأل أنفسنا باستمرارٍ السؤال ذاته: “ماذا قدمتُ اليوم في سبيل الله؟”.
العبرة بالحاضر
من المهم أن نركز على الحاضر.. اللحظة الراهنة هي أغلى ما نملك.. وإذا أردتُ التفكير بشكل أوسع قليلاً، يمكنني القول إنها الساعة التي تمضي بي، ولو اتسع منظوري أكثر فقد أصنفها على أنها النهار أو الليل الذي يعبر بي، مما يجعلها تكتمل ضمن 24 ساعة يومية. لا أعرف إن كنت سأبقى ليلة أخرى، فهذا ليس بيدي، والأهم هو العمل في الحاضر.
علينا أن نقيم يومنا وساعتنا الحاضرة، لأن الوقت الذي نعيشه الآن هو فرصة للعمل والبناء. إذا استطعنا استثمار اللحظة الحالية بوعي، سنكون قد وضعنا أساسًا متينًا للمستقبل. يمكن أن تكون لديك رؤى عظيمة للمستقبل، لكن مسؤوليتك الحقيقية هي العمل اليوم، دون الانشغال بالنتائج التي بيد الله وحده.
رسالة الأستاذ سعيد النورسي كانت واضحة: ركز على النقطة المحورية في كل ابتلاء أو مسؤولية تواجهها، ووجه طاقتك نحو ما يمكنك إنجازه الآن. التفكير في المستقبل دون العمل على الحاضر يبدد الطاقة ويؤثر على العزيمة.
خاتمة
علينا أن نمضي قدمًا بثقة، معتمدين على الله، متشبثين بروح الجماعة. فلنتجنب الغلو والتفريط، ولنعمل على توثيق الرابط الروحي بيننا. بهذه الروح، سنبقى أوفياء لدعوتنا، نعمل بإخلاص اليوم، ونسأل الله الثبات للأجيال القادمة.

(*) هذه النصوص مترجمة من دروس الأستاذ فتح الله كولن الخاصة، المنشورة بتاريخ 21 نوفمبر 2014.

الترجمة عن التركية: هيئة حراء للترجمة.