إن منطق الحياة في العالم المعاصر يفترض التعدد والاختلاف في الرؤى والأفكار، ولا يمكن محو الاختلافات بمنطق التبسيطات التعسفية. فالعالم الحي هو عالم الحركة الدائمة وعدم الاستقرار وإن كان مصحوبًا بالاحتكاكات الحادة التي تكرس نوعًا من العنف والتطرف والأحقاد وانسداد الآفاق.. والغريب في الأمر، أن أي شيء يحدث في جزء من العالم، يؤثر على الكوكب كله سلبيًّا أو إيجابيًّا، وأية متغيرات محلية، تتبادل بشكل متزايد التأثير والتأثر مع السياق العالمي كله.
وبتزايد هذه التغيرات والتحديات العالمية التي تعيشها الإنسانية عند بداية القرن، أصبح الأمر يتطلب نموذجًا للتراضي والتوافق يحارب التقوقع حول الأنا الضيقة، وينشئ وعيًا عميقًا لدى مختلف الأفراد والشعوب، قصد البحث عن أفضل السبل لكيفية التصرف بحكمة وتوازن أثناء التوترات والأزمات، بشكل يؤدي إلى امتصاص العنف والحد من نزعات التطرف. وهذا ما يدفعنا أن ننطلق من منظومة متكاملة تكون قاعدتها التوازن والعدل والتسامح، تكرس التعددية ونبذ الإرهاب والتطرف بكل أشكاله، بل إقامة الشروط الضرورية لتتحول الصراعات بشكل إيجابي إلى مواقف تعاونية، وذلك للوصول إلى حياة مستقرة بين الجميع يسودها السلام والحب والصفاء.
وباستقراء التاريخ الإنساني عامة والإسلامي خاصة، نجد أن الإسلام -عبر قرون عديدة- في مواجهة لحضارات متعددة وأنظمة متنوعة، تعامل بالحكمة والتعايش السلمي بين أفراد المجتمع واحترام كرامة الإنسان وحقوقه؛ بعدم المحو أو الإهلاك، واستوعب أوضاعها، ووصل بالمجتمع الإنساني إلى أعلى درجات التنظيم على أسس من العدل والمساواة والإخاء والسلم والسلام.
فالناظر بموضوعية في الشريعة الإسلامية، يجد أن الله عز وجل أمر عباده بالاستقامة والاعتدال، ونهاهم عن الغلو والانحلال والتعصب، وأن تحترم التعددية الثقافية والدينية والحضارية، وبذل عدة خيارات مبنية على الوسطية والسلام والعدل والرحمة: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهْمُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(النحل 125).
فالوسطية هي السمة الثابتة والبارزة في كل باب من أبواب الإسلام، بل هي العدسة التي تجمع أشعة المنهج الإسلامي وزاويته التي يرى من خلالها، وطوق النجاة من الانشطارية في المتقابلات المتناقضة التي حدثت في الأمم؛ وهذا ما دفعنا إلى توضيح معالم هذا الأسلوب المبني على العدل والمساواة والسماحة، وكيف أصبح لبنة مركزية لكل سلام ومحبة منشودة عبر العالم.
الوسـطـية طـريق للسلام
إن معاني العدل والخيرية والأفضلية التي تشير إليها كلمة “الوسط”، ليست وحدها التي تحدد معالم الوسطية في الإسلام، فليست المشكلة في جذر المصطلح وإنما في المدلول، لذلك فإن ما يتبادر إلى الذهن أيضًا عند ذكر الوسطية، هو السلام والوئام والعيش في حب وتسامح.
فالإسلام دعوة حية للسلام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)(البقرة:208)، بل هو عنصر أصيل في الإسلام، والدليل على ذلك أن السلام أحد أسماء الله عزوجل في قوله: (هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ)(الحشر:23)؛ والسلام هو الأصل في العلاقات بين الناس أفرادًا وجماعات، والسلام يبدأ في داخل الإنسان قبل أن يصبح ممارسة مع الآخرين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “المسلم مَن سلم الناس من لسانه ويده” (رواه أحمد).
فإشاعة السلام بين أفراد المجتمع والأمم، يحتاج إلى بيئة يسود فيها العدل والتسامح وقبلهما الحب، لأن الحب أصل كل دين، والمحبة هي الحق الذي به خلقت السماوات والأرض، كما أن الخلق والأمر والثواب والعقاب إنما نشأ عن المحبة ولأجلها؛ ونرى هذه العاطفة قد تجسّدتْ طوال الحقب الإسلامية الماضية؛ فقد كان غير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم، يعيشون في ديار الإسلام بسلام وأمان، بل كان بعضهم يتبوأ المناصب العليا في الدولة فكان منهم الوزير والمستشار وغير ذلك؛ والفضل كله يعود إلى قواعد العدل والإنصاف، وعدم التعدي على الغير والعيش معه تحت مظلة وسطية الإسلام.
