لم يذكر النورسي رحمه الله اسم “النظرية التطورية” أو اسم صاحبها “دارون”، لكنه أفرد لها نظرات عميقة في رسائله تدل على وعيه الراسخ بمقاصدها ومآلاتها، وهذا الوعي دفعه إلى أن يختزل أصول “الداروينية” في القضايا التالية:

ثبات النوع

تأثرت الفلسفة الغربية المعاصرة بمبدأ “قدم العالم” المنحدر إلى التراث اليوناني القديم، فجميع المدارس الفكرية الغربية جاءت لتؤسس نظرياتها على هذا المنحى، وتعتبر نظرية “التطور الداروينية” إحدى أكبر الاتجاهات التي تأثرت كثيرًا بهذا الافتراض. ذلك أن القول بقدم العالم، يعني بالأساس عدم فنائه مستقبلاً، ويعني كذلك أن ما نراه في عالم الكائنات والأشياء من حولنا، هو تراكم الخبرة الكونية أو حركة الطبيعة باتجاه البقاء، فليس ثمة أصول للكائنات وإنما هناك تطور وصيرورة، وليس ثمة فضل لكائن على آخر إلا بقدرته على الاستمرار والبقاء.

هكذا جاءت “الداروينية” لتعيد تعريف “الماهية الإنسانية” على ضوء أصولها الحيوانية، ولتشكك في مركزية الإنسان في الكون، باعتبار أن حركيته البيولوجية -كما استخدمت قبله وسائط حيوانية- ساعدت على اكتمال صورته الحالية، فهو في هيأته الآن لا يعدو حلقة وصل لما هو آت من نسخ أخرى.

كان النورسي رحمه الله يدرك أن “التطورية” لضعفها ووهنها المعرفي، لم تكن تملك سوى هذا الافتراض لتؤسس عليه نظريتها، لذلك وضع رحال الاستدلال على رقعة “الماهية الكاملة للكائن”، وهي الماهية التي لا تحتاج بعد كمالها إلى مزيد تكميل أو تطوير، وإن كان ثمة تغيير أو تطور ظاهري فمرده إلى “الخصائص الجزئية” المتعلقة بكل كائن، وهي خصائص عرضية لا جوهرية، جزئية لا أصلية؛ فلا يمكن وصف وفرة الشعر أو الوبر بالنسبة إلى حيوان يعيش في رقعة باردة، وقلة ذلك عند حيوان يعيش في موطن دافئ أو حار.. أو طول المخلب عند ذئب إفريقيا وخفته عند نظيره في سيبريا، وغير ذلك بأنها نزعات تطورية لدى هذه الكائنات. فلا يرضى عاقل أن يجعل من تأثير عوامل المناخ والجغرافيا على أشكال الكائنات وألوانها وقدرتها على التحمل، سببًا جذريا لتطور أجناسها.

ذلك أن الله تعالى قد أعطى كل فرد وكل نوع وجودًا خاصًّا كما يقول النورسي: “هو منشأ آثاره المخصوصة، ومنبع كمالاته اللائقة. فلا نوع يتسلسل إلى الأزل لأنه من الممكنات، فضلاً عن أن حدوث قسم منها مشاهد، وقسم آخر يراه العقل بنظر الحكمة أن انقلاب الحقائق محال، وسلسلة النوع المتوسط لا تدوم، أما تحول الأصناف فهو غير انقلاب الحقائق”.

نعم قد تؤثر الطبيعة بجمالها أو بشدتها وشراستها على طبيعة الكائنات، لكن هذا التأثير لا يطال بنية الكائن الأصلية، ولا يمس جذره القديم، ذلك الجذر الذي يعود بالأصالة إلى “الجدّ الأكبر”.

