لقد مثلت الفترة المعروفة بالحديثة -وهي المبتدئة من القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين- فترة مصيرية في حياة الشعوب الإسلامية؛ إذ تراكمت إبانها تجارب عديدة ومتنوعة في كافة الميادين يمكن أن نسميها “المشكلات الحضارية”، نظرًا لكونها لم تجد لها حلولاً عملية بعد.

وأهم ما ميز الفكر الإسلامي الحديث في هذه الآونة، هو الالتفاف حول مائدة عامة من القضايا التي كانت تؤرق أعلامه وتجد صدى في تجاوب عوامه.

وقد كان لمبادئ الانعتاق والتحرر من التواكل والتحرر من الآخر، مساحة كبيرة في برامج هذا الفكر. إذ كان هذان العنصران في توافقهما واجتماعهما، بمثابة المكبلين للإنسان المسلم والمعيقين له عن الحركة. فنشأ من ثم ما يمكن أن نطلق عليه -وفق تعبير أحد الباحثين الإسلاميين- “صراعًا فكريًّا” عمّ حضوره كل البلاد الإسلامية بدون استثناء، أسفر عن ظهور مبادئ موازية للمبدأين الأولين من مثل: تحقيق الذات الإسلامية أو ترسيخ الهوية -عوض البحث عنها- والتقدم.

جاءت الدعوة إلى تحقيق الذات الإسلامية التي غاب حضورها الفعلي بشكل مريب؛ وذلك قصد التخلص من حالة نفسية عويصة للغاية تصور فيها الإنسان المسلم ذاته شبحًا مخيفًا أو ظلاًّ باهتًا، وإعداد وضع صحي تغيب فيه الدونية والانفصام، وذلك بإكساب الإنسان المسلم شجاعة كافية، كي يتقدم إلى العالم كله باسمه الحقيقي وشكله الأصلي وانتمائه الأصيل وهو عين المبدإ الثاني الذي سميته بترسيخ الهوية عوض البحث عنها، نظرًا لأن أصالة العالم الإسلامي لم تضع منه كي يبحث عنها، بل إنه كتمها إما قسرًا وقهرًا، أو ضعفًا وتواكلاً.

الصراع الفكري

وهنا تظهر مسألة الصراع الفكري على مسرح أحداث العالم الإسلامي، بإثارة مبدإ ثالث هو ضرورة التقدم وكيفية تحقيقه في غياب وصاية الآخر المذمومة والمحبطة للطاقات الإسلامية.
إذا ثبت هذا عند حديثنا عن الفكر الإسلامي بصفة عامة في هذا المجال، فإن هناك عناصر خاصة تميز نوعًا من الفكر الإسلامي عن نوع آخر، وذلك بحسب التنوع البيئي بما فيه السياسي والاجتماعي… والعلائقي في الداخل والخارج.
ولنا في “رسائل النور” التي ألفها الأستاذ سعيد النورسي أنموذجٌ مفصلٌ وشاهدٌ في هذا المقام. إذ هي عبارة عن مادة مكثفة من المقالات والخطب والخواطر والتحليلات والتفسيرات التي انصب جزء كبير منها -إن لم أقل جلها- في تفسير القرآن الكريم. وما تسميتها بـ”رسائل النور” إلا لكونها تطمح إلى الاقتباس من نورانية هذا الكتاب بدورانها في فلكه وقربها منه. فقد “شقت رسائل النور طريقها إلى الحقيقة في موضع العبادة ضمن العلم، وفتحت سبيلاً إلى حقيقة الحقائق في موضع السلوك والأوراد ضمن براهين منطقية، حجج علمية، وكشفت طريقًا مباشرًا إلى الولاية الكبرى في موضع علم التصوف والطريقة ضمن علم الكلام والعقيدة وأصول الدين”.
والقارئ قد يحار تجاه التعريف للرسائل. ما هي هذه المادة بالضبط؟ أهي تصوف أم كلام، خاصة حينما يطلع على كلام صاحبها: “لقد كنت أقول، إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة، فالبدع تحول دون ذلك، مفكرًا في حقائق الإيمان وحدها. ولكن الزمان أظهر أنه يلزم لكل صاحب طريقة -بل الألزم له- أن يدخل دائرة رسائل النور التي هي أوسع الطرق، وتضم خلاصة الطرق الاثنتي عشرة المهمة ضمن دائرة السنة النبوية الشريفة. حيث إن الذي غرق في الخطايا والذنوب من أهل الطريقة، لا يلج في الإلحاد بسهولة ولا يقهر قلبه. ولهذا فهم لا يتزعزعون أبدًا، فيمكنهم إذن أن يكونوا طلاب رسائل النور حقًّا، بشرط ألا يدخلوا -حسب المستطاع- في البدع ولا يرتكبوا الآثام التي تحول دون التقوى وتجرحها”.
إنها ليست شيئًا من هذا، بل إنها هذا كله. فقد توسل الخطاب في رسائل النور بإمكانيات منهجية ومعرفية إسلامية كثيرة، خاصة منها منهج الجدل ومنهج الذوق. إذ إن الاستفادة من القدامى في هذين البابين واردة لا محالة. بل إن مؤلف الرسائل الأستاذ سعيد النورسي، يعطيها أكثر من حظ القدامى والمحدثين أيضًا حين يدعو أهل التصوف إلى الانضواء تحت ظلال رسائل النور، إيمانًا منه بكون الرسائل أقرب إلى الحقيقة القرآنية والربانية من غيرها. فقد جعلت محورًا لها التفكر في الآفاق وفي الأنفس وفق ما ورد في القرآن الكريم.

