أغاني الذكاء الاصطناعي خطوة في العصر الجديد

فكرة التعلم العميق كانت موجودة منذ عقود، لكننا الآن نشهد نوعًا من البرمجيات المقترنة مع قوة الحوسبة الخوارزمية، التي يمكن أن تجعلها حقيقة واقعة، حيث يعتقد العلمـاء أن أبحاث تطوير الكمبيوتر ستصل إلى غايتها بتفوق ذكاء الآلة على ذكاء الإنسان، وهذا رأي يستفز بعض الناس ويثير نفورهم. ولكـن الإنسان قد سبق له أن اخترع آلات كالأوناش والروافع -مثلاً- تتفوق بقوتها على العضلات البشرية. وإذا كان البعض يقبل هذا الوضع ببساطة فلماذا الآن يستنكره البعض الآخـر؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في مجال علوم الرياضيات وتقنيات الحواسيب، حيث تمكن العلماء من تطوير روبوتات بُرمجت وفقًا لخوارزميات الذكاء الاصطناعي، وبرمجيات قادرة على التنبؤ أو حل العديد من المسائل التقنية المعقدة كتطبيقات توقعات الطقس والاختناق المروري، وعلى منافسة الإنسان في الألعاب الذهنية المعقدة كلعبة الشطرنج.. ويمكن القول إن الروبوتات التي بُرمجت وفقًا لخوارزميات الذكاء الاصطناعي، قد تمكنت من التغلب على الإنسان في العديد من المجالات أحيانًا. فهل حدث وتفوقت موسيقى الذكاء الاصطناعي أو تفوقت الآلات على الإنسان في تأليف الموسيقى؟

أصوات لم تسمع من قبل

فنِّيًّا أصبح الآن بمقدور الذكاء الاصطناعي أن ينتج أصواتًا لم تسمع من قبل، وذلك بفضل الرياضيات المتقدمة جنبًا إلى جنب مع عينات من آلات حقيقية. فمنذ فترة طويلة، كنا نسمع بعض هذه الأصوات الحية تنبعث من الراديو الخاص بنا، كما يقول الباحثون المسؤولون إنهم يأملون في إعطاء الموسيقيين مجموعة جديدة لا حدود لها تقريبًا من أجهزة الكمبيوتر التي تم إنشاؤها للعمل مع الموسيقيين.

يقول فريق بحثي: “إن التعلم مباشرة من البيانات، يوفر للفنانين سيطرة بديهية على الجرس والديناميكيات والخوارزميات، وكذلك القدرة على استكشاف أصوات جديدة سيكون من الصعب أو المستحيل إنتاجها يدويًّا” كما في النظام الجديد المسمى “نسينث” (NSynth) مثلاً، ويمكن التحقق من اثنين من عينات نسينث كما يلي:

يأخذ نسينث عينات من حوالي ألف أداة مختلفة ويمزج كل اثنين معًا، ولكن بطريقة متطورة للغاية، في البدء يستخدم برنامج ذكاء اصطناعي لتحديد الخصائص المسموعة من كل أداة بحيث يمكن استنساخها.

ثم يتم استخدام هذه المعرفة التفصيلية لإنتاج مزيج من الآلات، بحيث لا يبدو وكأنه مزيج من الآلات، ويتم ضبط خصائص الصوت لخلق شيء يبدو وكأنه أداة وحيدة جديدة بدلا من جلبة الأصوات المتعددة، لذا بدلاً من وجود الناي والكمان وتآلفهما معًا، سنحصل على صوت جديد كلية، كآلة رقمية يحركها خوارزمية بشكل ما يجمع بين الاثنين.

لكن في الصوت الجديد هل يمكن أن نحدد كم الناي وكم الكمان في الصوت النهائي!؟ الموسيقيون هم من يحددون. ومثل العديد من الإبداعات في الذكاء الاصطناعي، فإن نسينث تقوم بعملية تعلم عميق، وفق نهج محدد لمنظومة الذكاء الاصطناعي، حيث كميات هائلة من البيانات، يمكن معالجتها بطريقة مماثلة للدماغ البشري، مما يسمح بتخليق المؤلفات الموسيقية الجديدة، وهذا هو السبب في تسمية هذه الأنظمة بالشبكات العصبية الاصطناعية.