ولما كان الميزان الحسي -وهو الميزان اليومي- في معاملات الناس، أكد الله تعالى ضرورة العدل فيه في عدة آيات، ليس هناك ما هو أدل من قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(النساء:58). قال الشوكاني في تفسيره لهذه الآية: “هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع، لأن ظاهر الخطاب يشمل جميع الناس”.. إذ يجب أن يكون الحكم بين أصناف الناس جميعًا بالعدل والمساواة، دون النظر في مكانتهم الاجتماعية، أو وظيفتهم الإدارية، أو ثروتهم المالية، وحتى دينهم أو مذهبهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن المقسطين عند الله على منابر من نور: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلوا” (رواه مسلم)، وقال سبحانه أيضًا: “ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً” (رواه مسلم). فتعاليم الدعوة في الإسلام واضحة، يقول تعالى: (اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)(الفاتحة:6)؛ هذه دعوة إلى أن الإسلام هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ويعد هذا لب الوسطية لا إفراط و لا تفريط.
إرسـاء الســلام بـــوسطيـة واعــتــدال
عندما نتحدث عن الوسطية ينبغي أن لا تُفهم على أنها منطقة وسطى تجعل المسلمين بلا رأي واضح، أو مسخ للدين حتى يصير بلا معالم تميزه عن غيره، إنما هي موصولة بالأصل، وليست منقطعة عن العصر تجمع الخير من طرفيه فلا تمالي في دينها ولا تعجز عن المدافعة في أمور دنياها.. بل جل ما تم تبنيه عالميًّا ضمن ما يعرف بأدبيات السلام وثقافة السلام، نجده متأصلاً في أصول شريعتنا، ممنهجًا بأسلوب وسطي في قمة من الرقي. فأجلُّ صور الوسطية، هي تلك المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني، والمحكومة بجملة من الأخلاق، قال عليه أفضل الصلاة والسلام: “إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا” (متفق عليه).
إذا ما ألقينا نظرة على موضوعات السلام كما هو متعارف عليها دوليًّا، والتي دعت إليها الأمم المتحدة منذ تأسيسها في عام 1945م، نجدها تؤكد على مجموعة القيم المتعلقة باحترام الحياة، والاحترام الكامل لجميع حقوق الإنسان، والحريات الأساسية، وتعزيز المساواة، والالتزام بتسوية الصراعات بالوسائل السلمية، والتمسك بمبادئ الحرية والعدل والديمقراطية والتسامح والتضامن والتعاون والتعددية والتنوع الثقافي والحوار والتفاهم، والعمل على نشر ثقافة السلام واللاعنف.. إن كل هذه المبادئ والحقوق الموثقة، سبق أن عاشتها المجتمعات الإسلامية في السابق. يكفى الإسلام شرفًا وفخرًا أن كلمة “الحرب” لم ترد في كتاب الله سبحانه مقرونًا بالدعوة إليها أو الحض عليها أو تمجيدها، بل جاء ذكرها بالذم: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا(محمد:4).
لقد أقام الإسلام دعوته على أسس من الإقناع الحكيم والإرشاد الأمين، يأمر بالمعروف برفق، وينهى عن المنكر بإحسان، لم يتخذ الإكراه وسيلة لنشر وقبول دعوته، ولم يشرع حمل السلاح لإذلال الناس ولا استباحة أملاكهم.. وكل الحروب الإسلامية كانت دفاعية أو وقائية على مر العصور، بل أمر الإسلام أن يلتزم المسلم بالعهد وعدم التعرض للمعاهد بالأذى، والرفق بالأسرى، وعدم الغدر، وعدم الاعتداء على الأطفال والعاجزين.
وأزْيَد من هذا، استطاع الإسلام عن طريق الوسطية، استيعاب كل فئات المجتمع؛ بإرساء مبدأ المساواة على أساس إنساني، فالناس كلهم سواسية في أصل الخليقة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)(النساء:1)، بل وأمر بالإحسان وبر الوالدين وإن كانا غير مسلمين؛ فقد قدمت أم أسماء بنت أبي بكر (وهي مشركة) على ابنتها أسماء، استفتت أسماء النبي عليه الصلاة السلام هل تصلها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “نعم، صِلِي أمك” (رواه البخاري). وكذلك صلة الرحم إن كان فيهم ذو رحم وعيادة مرضاهم، والإحسان إلى فقرائهم وزيارتهم، والإهداء لهم وقبول هديتهم، وتشييع جنائزهم وغيرها.
