هل أزمة النظم التربوية العربية هي أزمة ذاتية أو موضوعية، وهل المنظومات التربوية العربية بجميع أنساقها المؤسِّسة لها هي المأزومة في ذاتها، أم أزمتها ناتجة عن غياب مشروع مجتمعي تنموي متكامل؟ 

إن دراسة وتحليل النظم التربوية العربية الراهنة هي مسألة معقدة ومتشابكة، بحيث تصير إمكانية الإحاطة بها والإلمام بالسياقات المتعددة التي حكمت وجودها، أمرًا يبقى في حدود الطموح، ومقاربة تسعى لتأسيس أسئلة تخترق هذا الخطاب في محدوديته التوصيفية والإجرائية، وما يستتبع ذلك من طرح وتركيب، أكثر مما تسعى إلى تقديم معرفة مفصلة لطبيعة الخطاب والشروط المتحكمة في تواجدها.

نحن في حاجة إلى خطاب تربوي إصلاحي نقدي، كبديل عن الخطاب التربوي السائد في نظمنا التعليمية العربية، والقائم على الفكر الوظيفي البنيوي؛ فلا بد من التأكيد على المعالجة الشمولية، في اعتبار الكل في كليته وفي ديناميته وفي انتظاماته وعلاقاته، وضرورة الابتعاد عن التعميمات والشعارات المستنفذة، حيث التنمية الشاملة تستدعي الربط بين النظام التعليمي والنظام الاقتصادي وباقي النظم الاجتماعية. والإصلاح التربوي الذي يُطمح إليه يكون عقلانيًّا وإيجابيًّا ينطلق من التحديد الدقيق للأزمة التربوية القائمة، ومن المعرفة العلمية الكافية بأسبابها، ومكوناتها وتجلياتها وامتداداتها، والتأكيد على إلزامية المعرفة الدقيقة للنظام التعليمي في شموليته، والتأكيد على ضرورة دعم البحث العلمي وإعادة النظر في عوائقه، باعتبار أن القرار السياسي لا يمكنه إلا أن يستند على أسس ونتائج البحث، وضرورة النظر إلى النظام التربوي في كليته لا كجزر منفصلة عن بعضها، بل كحقول مترابطة ومتشابكة، والتأكيد على كون فشل كثير من الإصلاحات التربوية في مجتمعاتنا عائد إلى كونها غير نابعة من حاجات واختيارات المجتمعات العربية الواقعية.

ومن ثم تبرز أهمية التخطيط في إنجاح أي نموذج إصلاحي، وما يستتبع ذلك من إنجاز وتطوير ومتابعة وتقويم، وهو تقويم يبقى مشروطًا بمعطيات داخلية لا بإلزامات مفروضة من الخارج، وضرورة وجود رؤية تكاملية. ولا بد أن ينطلق الخطاب التربوي المنشود من المنطلقات الآتية:

1- الإصلاح عملية مستمرة ودائمة، يشترط فيه أن يكون مدعومًا من قبل المجتمع، وفقًا لرؤية واضحة ودقيقة لجميع الإستراتيجيات والسيناريوهات الممكنة لتجاوز الأزمة الراهنة.

2- الإصلاح تغيير وتحول وإستراتيجيات واختيارات وتخطيطات، وهو إصلاح شمولي للكل المجتمعي ومتسق معه، وغير منفصل عن المسار الديمقراطي بكليته.

ويبقى الخطاب الإصلاحي المطلوب خطابًا تغييريًّا وجذريًّا ونقديًّا وشموليًّا وكليًّا في نظرته، يهدف إلى التعمق في واقع القطاع التعليمي.. منفتحًا على الذات في كل أبعادها الثقافية والإثنية والحضارية والقومية، ومنفتحًا على الغير في الاعتراف به والاستفادة منه وعدم تقديسه، ومنفتحًا على ظروف اللحظة الحضارية، ومنفتحًا على وعي نقدي معرفي.. وهكذا يصير الإصلاح مشروعًا تنمويًّا وحداثيًّا شاملاً. وتبعًا للسياق العام المرتبط بالإصلاح التربوي، وضرورة تحسين الوضعيات المادية للمعلمين وتبني سياسة التحفيز لتفعيل العملية التعليمية، وضرورة إعداد وإعادة تأهيل المعلمين باعتبارهم الشخصيات المحورية، والدعامة الأساسية، لكونهم العوامل الفاعلة في الإصلاح، فإن الإصلاح يشمل المسارات الآتية: 

1- المسار الفكري والسياسي العام: وهو ما يطلق عليه السياسة التربوية، وهي الإطار العام التي تنتظم وفقه العملية التعليمية-التعلمية، لها أسس فلسفية وفكرية وحضارية وإنسانية وقيمية مشروطة بالتفاعل والتقدم، كشروط تدفعها دائمًا في أفق التجديد والتغيير.