يقول الناقد الموسيقي “مارك ويدنباوم”: “إن النهج الجديد في الجمع بين الآلات الموسيقية يبدو واعدًا من الناحية الفنية، يمكن أن تسفر عن بعض الأشياء العظيمة سوف يتابعها الناس بشغف”.

وقد تمكن أيضًا مبرمجون روسيون من تطوير منظومة ذكاء اصطناعي خاصة، تعتمد على آليات معقدة من العمليات الحسابية والخوارزميات الرياضية الدقيقة، قادرة على فهم مقاطع موسيقية مشابهة لها. هذه التقنية قادرة على ربط المعلومات الموسيقية ببعضها تضم آلية معقدة، ولتغذيتها بالمعلومات عن الموسيقى الكلاسيكية قاموا بتحميل عدد كبير من مقاطع الموسيقى العالمية لمؤلفين مشهورين كـ”باخ وموزارت وتشيكوفيسكي” وغيرهم في برمجياتها، ومدة تلك المقاطع وصلت إلى ٦٠٠ ساعة.

هناك الآن محاولات تجاوزت مرحلة التجريب لزرع مرققات سليكونية في أجزاء الجهاز العصبي البشري لتحسين الذاكرة أو السمع أو الرؤية، كما أن هناك تجارب ليستفيد الكمبيوتر نفسه من المنظومات العضوية في الأحياء.

كما قام باحثون آخرون بتدريب شبكة عصبية -نوع من الكمبيوتر يقلد طريقة تعلم الأدمغة لحل المشكلات- على تأليف نغمات الميلاد الخاصة عن طريق إدخال ١٠٠ من نغمات عيد الميلاد في شكل ملفات لوحة رقمية موسيقية “ميدي”، واختار الذكاء الاصطناعي موضوعات متكررة وأدوات وإيقاعات لتوليد نغمات خاصة.

ظاهرة ألبوم الحس المرافق

ولكن ماذا يحدث إن تركنا حواس الذكاء الاصطناعي تتداخل؟ لقد طور “زاندر ستينبروج”، الباحث المختص في تعلم الآلة في بلجيكا، شبكة عصبية تحول الموسيقى إلى تصورات ثلاثية الأبعاد، وهو مثال مدهش على التوليف بين الفنون البشرية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي.

استخدم مشروع ستينبروج -ويسمى نورال سينيسثيزيا- شبكة تنافس توليدية، وهي نوع من أنظمة تعلم الآلة، ووظيفتها توليد بيانات جديدة من مجموعة تدريب معينة، وقد استخدمت شبكات التنافس التوليدية في تطبيقات عدة. كتب ستينبروج في وصف مشروعه “هذا المشروع محاولة لاستكشاف أساليب جديدة للتجارب السمعية البصرية القائمة على الذكاء الاصطناعي، وأنا لا أصمم هذه الأعمال، بل أشارك في تصميمها بإحياء نماذج الذكاء الاصطناعي”.

كما تمكن أحد منسقي الموسيقى الخبراء في التقنية في منطقة خليج فرانسيسكو في الولايات المتحدة، من ابتكار نمط جديد من الموسيقى الإلكترونية، يستند إلى كتابته لرموز برمجية تولد أصواتًا حقيقية بدلاً من استخدام الأقراص المدمجة والأجهزة التقليدية الأخرى، مما يشكل توجهًا جديدًا في هذا الميدان يسمى “الجوراف”.

وقد استطاع موسيقار إيراني أن يبتكر ذكاء اصطناعيًّا لتأليف الموسيقى، ولم يحد الملحن الإيراني “آش كوشا” عن المسار التقني، بل قدم عرضًا مباشرًا لجمهوره عبر الواقع الافتراضي، واستعمل هذا الواقع ليصور للناس ظاهرة “الحس الافتراضي” التي يمر بها، ومؤخرًا بلغ مستوى جيدًا فأعد ألبومًا كاملاً مع ذكاء اصطناعي، وما أغرب نتيجة هذا التعاون التي جاءت أعلى من المتوسط.