ولما كان لكل نوع جَدّ أكبر -كما يقول النورسي- فالوهم الباطل الناشئ من التناسل في سلسلة كل نوع، لا يسري إلى أولئك الآدميين والأجداد الأوائل؛ إذ الفلسفة وعلم الجيولوجيا وعلم الحيوان والنبات، يشهد أن الأنواع التي يزيد عددها على مئتي ألف نوع، كل منها له مبدأ وأصل معين وجدّ أكبر، بمثابة آدم لذلك النوع، وكل مبدأ منها قد حدث حدوثًا مستقلاًّ عن غيره، وكل فرد من هذه الأنواع الوفيرة، كأنه ماكينة بديعة عجيبة تبهر الأفهام. فلا يمكن أن تكون القوانين الموهومة الاعتبارية، والأسباب الطبيعية العمياء الجاهلة موجدة لهذه السلاسل العجيبة من الأفراد والأنواع، بل هي عاجزة عجزًا مطلقًا عن إيجادها؛ أي إن كل فرد وكل نوع، يعلن بذاته أنه صادر صدورًا مستقلاًّ عن يد القدرة الإلهية الحكيمة. نعم، إن الصانع الجليل قد ختم في جبهة كل شيء ختمَ الحدوث والإمكان.

الصدفة والعشوائية

جاءت نظرية “الصدفة الطبيعية” نتيجة طبيعية لفكرة “قدم المادة” و”التسلسل الطبيعي”، أي إننا بإزاء موقف غير علمي يؤصل للعدمية وموت الدين. هكذا قدمت “التطورية” أرضية خصبة لكل فلسفات “الإلحاد” و”المادية” و”الوضعية”، وبدا من خلالها أن العالم كان وما زال وسيبقى هائمًا على وجهه بدون غاية، تحكمه العشوائية والصدف والطفرات وحوادث الدهر وريب المنون.

هكذا يؤكد النورسي أن “إعطاء احتمال تشكل الأنواع من أزلية المادة وحركة الذرات العشوائية وغيرها من الأمور الباطلة، إنما هو لمجرد إقناع النفس بشيء آخر غير الإيمان بالله، ولا ينشأ هذا الاحتمال إلا من عدم الإدراك، ومن فساد الفكر، بالنظر السطحي العابر. ولكن ما إن قصدَ الإنسان وتوجّه بالذات إلى إقناع نفسه، فلا بد أنه سيقف على محالية الفكرة وبُعدها عن المنطق والعقل، ولو اعتقدها، فلا يعتقد إلا اضطرارًا بالتغافل عن الخالق سبحانه”.

“التطورية” نظرية تنفي عن الإنسان كرامته، ذلك “أن الإنسان المكرم من حيث جوهر إنسانيته، يبحث دومًا عن الحق، ويتحرى الحقيقة دائمًا، وينشد السعادة على الدوام، ولكن أثناء بحثه عن الحق يعثر على الباطل والضلال دون أن يشعر، وأثناء تنقيبه عن الحقيقة يقع الباطل على رأسه بلا اختيار منه؛ أي كلما خاب في الحصول على الحق ويئس من وجدان الحقيقة، قَبِل مضطرًا أمرًا محالاً وغير معقول، يقبله بالنظر السطحي والتبعي، مع أنه يعرف يقينًا بفطرته الأصلية ووجدانه وفكره أنه محال”.

التطورية أو الغفلة الشاملة

التطورية تعبير واقعي عن حالة الغفلة الشاملة التي أصابت إنسان العصر الراهن، إذ لم يسبق أن صادقت الإنسانية -على اختلاف مشاربها ونحلها وأديانها- على أن تتنازل عن حقها في “الجوهر الإنساني”. حقًّا إن هذا شيء عجاب -كما يقول النورسي- حتى إن الإنسان يندم على إنسانيته كلما فكر في هؤلاء الذين يحيلون هذه المصنوعات البديعة إلى المصادفة العمياء وحركة الذرات، ويستغربون صدورها عن الصانع الجليل المتصف بجميع الصفات الكمالية. نعم، إن شأن الباطل هو أنه إذا نظر إليه الإنسان نظر التبعي العابر، يعطى له صحة الاحتمال، بينما إذا أمعن النظر فيه يُرفع ذلك الاحتمال ويدفع.