2- المسار التعليمي البيداغوجي: هو مسار مرتبط بمكونات العملية التعليمية-التعلمية (المعلمين، البرامج، الطرائق البيداغوجية، التلاميذ ووضعياتهم الاجتماعية)، كعناصر منتظمة ومتفاعلة ومترابطة، قصد تحديد أهداف ومقاصد محددة بشكل دقيق من قبل السياسة التربوية، ومن قبل الاختيارات البيداغوجية المرتكزة على أطر نظرية، مع مراعاة السياقات المحيطة بالممارسات البيداغوجية والمؤثرة فيها بشكل مباشر أو غير مباشر.

3- المسار الاقتصادي: يرتبط بالميزانية الخاصة بالتعليم، وآليات الإنفاق والتمويل الخارجي، وضرورة البحث عن الشروط الملائمة لإقامة شراكة حقيقة وتكاملية في هذا المجال بين كافة الأطراف المعنية، والهدف من ذلك هو جعل التعليم رافدًا للاقتصاد الوطني، وتوجيه هذا الاقتصاد ليكون دعامة للتنمية التربوية أيضًا.

4- المسار التنظيمي: يقصد به آليات إدارة المنظومة التربوية في مستواها المؤسسي، والأطر التربوية والإدارية، والدعوة إلى تغيير وتجديد هذه الآليات حسب متطلبات المرحلة.

5- المسار الاجتماعي: يؤكد على ضرورة “جعل التعليم سندًا للمسار الديمقراطي” مع مراعاة شرط تكافؤ الفرص، لما يشكله التعلم والتكوين من ترقي ومكانة اجتماعية، وفي غياب هذا الأساس يصير الإحساس بالظلم والتهميش رافدًا يغذي العصبية ذات الأساس العقائدي والعرقي.

6- المسار الثقافي: المدرسة هي مركز إشعاع ثقافي، وما يترتب عن ذلك من دعم وترويج لقيم ومبادئ مشبعة بقيم العلم والديمقراطية والتقدم.

الخاتمة 

لم يعد أمام النظم التربوية العربية أمام مختلف التحديات والمتغيرات التي تمر بها في اللحظة الراهنة، إلا تبني مسار الإصلاح، وهذا يتطلب من كل مجتمع عربي -وفي أسرع وقت- أن يتفق على خطاب تربوي واحد يعكس رؤيتنا لمستقبل وطننا، ويأخذ في الاعتبار ثوابتنا وهويتنا وكل معطيات العصر وتحولاته.  فالإصلاح التربوي في منظورنا النقدي التكاملي، مسألة اختيار اجتماعي وسياسي، إجماعي وتوافقي شامل، مكرس للديمقراطية، ووضوح الرؤى، وتكامل الأهداف وتوفر الإرادة السياسية الواعية، بمسؤولياتها ومهامها التاريخية الحاسمة والجسيمة، وضرورة تقديم حجم الأزمة الراهنة وما يترتب عليها من آثار، وهذا لن يتأتى إلا عبر الوعي الدقيق، وتجنب المعالجات التبسيطية المخلة بالموضوعية العلمية والنظرة الشمولية. فلا بد أن تأتي رؤي التغيير والإصلاح شاملة ومراعية لمختلف الأبعاد والسياقات الثقافية للمجتمعات العربية، وملبية لحاجاتها ومطالبها، ولا بد من تضافر جهود الحكومات وفي نفس الوقت الشعوب، والانطلاق من كون التربية هي الأساس في نهضة وتطور بلادنا العربية.

المراجع: 

1- الخطاب الإصلاحي التربوي: بين واقع الأزمة ومسارات التغيير، بلقاسم الزميت (2000)، مجلة فكر ونقد، عدد:27، ص:21-30.

2- الخطاب التربوي الجديد، علي بن عيسى الشعبي (2016)،  صحيفة مفكر، المملكة العربية السعودية.

3- أزمة الخطاب التربوي العربي، مالك الريماوي، مجلة رؤى تربوية، العدد:16. 

4- الخطاب الإصلاحي التربوي، مصطفى محسن (1999)، الدار البيضاء المغرب، المركز الثقافي العربي.

5- المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (2016)، العقد العربي لمحو الأمية 2015-2024، النشرة الإحصائية للمرصد العربى للتربية، منظمة (الأليسكو)، عدد:1.