وقد أصدر “كوشا” ألبومه الرابع “ريترن” الذي يتضمن موسيقى ألفتها “يونا” وهي برنامج ذكاء اصطناعي ابتكره “كوشا” ويدعوه “الإنسان المساعد”، حيث قال: يتألف محرك “يونا” من سلسلة من البرامج التي تولد جملاً وألحانًا موسيقية اعتمادًا على عملية معقدة لتحويل النص إلى كلام. في هذا الألبوم غنى “كوشا” بنفسه ما ألفته “يونا”، ومع أن الألبوم حصل على درجة متوسطة ٦ من ١٠ من مجلة بيتشفورك الموسيقية المعروفة بتدقيقها الشديد، إلا أن المجلة صرحت بأن تلك الأصوات الغنائية البشرية هي أفضل ما في الألبوم، بعبارة أخرى إن مهارات “يونا” التأليفية تحتاج إلى تحسين أكثر.

أروع الإنتاجات

تعد أغنية “ريك فري” أول أغنية تصدر من الألبوم الجديد “IBM” للمغنية الأمريكية “تارين ساوثيرن”، وقد برز بالألبوم دور فنان جديد يسمى “آمبر”، ويعتبر هذا الألبوم أكثر من مجرد تعاون تقليدي بين فنانين.

و”آمبر”، هو نظام ذكاء اصطناعي يعمل ملحنًا موسيقيًّا ومنتجًا وفنانًا، وطوره فريق من الموسيقيين المحترفين وخبراء التقنية، وهذا الألبوم هو الأول الذي يلحنه وينتجه الذكاء الاصطناعي بصورة كاملة.

وأوضح المؤلف السينمائي “درو سيلفرستين” وهو أحد مصممي نظام آمبر، “أن نظام آمبر لا يعتمد على ذاته بصورة تامة، ولكنه مصمم خصيصًا كي يتعاون مع الموسيقيين البشريين، ونعتقد أن مستقبل الموسيقى سيعتمد على التعاون بين البشر والذكاء الاصطناعي، ونسعى إلى أن يساعد هذا التعاون على دفع العملية الإبداعية إلى الأمام”.

وأشار الفريق إلى أن آمبر هو المسؤول عن التلحين والتوزيع الموسيقي لأغنية “بريك فري” بصورة كاملة خلافًا للأغاني الأخرى التي ألفها الذكاء الاصطناعي.

لقد غير نظام آمبر، النموذج التقليدي لإنتاج الموسيقى بواسطة الذكاء الاصطناعي. فعادة كان يجري البشر تعديلات كثيرة على العمل الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، وهذا يعني أن البشر يؤدون أغلب العمل. وقال الفريق في بيانه الصحفي: “تشمل عملية إنتاج الذكاء الاصطناعي للموسيقى، إجراء البشر تعديلات يدوية مهمة عليها مثل تغير الألحان والأنغام”.

ولا يسري هذا الوضع على نظام آمبر، فمثلما ذكرنا سابقًا، نفذ آمبر التلحين والتوزيع الموسيقي بصورة كاملة، فهو يستخدم مدخلات الفنان البشري اليدوية عندما يتعلق الأمر بالأسلوب والإيقاع العام.

ويستطيع آمبر إنتاج الموسيقى من خلال التعلم الآلي في ثوانٍ معدودة. وعلى الرغم من أن الألبوم هو أول ألبوم يلحنه وينتجه الذكاء الاصطناعي بصورة كاملة، إلا أنها ليست المرة الأولى التي يظهر فيها الذكاء الاصطناعي إبداعا في الموسيقى وغيرها من الفنون.

كذلك تعلم نظام ذكاء اصطناعي جديد يسمى “آيفا” تلحين الموسيقى الكلاسيكية، مثلما صمم نظام “ديب باخ” لإنتاج موسيقى مستوحاة من الفنان الباروكي يوهان سيباستيان باخ. وسيكون هذا الألبوم الخطوة الأولى في عصر جديد.. عصر سيتشارك فيه البشر براعتهم الفنية مع الذكاء الاصطناعي وربما يتنافسون في القدرات الإبداعية.

