برز في التراث الجغرافي العربي وعبر القرون الإسلامية المتعاقبة رحالة عرب مسلمون جابوا الآفاق ودونوا بقلمهم ما وصلوا إليه من مدن وبلدان وأصقاع، تجاوز بعضهم فيها رقعة البلاد الإسلامية، وسجلوا لنا تفاصيل عديدة عن عادات وتقاليد الحياة الاجتماعية لتلك الأقوام والملل والنِحَل التي قصدوها، فكانت بحق سجلاً لأولئك الناس احتفظ بها العرب في مُصنفاتهم الجغرافية ونهل منها الغربيون وأعجبوا وأشادوا بكل فخر واعتزاز بتلك الرحلات العربية في مؤلفاتهم الصادرة لاحقًا.

من هؤلاء الرحالة العظام، صاحب رحلتنا المسعودي.

المسعودي صاحب الرحلة

أبوالحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، ولد ببغداد عام283هـ- 896م، في أواخر عهد الخليفة المعتضد العباسي لعائلة بغدادية كريمة تعود بنسبها إلى الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ولذلك عرف باسم المسعودي.

والمسعودي رحاله وعالم جغرافي ومؤرخ، من أبرز علماء الجغرافيا العرب، من أشهر كتبه (مروج الذهب) الذي ذكر فيها وصفًا للزلازل كما وصف طواحين الريح والبحر الميت، وكان صاحب نظرية الانحراف الوراثي. قام برحلات كثيرة اكتشف فيها الكثير من المعلومات عن الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم دونها في كتابه الشهير (التنبيه والإشراف). ولقد ترجمت العديد من مؤلفاته إلى عدة لغات منها الفرنسية والفارسية والانجليزية.

علمه ومؤلفاته

نشأ المسعودي في بغداد التي كانت من أعظم مراكز العلم في العالم. فأتيح للمسعودي أن يتلقى قسطًا وافرًا من العلم والثقافة، نمي المسعودي ثقافته ومعلوماته بالمشاهدة والمعاينة، فلم يكتف بالتبحر في بطون الكتب، والمجلدات، بل سعى لدراسة العالم الذي عاش فيه، فكان فضوله النبيل دافعًا للقيام بأسفار امتدت سنوات عديدة في بعض الأحيان، فزار ووصف قسمًا كبيراً من الأمصار، وترك توصيفات للشعوب التي قُدّر له أن يعيش بين ظهرانيها. وجمع معلومات صحيحة عن البلدان التي لم تتح له زيارتها. مما جعل كتاباته عن العديد من الأمصار، والشعوب القاطنة فيها، مرجعًا هامًا للمؤرخين والجغرافيين والاثنوغرافيين (الإثنوغراف: وصف الأعراق البشرية). إذ درس بتمحيص ما رآه بأم عينه، أو سمعه من أناس ثقات، ودأب على فرز الصحيح عما يناقض الحقيقة.

استقصي المسعودي الحقائق التاريخية والجغرافية، معتمدًا على الرواية والملاحظة. وهذا ما دعاه إلى تقسيم جولاته على مرحلتين، فكان في كل مرة يستوفي فيها معلوماته يقوم بتدوينها، فيحذف منها غير الموثق، لذا تميزت مدوانته بالدقة والعمق، وتفوق بذلك على كثير من الرحالة الذين كانوا يدونون كل ما يسمعونه من روايات وأساطير وخرافات دون تحقيق.

كما نجح المسعودي في ربط الزمان بالمكان من خلال اطلاعه على حضارات العالم ومعرفته بعادات وتقاليد الشعوب فدون كل هذا ووضعه بين يدي القادمين من بعده، بالإضافة إلى ما جمعه من أنواع مختلفة عديدة من العلوم والثقافات، فلم يفْتُرْ المسعودي أثناء أسفاره عن الاستقصاء والبحث واكتساب العلوم على اختلاف مواضيعها، فجمع من الحقائق التاريخية والجغرافية ما لم يسبقه إليه أحد ودونها في كتبه العديدة التي حوت أخبار رحلاته ومشاهداته وتجارب على أسس منهجية علمية محددة، لهذا احتل المسعودي المكانة الأولى بين كُتاب القرن الرابع الهجري /العشر الميلادي وكان أكثرهم أصالة.