ولدعم وتعزيز ثقافة السلام، تم صياغة إعلان عُرِف بإعلان ثقافة السلام الذي تطور ليصبح برنامجًا متكاملاً، ومرشدًا عامًّا للحكومات، والمنظمات الدولية، والمجتمع الدولي، وتم تضمينه في إستراتيجية اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة)، والهدف منه التحول نحو ثقافة السلام واللاعنف، وأن يعيش العالم -بمختلف ثقافاته- في جو من التسامح والوحدة، ونبذ العنف، ونشر مفاهيم التعايش السلمي، واحترام حقوق الآخرين وحرياتهم وتراثهم.. وذلك عن طريق توظيف التعليم، حيث ينبغي للتعليم -من أجل ثقافة السلام واللاعنف- أن يتبع النهج الذي تنص عليه اتفاقية حقوق الطفل، أي المنهج الداعي إلى إعداد الطفل لحياة تستشعر المسؤولية في مجتمع يسوده التفاهم والسلم والتسامح والمساواة بين الجنسين، والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات الوطنية والدينية.. لأن الأطفال هم موقع ضرر ومعاناة هائلين، من خلال أشكال العنف المختلفة على جميع أصعدة المجتمع في أنحاء العالم كافة.
ومن أجل إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب، ينبغي التحول من ثقافة الحرب والعنف إلى ثقافة السلام، أي الثقافة التي تدعو إلى احترام حياة كل إنسان وكرامته، دون تحامل أو تمييز من أي نوع.. ومن هنا جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتبار سنة 2000م هي “السنة الدولية لثقافة السلام”، كما تبنت العقد الأول من القرن الجديد (2001-2010م) هو “العقد الدولي لثقافة السلام واللاعنف من أجل أطفال العالم”.. والملفت للنظر أن بنود هذا العهد لا تتعارض مع توجيهات الإسلام؛ فعناصر ثقافة السلام مدعاة ليقوم المسلمون بالمبادرة نحو القضايا الإنسانية، ذلك أن تعاليمه بسيطة وسهلة، وأحكامه الشرعية تتسم بالمرونة، ولها قابلية التجديد، وتتمشى مع مقتضيات العصر والمسائل المستجدة، رحمة بالناس.. لهذا نجد عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: “هلك المتنطعون، قالها ثلاثًا” (رواه مسلم)، أي أن الهلاك من نصيب أولئك الذين يغالون في الأقوال والأفعال، ويتجاوزون الحدود المرسومة لهم.
ولا بد من الإشارة في هذا الإطار إلى مقولة لـ” جياندو مينيكو بيكو” (Giando Minico Picco) الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة لسنة 2001م لحوار الحضارات، أن “ليس التاريخ هو ما يقتل، ليست الديانات هي التي تغتصب النساء، وليس نقاء الدم هو الذي يهدم البيوت.. فقط الأفراد هم من يفعلون ذلك”.
ونختم بالقول إن الإنسان بإنسانيته لا بزمانه ولا مكانه، علينا البحث دائمًا عما وراء الفكرة، وما لا تراه العين، وما لا تسمعه الأذن.

(*) أستاذة باحثة متخصصة في شؤون الطاقة والبيئة والتنمية / المغرب.
المراجع
(1) السلام أولا تحديث مسارات سلام، أوري سفير، ترجمة: بدر عقيلي، دار الجليل للنشر، الأردن 2007م.
(2) الهوية وثقافة السلام، فؤاد بدوي بطرس، طباعة برناديت إسكندر 2008م.
(3) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض 1421هـ/1999م.
(4) فتح القدير، الشوكاني محمد بن علي بن محمد بن عبد الله، دار الكلم الطيب، دمشق 1414هـ/1993م.
(5) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، أبو السعود محمد بن محمد، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(6) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج إبراهيم بن السري بن سهل، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، ط1، بيروت 1418هـ/1988م.
(7) الصحيح، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1174هـ/1924م.
(8) للمزيد عن ثقافة السلام وإعلان السلام الدولي انظر الميثاق التأسيسي لمنظمة الأمم المتحدة والعلوم والثقافة/اليونسكو على الموقع: http:/www.unesco.org.
(9) تقرير ثقافة السلام في العالم، تقرير المجتمع المدني في منتصف عقد ثقافة السلام، مؤسسة ثقافة السلام، ترجمة وتحرير: محسن يوسف، منتدى الإصلاح العربي، مكتبة الإسكندرية 2005م.
(10) فقه البيئة والوجه الحضاري في رعايتها، جميلة مرابط، دار النشر نور 2017م.