من ناحية أخرى فإن أروع إنتاجات أغاني الذكاء الاصطناعي هو استنساخ ألبوم غنائي على الحمض النووي البشري، فقد أدت دراسات تطوير الكمبيوتر وزيادة ذكائه الآلي لزيادة فهم العلماء لقدرات الجهاز العصبي البشري وطريقة العمل على زيادتها أو إصلاح أوجه الخلل فيها.

وهناك الآن محاولات تجاوزت مرحلة التجريب لزرع مرققات سليكونية في أجزاء الجهاز العصبي البشري لتحسين الذاكرة أو السمع أو الرؤية، كما أن هناك تجارب ليستفيد الكمبيوتر نفسه من المنظومات العضوية في الأحياء.

فهناك محاولات في أن يستخدم في الكمبيوتر مرققات الحمض النووي “DNA” المكون الرئيس للمورثات “الجينات”، حيث يمكن لهذا الحامض بطريقة تخزينه للمعلومات من أداء عمليات حوسبة أكثر تعقيدًا مما يقوم به الكمبيوتر السليكوني، وإن كانت أبطأ.

فمن المعروف علميا أن الأحرف “E.T.G.C” تمثل لغة البرمجة في الكائنات الحية، وتختلف البيانات المخزنة في الحمض النووي عن البيانات المخزنة في السيليكون بأن الأولى تصمد لآلاف الأعوام، ويستطيع الحمض النووي تخزين كمية بيانات أكبر، إذ يستطيع جرام واحد منه تخزين مليار تيرابايت من البيانات.

وقد توصل علماء معهد “ETH” في زيوريخ إلى طريقة لتخزين أحد أعظم أعمال البشرية الفنية في الحمض النووي البشري وهو ألبوم “ميزانين” الغنائي الناجح “لفرقة ماسف أتاك” الذي طرح في الأسواق قبل عشرين عامًا.

وتقبع الرائعة الفنية للثنائي البريطاني في ٥ آلاف خرزة زجاجية صغيرة منتشرة على امتداد نحو مليون شريط قصير من الحمض النووي.

ويتطلب نسخ البيانات على الحمض النووي تحويلها من نظام العد الثنائي صفر،١ إلى قواعد الحمض النووي النيوكليوتيدية الأربع “E.T.G.C” ثم يشكل العلماء جزيئات الحمض النووي عبر عملية معقدة كثيرًا للحفاظ على تسلسل القواعد السليم، وبعدها تنسخ التتابعات على تلك الجزيئات التي تحتفظ بالبيانات لآلاف الأعوام بعد تجفيفها وحفظها في ظروف ملائمة.

وليست هذه المرة الأولى التي يخزن فيها العلماء بيانات رقمية في الحمض النووي البشري، إذ سبقتهم شركة مايكروسوفت بعد أن تمكن باحثوها من نسخ مائتي ميجابايت من البيانات تتضمن فيديو عالي الدقة لفرقة “أوك جو” على الحمض النووي البشري، والأمر المؤسف أن العملية بطيئة للغاية ومكلفة جدًا، لكن حفظ الرائعة الموسيقية “لماسف أتاك” على الحمض النووي يضمن أن الأجيال المقبلة ستجد إيقاعات التسعينيات في موروثاتها.

(*) أستاذ جراحة التجميل المتفرغ والعميد الأسبق لكلية طب الإسكندرية / مصر.

المراجع

(1) Control proplem at Friendly artificial intelligence and Instrumental convergence.

(2) Andreas Kaplan;Michal Haenlein “2020”Siri, in my hand, who’s the Fairest in the Land? On the Interpretations, Illustrations and Implications of Artificial Intelligence, Business Horizons.

(3) Richmond Thomason, Logic and Artificial Intelligence 2019.

(٤) ما هو الذكاء الاصطناعي (مقدمة لعلم الذكاء الاصطاعي)، تأليف مؤسس علم الذكاء الاصطاعي جون مكارثي.