الأسماء الحسنى 

وعن هذا التفكر يرى النورسي أن رسائل النور تبين أن الموجودات قاطبة، إنما هي مظاهر الأسماء الحسنى، بحيث لا تدع مجالاً للغفلة قط، فلا شيء يكون حائلا دون السكينة والاطمئنان. لذا تكسب قارئها مرتبة واسعة -من الاطمئنان – سعة الكون كله، وتفتح أمامه دائرة عبودية واسعة ودائمة سعة الكون أيضًا. كما أنه -أي النورسي- يؤيد التفصيل في التفكر في الأنفس، ويرى أن هذا الطريق هو أقصر من التفكر في الآفاق وقطعي أيضًا، حتى إنه عندما يعرّف النتيجة التي يتم التوصل إليها بالتفكر النفسي، يعرفها بـ”مرتبة حق اليقين”. وقد قام المؤلف بإضافة قسم بعنوان “شهادة الماهية الإنسانية” إلى خلاصة الخلاصة، التي هي بمثابة خلاصة بالعربية للآية الكبرى التي تشكل مثالاً في التفكر الآفاقي، ويبين أسباب هذه الإضافة في أحد “مكاتيب أميرداغ” على الشكل التالي:
“نعم إن الكون العظيم، يكون أمامي بمثابة حلقة ذكر في أثناء قراءتي لـ”خلاصة”، ولكن لأن لسان كل نوع من الأنواع واسع جدًّا، يتحرك العقل عن طريق الفكر كثيرًا كي يذعن بالأسماء الإلهية وصفاتها بعلم اليقين، وبعد ذلك يتمكن أن يبصر ذلك بوضوح. وعندما ينظر إلى الحقيقة الإنسانية في ذلك المقياس الجامع، وفي تلك الخريطة المصغرة، وفي ذلك النموذج الصادق، وفي ذلك الميزان الصغير، وفي ذلك الشعور بالأنانية، فإنه يصدق تلك الأسماء والصفات بإيمان واطمئنان ووجدان جازم شهودي وإذعاني وبسهولة ويسر”.
وهكذا مهما حاولنا ضبط تعريفنا لرسائل النور، فإننا لن نصيب إذا لم نتتبع وحداتها أو فقراتها بالبحث في ضوء الأحداث والظروف التي كانت تمر بها تركيا عندئذ. فقراءة هذه الرسائل في ذاكرة الفكر الإسلامي في عموميته، أمر فيه مغالطة كبيرة. بل إن الاحتفاظ بالخصوصية الكاملة والتامة لفكر هذه المكتوبات، هو الشرط الأساس لوضع أقدام القارئ على السبيل الصحيح (المواضيع تكاد تكون واحدة، لكن أسلوب المعالجة والأولويات في ترتيب العناصر وغير ذلك ليس واحدًا). فجميع المفكرين في إصلاح أوضاع العالم الإسلامي تطرقوا لمواضيع الاستبداد، والتعليم والعدل، والتنمية… ولكن ما قاله محمد عبده يتميز عمّا قاله محمد إقبال وعما قاله غيرهما، إذ لكل واحد في إطار بيئته، اصطلاحاته الشارحة والباحثة عن الحلول.
وعليه أقول، إنها محاولةٌ لتفسير القرآن، وتفكّرٌ في آيات الآفاق والأنفس، أي نعم، لكن مع إيقاع أو جرس الزمن الاجتماعي والسياسي والحضاري لتركيا الحديثة بهدوئها وضجيجها، بمدها وجزرها.