مؤلفات المسعودي

  • التنبيه والإشراف

جمع فيه ألواناً متعددة ومتنوعة من الثقافات والعلوم ووصف كثير من البلاد والأقاليم. ولخص فيه آراءه في فلسفة التاريخ وتحدث عن تطور آراء الفلاسفة، والعلاقة بين الحيوان والمعدن والنبات.

وفي هذا الكتاب اصطلح المسعودي على وصف الأرض باسم (كرة الأرض) كما وصف الخطوط الوهمية التي تقسم الأرض من خط استواء وخطوط أخرى تنتهي بخطوط القطبين الجنوبي والشمالي.

  • مروج الذهب ومعادن الجوهر

أشهر مؤلفات المسعودي على الإطلاق وأعظم كتبه خاصة ومن أبرز المصنفات العربية، عن سبب التسمية يقول المسعودي: (وقد سميت كتابي هذا بكتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر لنفاسة ما حواه)، فهو دراسة جغرافية ربط فيها بين الزمان والمكان.

  • أخبار الزمان ومن أباده الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة

ويقع الكتاب في ثلاثين مجلداً.

  • الكتاب الأوسط
  • كتاب وسط بين أخبار الزمان ومروج الذهب.

المسعودي في عيون المستشرقين

لمكانة المسعودي أطلق عليه الباحث والمؤرخ الفرنسي م. دوسون لقب: “هيرودوت العرب” بعد أن أدرك الأهمية الكبيرة للأعمال، والمؤلفات التي وضعها المسعودي.

ووصف المستشرق الإنكليزي هـ .أ.ر. جيب كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر) بالقول إنه: “واحد من خيرة الكتب التي كتبت باللغة العربية وأحد أهم وأضخم المراجع التراثية العربية المتداولة حتى يومنا هذا”.

وقال عنه المستشرق الفرنسي كاترمير: “إذا ما نظر الإنسان إلى كتبه بُهت من تنوع المواد التي كتب فيها، ومن كثرة المسائل المهمة العويصة التي حلها”.

وقال عنه المستشرق السويسري آدم متز: “حمله حب الاستطلاع إلى بلاد بعيدة في أفريقية وفي الصين”.

ويقول عنه المستشرق الروسي ميكولكسي في كتابه(المسعودي، هيرودوت العرب) : “أول من قدّم تاريخ الإسلام، كمادة للقص الشيق في الكثير من جوانبه”،كما يشير ميكولسكي بأن: “رحلات المسعودي لم تكن لها علاقة بأية مهمة رسمية أو أغراض تجارية أو مسائل ذات صبغة دينية، فالدوافع التي حثت هذا العالم على مغادرة أماكن إقامته الطويلة ومواجهة العديد من المتاعب والأخطار، دوافع في غاية النبل، فالمسعودي يصبو إلى معرفة العالم وعجائبه وسننه، ويتطلع إلى توسيع تصورات معاصريه عن المعمورة وحياة العديد من الشعوب”.

المسعودي الرحالة

بدأ المسعودي رحلاته وهو لم يتجاوز العشرين، واستمر فيها أربعين عاما.

فطاف المسعودي أرجاء العالم القديم يصف أحوال الأمم ونحلهم وعقائدهم وتقاليدهم وعاداتهم ورسم لنا صورة واضحة المعالم للبحار والجبال والممالك والدول. وقد بدأ المسعودي رحلاته سنة 309هـ فغادر بغداد إلي الأطراف الشرقية من الدولة العباسية، فطاف أرجاء فارس، واستقر في إصطخر. وفي السنة التالية رحل إلى الهند، وأقام في بومبي، ثم رحل إلى سرنديب (سيلان). ومن هناك ركب البحر مع بعض التجار إلى الصين، وجاب المحيط الهندي وزار جزائره وموانيه، وعاد فزار مدغشقر وزنجبار، ورجع إلى عمان.

وفي عام 314هـ. رحل المسعودي إلي ما وراء آذربايجان وجرجان، ثم عاد إلي الشام وفلسطين. وفي عام 332هـ رحل إلى انطاكية، ثم عاد إلي دمشق، ومنها إلى العراق، ومرة أخري إلى الشام ثم إلى مصر، ومن مصر عاد إلى الشام، ثم عاد إلى مصر التي استقر بها. وبمصر أتم تأليف كتابه: “مروج الذهب” سنة 336هـ والذي كان قد بدأ بكتابته سنة332هـ، كما أنه شرع بوضع النسخة الأولى من كتابه “التنبيه والإشراف” في الفسطاط في 344هـ.

المسعودي الجغرافي

في مجال الدراسات الجغرافية انتهج المسعودي نهجًا جديدًا فلم تكن رحلاته للنزهة أو للتجارة بل كانت لمشاهدة معالم البلاد ومعرفة أخبارها، وكتبه تدل على معرفة واسعة باللغات والعادات والتقاليد والأخلاق والأدب والسياسة وهو أكثر عمقًا ودقة من غيره من الرحالة والجغرافيين.

جاب المسعودي معظم أنحاء العالم القديم وجمع كثيرًا من المعلومات والأخبار التي دونها وأدت إلى تطور الدراسات الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية. وقد قسم المسعودي كتاباته في هذا المجال إلى موضوعات مستقلة تحدث كل موضوع منها عن إقليم معين، وأهمل الطريقة الزمنية ولم يهتم بتتابع أخبار رحلاته أو الربط بينها.

فوصف المسعودي الأرض والبحار ومبادئ الأنهار والجبال والأقاليم وترتيب الأفلاك، ومساحة الأرض وأقسامها، وأثر البيئة الجغرافية والكواكب في طبائع البشر، وفي كتبه دراسات وافية عن ظاهرة المد والجزر، وبعض الظواهر الطبيعية كالزلزال والبراكين، والشمس وعلاقتها بطبيعة الهواء، وربط بين حركة الهواء وحركة الشمس والعوامل المؤثرة في المناخ، وربط بين المناخ وطبيعة السكان موضحًا أثر درجات الحرارة على نشاط الإنسان، ونالت بلاد الصين اهتمامًا كبيرًا من المسعودي وتعتبر دراساته حول هذه البلاد أوضح وأوفى من سابقيه، فمزج بين وصف بلاد الصين وتاريخها، وعقد دراسة مقارنة بينهم وبين القبائل العربية، والمسعودي من أوائل الذين اهتموا بالحديث عن بلاد الحبشة والسودان والهند، كما نالت الأقطار العربية دراسة جغرافية مفصلة فتحدث عن الشام واليمن والحجاز والمغرب والعراق ومصر، وأشار إلى أثر البيئة الطبيعية في حياة هذه الأقطار.

المسعودي المؤرخ

في تأريخه لم يتبع المسعودي سُنة من سبقه من المؤرخين بل وضع منهجاً جديداً في الدراسات التاريخية، تأثر بمنهجه كثير من المؤرخين أشهرهم ابن خلدون. فقد حاد المسعودي عن طريقة الطبري – شيخ المؤرخين – في كتابة التاريخ، لأن الطبري اتبع طريقه التاريخ بالسنين فكان يؤرخ لأحداث التاريخ سنة بسنة. وقد أبرز المسعودي عيوب هذه الطريقة فقال: “ورأيتهم – أي من سبقه من المؤرخين – يذكرون الحادثة الواحدة في سنين ويذكرون عنها في كل شهر أشياء، فتأتي الحادثة مقطعة لا يحصل منها على غرض ولا تفهم إلا بعد إمعان النظر، فجمعت أنا الحادثة في موضوع واحد وذكرت كل شيء منها في أي شيء أو سنة كانت فأتت متناسقة متتابعة”.

كما تميز المسعودي باهتمامه الواضح بالدراسات الاجتماعية والاقتصادية في تأريخه فسجل في كتبه صورًا عديدة لحياة كثير من الشعوب، وكان أول من أهتم بهذه الدراسات بينما قصر من سبقه من المؤرخين دراساتهم على ذكر أخبار الخلفاء والولاة وحروبهم وسياساتهم، كما مزج المسعودي بين الدراسات التاريخية والجغرافية وفتح آفاقًا جديدة في الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والدينية، واهتم بمعالم الحضارات المختلفة، ولزم الطريقة الموضوعية فأصبحت الشعوب والملوك والخلفاء محاور دراسته.

رحلة النهاية

صرف المسعودي سنواته العشر الأخيرة متنقلاً بين سورية ومصر، إلى أن شعر بحاجته إلى الاستقرار فاستقر بمدينة الفسطاط بمصر وتوفي بها بعد بضعة أشهر من إنجاز الصيغة النهائية لمؤلفه (كتاب التنبيه والإشراف) عام 346هـ-957م.