تُناقض حالة الغفلة حقيقة التذكر الفطري، فالأولى تعبير عن تراجع كلّي لمرجعية الغيب والروح، بينما تفتح الثانية آفاق استرجاع نبض الحياة الحقة، الحياة القادرة على التمييز بين الحقائق الكونية بنور فطرة التوحيد، لذلك يقول النورسي رحمه الله مستغربًا:

“إن ما يسمونه بالمادة، لا تتجرد عن الصورة المتغيرة ولا عن الحركة الحادثة الزائلة، أي إن حدوثها محقق. فيا ترى إن من يضيق عقله عن إدراك أزلية الله سبحانه وهي صفة لازمة ضرورية للذات الجليلة، كيف يتسع عقله لأزلية المادة التي تنافي الأزلية منافاة مطلقة؟! إن القوى والصور الحاصلة من حركة الذرات كما يدّعون، لا تشكل المباينة الجوهرية للأنواع بسبب عَرَضيتها، فالعرض لا يكون جوهرًا قط. بمعنى أن فصول هذه الأنواع والخواص المميزة لعموم الأعراض، إنما هي مخترع من العدم الصرف، والتناسل في التسلسل إنما هو الشرائط الاعتيادية”.

الطبيعة والخلق

إن القول بقدم المادة، وتسلسل الأسباب من غير نهاية، وكذا ادعاء عدم أصالة جنس الكائن، وكونه حلقة ضمن “سلسلة التطور”، سيؤدي إلى بروز “عقيدة جديدة” يمكن الاصطلاح عليها بالدين “الطبيعي” أو “الطبائعية”، والتي يتم التعبير عنها في العادة بمصطلحات ومقولات -من مثل “الطبيعة الخلاقة”، “غضب الطبيعة”، “الطبيعة المنتقمة”- الكائنات التي طورت قدراتها، والحيوانات التي طورت وسائل دفاعية لأجل البقاء، ذلك الحيوان الذي تمكن من البقاء والاستمرارية بفضل قدرته على التكيف والتطور وغيرها.

ما هذه الطبيعة والقوانين والقوى التي يسلّون بها أنفسهم؟ يتساءل النورسي: “إن الطبيعة هي شريعة إلهية فطرية أوقعت نظامًا دقيقًا بين أفعال وعناصر وأعضاء جسد الخليقة المسمى بـ”عالم الشهادة”، هذه الشريعة الفطرية هي التي تسمى بالطبيعة والمطبعة الإلهية.. نعم، إن الطبيعة هي محصلة وخلاصة مجموع القوانين الاعتبارية الجارية في الكون، أما ما يسمونه بـ”القوى” فكل منها حكم من أحكام هذه الشريعة، أما القوانين فكل منها عبارة عن مسألة من مسائلها، ولكن لاستمرار أحكام هذه الشريعة واطراد مسائلها، وتهيؤ النفوس التي ترى الخيال حقيقة وتريها هكذا، تسلّط الخيال وضيق الفهم، فتجسمت الطبيعة حتى أصبحت موجودًا خارجيًّا وتنزلت من الخيال إلى المثال. وكم للوهم من حيل تروج.

لا يقنع العقل، ولا ينجذب الفكر، ولا يأنس نظر الحقيقة إلى كون آثار القدرة التي تتحير منها العقول صادرة من صنعة هذه الطبيعة الشبيهة بالمطبعة، أو من أمور يسمونها قوى عامة. علمًا بأنها تفتقر إلى قابلية لتكون مصدرًا أو علّة لوجود هذه الكائنات، فليس إذن إلا التغافل عن الله الحكيم، وإلا الاضطرار المتولد من إلجاءات الانتظام الجاري في الكون، فيتخيلون الطبيعة مصدرًا وهي ليست إلا مِسطرًا. وما محاولة إنتاج الملزوم الأخص من اللازم الأعم، إلا قياس عقيم. وهذا القياس العقيم فتح الطرق الكثيرة إلى وديان الضلالة والحيرة”.

عند الكينونة الغافلة، غالبًا ما يولد الارتباط السببي بين الكائنات المتعددة داخل الطبيعة، وهم الخالقية والشعور الغامر بقوتها وقدرتها، أي أن “التطورية” استعادت داخل الطبيعة ذلك الشعور الديني المفقود الذي أخفق اللاهوت الكنسي في عرضه وتقديمه.