صيقل الإسلام

وخير ما يعكس هذه الصورة سِفر صيقل الإسلام في مواضع متنوعة، حيث يقول الأستاذ سعيد النورسي في إحدى الفقرات: “لقد ألقيت نظرة إلى رسالة “المناظرات”، وذلك بعد مرور خمس وثلاثين سنة على تأليفها، فرأيت فيها وفي مؤلفات “سعيد القديم” أخطاء وهفوات. إذ ألف تلك الآثار في حالة روحية ولّدها الانقلاب السياسي وأنشأتها مؤثرات خارجية وعوامل محيطة به”.
فلقد أحس بإحساس مسبق أن “رسائل النور” ستنقذ إيمان كثير من المؤمنين وستشد أزرهم، إلا أنه نظر إلى هذا النور من خلال الأحداث السياسية التي واكبت الانقلاب، وحاول تطبيق ما رآه من نور على واقع الحال من دون تعبير ولا تأويل، إلا أنه لم يوفق في التعبير عن بشراه توفيقًا كاملاً، كأننا برسائل النور -على لسان مؤلفها- في التجارب تستعجل أمرًا لم يحن أوانه بعد. (تأييده للجيش وجمعية الاتحاد والترقي).
ولكن بحلول الحرب العالمية وخضها للمجتمع التركي، وخاصة منه تلك العناصر التي كان النورسي يعول عليها في تدشين فجر جديد، تبين له الأمر فعاد “سعيد الجديد” إلى الاستمرار في مهامه وخالف “سعيدًا القديم”.
ولا أرى هذه المخالفة إلا في وجهة واحدة هي الوجهة السياسية، أما فيما عدا ذلك، فنهج رسائل النور بقي حاملاً للروح المبشرة والمؤمنة بغد أفضل، بثقة كبيرة وعزم أكيد.
“إنني أقسم بما آتاني الله من قوة، بل لو كان لي ما لا يعدّ ولا يحصى من الألسنة، لأقسمت بها جميعا بالذي خلق العالم بهذا النظام الأكمل، وخلق الكون في منتهى الحكمة والانتظام من الذرات إلى السيارات السابحات في أجواء الفضاء. ومن جناح البعوضة إلى قناديل النجوم المتلألئة في السماوات… لا يمكن أن يخرج البشر على سنة الله الجارية في الكون، ويخالف بقية إخوانه من طوائف المخلوقات بشروره الكلية ويقضي بغلبة الشر على الخير… فهذا لا يمكن قطعًا”. وتقرير مثل هذا، مسند بقسم غليظ لا يمكن أن يصدر إلا ممن يعرف موطئ أقدامه ونتيجة منطوقه.

المسألة الحضارية

والشيء نفسه نلحظه في كيفية تعليله للمسألة الحضارية حيث يطرح السؤل التالي:
“ما الشر الذي جعل العالم الإسلامي يقف على أعتاب القرون الوسطى، بينما طار الأجانب والأوربيون بخاصة نحو المستقبل؟!”.
الأمر في تمثله، راجع إلى مجموعة من الأدواء التي يعاني منها المسلمون في عهده -وإلى يومنا هذا- من مثل:
1- اليأس: يأس الفرد بالتراكم (=يأسًا مركبًا) عبر سنين متعددة، ترتب عنه وضع نفسي عويص.
2- الكذب: وهو أنواع كثيرة ومراتب متفاوتة.
3- العدوانية والتباغض: وهي ظاهرة نفسية تدل على فقدان التوازن على مستوى شبكة العلاقات الاجتماعية.
4- الجهل: بما عند المسلمين من روابط نورانية، وخاصة تلك التي تربطهم بالآخرة أو بالحياة الأخرى.
5- الاستبداد: وهو حالة نفسية قبل أن تكون سياسية.
6- الذاتية: أو حب الذات والظهور.
فموقع هذه الرسائل يظهر في كونها متفتقة وصادرة عن واقع مصدوم، حيث إن صدمته أتته من تكرار الفشل في تسمية الأشياء بأساميها الحقيقية، ومن الفشل في إعادة الإنسان الإسلامي إلى موضعه الأصلي. فمثلت من ثم ردّ فعل بنّاء حوّل الفرد إلى أمة، حيث ظهرت نتيجة ذلك في المجتمع التركي المعاصر.
ودلت أيضًا على ردّ فعل بنّاء حول الفكرة إلى تجربة ناجحة من ناحية الكيف، وذلك من خلال السلوك العملي لطلبة النور في واقع تركيا الاجتماعي.
وخلاصة الخلاصة أن كاتب الرسائل عاش بين الأفكار الخادعة والأفكار المخدوعة بحثًا عن -وأملا في تحقيق- قاعدة مجتمعية شرعية ثابتة، لا ينخرم فيها أي شرط من الشروط التي تحقق الحياة الكريمة والأخرى السعيدة، وذلك بتوفير عنصرَي الأمن والعدل، لأجل رد الظلم ودفعه عن الإنسان وخاصة المسلم. ونجد في ثنايا هذا الحديث، تذكيرًا بما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته قائلاً: “لا تحسبن الظلم إنما هو أخْذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المقصود، بل الظلم أعم من ذلك. وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقًّا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
(1) الملاحق، لبديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة.
(2) صيقل الإسلام، لبديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة.
(3) مقال “أصول التفكر في رسائل النور”، لـ”أميد شمشك” في المؤتمر العالمي 3 لبديع الزمان سعيد النورسي.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.