إن “شريعة الطبيعة” -كما يقول النورسي- هي نظام الأفعال الاختيارية، فمع كثرة المخالفات والخرق، يتصور كثير من الجهلة كأن الشريعة حاكم روحاني، ويتصورون النظام كأنه سلطان معنوي، فيتخيلون أن لهما تأثيرًا.

فالبدوي الذي لم ير الحضارة، إذا ما شاهد حركات الجنود في طابور حركة مطردة، وأطوارًا منسقة وأحوالاً مرتبطة، ظن أن هؤلاء الأفراد العديدين أو الهيئة العسكرية، مرتبط بعضهم ببعض بحبل معنوي! أو أن شخصًا عاميًّا أو ذا طبع شاعري، تراه يتصور النظام الذي يربط الناس بعضهم ببعض، موجودًا معنويًّا، أو يتصور أن الشريعة خليفة روحانية، وهكذا يغالي من يتصور الشريعة الفطرية الإلهية المتعلقة بأحوال الكائنات أنها الطبيعة. تلك الشريعة التي لم تخرق إلا تكريمًا للأنبياء وتصديقًا للأولياء، إذ هي مستمرة دائمة. فكيف لا تتجسم الأوهام على هذا النمط من التصورات؟

وكما أن صفة “النظام” و”النسق” التي تميز علاقات الكائنات في الطبيعة، توهم الإنسان بوحدة الوجود أو بوجود “عقل طبيعي” حاكم، كذلك طبيعة التفكير الإنساني الموسومة بالجزئية، تكرس لديه ألوهية الطبيعة.

إن استماع الإنسان وتكلمه وملاحظته وتفكره -كما يقول النورسي- هو جزئية تتعلق بشيء فشيء على سبيل التعاقب، كذلك همته جزئية لا تشتغل بالأشياء إلا على سبيل التناوب، فبوساطة التعاقب يتعلق بشيء فحسب وينشغل به. ثم إن قيمة الإنسان بنسبة ماهيته، وماهيته بدرجة همته، وهمته بمقدار أهمية المقصد الذي يشتغل به.

ثم إن الإنسان إلى أي شيء توجّه يفنى فيه وينحبس عليه، وكأنه يكون مصداق “الفناء في المقصد”. فبناء على هذه النقطة ترى الناس -في عرفهم- لا يسندون شيئًا خسيسًا وأمرًا جزئيًّا إلى شخص عظيم، بل إلى الوسائل، ظنًا منهم أن الاشتغال بالأمر الخسيس لا يناسب وقاره، وهو لا يتنزل له، ولا يسع الأمر الحقير همته العظيمة، ولا يوازن الأمر الخفيف مع همته العظيمة.

يدرك الإنسان الأشياء عادة من موقع إنسانيته، وفوق ذلك لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا. وحده الإنسان “المتعدي” أو الإنسان “الذاكر” مَن يحكم الكليات، ويجمع الجزئيات، ولا تغرقه التفاصيل، ولا يقتله “اليومي”.. ذلك أن من شأنه إذا تفكر في شيء -يقول النورسي- “يتحرى مقاييسه وأسسه في نفسه وإن لم يجدها فيما حوله وفي أبناء جنسه. حتى إنه إذا تفكر في واجب الوجود المنزّه عن الشبه بالممكنات، تلجئه قوته الواهمة لأن يجعل هذا الوهم السيء المذكور دستورًا، والقياس الخادع منظارًا، مع أن الصانع جل جلاله لا يُنظر إليه من هذه النقطة، إذ لا انحصار لقدرته؛ لأن قدرته وعلمه وإرادته  كضياء الشمس -ولله المثل الأعلى- شاملة لكل شيء وعامة لكل أمر، فكما تتعلق بأعظم شيء تتعلق بأصغره وأخسه. فمقياس عظمته تعالى وميزان كماله سبحانه، مجموع آثاره، لا كل جزء منه، إذ لا يصلح أن يكون مقياسًا. وهكذا فقياس واجب الوجود بالممكنات قياس مع الفارق، ومن الخطأ المحض المحاكمة العقلية بالوهم الباطل المذكور”.

(*) أكاديمي وباحث / المغرب.

المراجع

  • كليات رسائل النور، صيقل الإسلام / محاكمات، لبديع الزمان سعيد النورسي، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة.