قد تظن أن أعماق البحار والمحيطات من أكثر مناطق كوكبنا هدوءًا، وقد تعتقد أن الطير والإنسان هما فقط القادران على عزف الموسيقي والتغني بالألحان؛ لكن بانت أمور بددت هذا الظن، وغيرت ذلك الاعتقاد، فلو وزعت جوائز للموسيقي والغناء علي مخلوقات وجمادات تلك الأعماق.. لكانت أكثر الميداليات الذهبية من نصيب “الحوت الأحدب “Humpback whale” وسينالها لموسيقاه الطويلة، وأغانيه المتنوعة، فبلا حركة، وهو معلق علي عمق 18 مترا، ورأسه لأسفل وذيله لأعلي، يعزف ذكر “الحوت الأحدب” أغنيته الجذابة، وبقربه ذكر أخر يردد نفس النغمة المكونة من 10-15 مقطعًا صغيرًا تُشكل سبع عبارات موسيقية، وقد يحلو تكرارها مرات عديدة، حيث تتداخل أصوات المطربين مع دندنات المُرددين المنشدين لتكون “جوقة” تترنم بنغمات تتباين ما بين “أنين هادئ”، و”صيحات نفخ في بوق”، وانطلاقات طويلة عالية الطبقات.

موسيقي مليئة بالأسرار

موسيقي وأغان مليئة بألغاز وأسرار، وكثير معان. فلا يُعرف علي وجه الدقة كيف تصدر الحيتان هذه الأصوات المنغمة، فليس لديهم أحبال صوتية كالبشر، كما أن أفواهها لا تتحرك عندما تُغني، وكان يعتقد أن غناء ذكور الحيتان هو لجذب الإناث كما تفعل ذكور الطيور، لكن عندما سجل المختصون غناء ذكور “الحوت الأحدب” شوهد انجذاب الذكور الأخرى وليس الإناث، ولعل تفسير هذا أن الإناث قد لا تنجذب لذكر واحد بعينه، فغناء أحدهم يجذب ذكورًا آخرين لمشاركته ترديد نفس الأغنية، مما يعضد “إيصال رسالتها” بصوت أعلى ولمسافات أبعد حتى تسمعها الإناث، كما تغير الحيتان موسيقاها وأغانيها تدريجيًّا مع مرور الوقت مضيفة نغمات جديدة ومبتكرة، و”الحوت الأحدب” سباح ماهر يقوم بحركات بهلوانية باهرة، فكثيراً ما يتقافز فوق سطح الماء وبطنه لأعلى ثم يستدير في الهواء ويعود ليغطس برأسه في الماء. ويهاجر نحو 5000 حوت من هذه الثدييات البحرية من “ألاسكا” إلى “هاوي” في موسم التزاوج والذي يستمر ما بين نوفمبر- مايو، ونادرًا ما تغني الحيتان في “ألاسكا”، لكنها في “هاوي” تعاود التلحين وترديد أغانيها التي تركتها منذ ستة أشهر، ويواصل الباحثون المراقبة والاستمتاع بهذه الأغاني المدهشة محاولين حل ألغازها، والكشف عن أسرارها.

في المحيط الهادي تم رصد صوت عال وغريب أُطلقَ عليه بلوب”Bloob”، وقد التقطته المسجِّلات الصَّوتيَّة في أعماق البحر عام 1997، رغم أنَّ البلوب من أعلى وأشد الأصوات التي سُجلت في أعماق المحيطات على الإطلاق

كما يرصدون جائزة أعلى صوت موسيقى وستكون من نصيب الحوت الأزرق Blue whale فصوت موسيقاه ” كالدمدمة” تصل قوته نحو 188 ديسيبل وهو صوت يعلو على صوت طائرة نفاثة. كما تتمتع الدلافين بنظام اتصالات “صوتي/ سمعي” فريد ومتنوع، تتخاطب وتتواصل به فيما بينها ويبعدها عن المخاطر، ويحدد لها الأبعاد والأشياء، والفرائس وسط ظلام دامس، كما وُهبت نظام توجيه فوق صوتي”Ultrasound”ويشبه السونار الذي تستخدمه السفن، والغواصات، واستغلت جيوش كبرى هذه الموهبة لتدريبها على كشف إزالة الألغام البحرية.

صوت “بلوب”، وأخواته

في المحيط الهادي تم رصد صوت عال وغريب أُطلقَ عليه بلوب”Bloob”، وقد التقطته المسجِّلات الصَّوتيَّة في أعماق البحر عام 1997، رغم أنَّ البلوب من أعلى وأشد الأصوات التي سُجلت في أعماق المحيطات على الإطلاق، إلا أنَّ مصدرهُ لا يزالُ مجهولَا، ذلك أنه تم تحديد مكان حدوث الصوت عند السَّاحل الجَّنوبيّ لأميركا الجَّنوبيَّة، وقد كان مسموعًا من على بعد 5000 كلم. ورغم تشابه الصوت الكبير مع أصوات الأحياءِ المائيَّة، إلا أنَّه لا يُعرف حيوانٌ حتى الآن، وحتى الحوت الأزرق، يمكنهُ إصدار هذا الصَّوت القويِّ، فصوت Bloob يفتح فرضيَّة وجود أحياءٍ عملاقةٍ، غير مكتشفةٍ في أعماقِ البحارِ المظلمةِ، كما يوجدُ هناك احتمالٌ آخر، يفترضُ أنَّ هذا الصَّوت ناتجٌ عن انفصالِ الجِّبال الجَّليديَّة. وقد تمَّ تسجيلٌ عدة أصواتٍ أخرى مشابهة ولكن لم يتم تسجيل أي بلوب منذُ عام 1997.

ويعود أصل الموضوع إلي عام 1960، خلالَ الحربِ الباردةِ، ثبَّتتْ البحريّةُ الأمريكيّة شبكةً سرّيَّةً للغاية من الميكروفوناتِ تحتَ سطحِ الماءِ، أُطلقَ عليها الهيدروفونات “hydrophones”، وذلكَ لتعقّبِ وسماعِ تحركاتِ الغواصاتِ النَّوويَّةِ السّوفيتيَّة. وسُمي هذا النِّظام نظامَ مراقبةِ الصَّوتِ “SOSUS” وعلى مدى عقود.. كان وجودها يعتبر سرًا عسكريًا هائلًا وتحتَ حراسةٍ مشددةٍ. وعندما انهارَ الاتحادُ السّوفيتيُّ عام 1991 وانتهت الحربُ الباردةُ، أصبحَ نظامُ مراقبةِ الصوتِ مُتاحًا لعلماءِ المحيطاتِ لأغراض البحث، وكانَ ذلكَ بتوجيهٍ من الإدارةِ الوطنيّةِ للمحيطات والغلاف الجَّويِّ “NOAA”، ولأنَّ الموجات الصَّوتيّة تُسافرُ لمسافاتٍ أبعدَ تحتَ الماءِ أكثرَ مما تفعلُ في الهواء، فقد تمكَّن علماءُ المحيطاتِ من استخدامِ الميكروفونات للاستماعِ لأيِّ شيءٍ بدءً من نداءاتِ الحوتِ وصولاً للزلازلِ تحت سطحِ البحرِ.

وفي يونيو عام 1997، التقطَ نظامُ مراقبةِ الصّوتِ صوتًا غريبًا بواسطة هيدروفونٍ مائيٍّ مستقلٍ. تبلغُ مدتهُ حوالي الدقيقة الواحدة ويتكون من تردداتٍ منخفضةٍ جدًا “تحت صوتيّة” وغير قابلةٍ للكشفِ بواسطةِ آذانِ الإنسان، وارتفعَ ترددُ الصّوتِ بسرعةٍ، ثمَّ توقَّف. شدةُ الصّوتِ هو ما أثارَ حيرةَ الباحثين، فقد كان واحدًا من أعلى الأصواتِ تحتَ الماءِ التي تمَّ تَسجيلها على الإطلاق. خلالَ الأسابيعِ القليلةِ التاليةِ، سُجِّلت أيضًا أصواتٌ مماثلةٌ في المحيط الهنديِّ بواسطة نظامٍ آخرَ من ميكروفونات البحوثِ ذاتيةِ التَّحكم تُدعى (نظام مراقبة الصَّوت في المحيط الهادئ الاستوائي)، وأصبحت هذهِ الأصواتُ الغريبةٌ معروفةً باسم (Bloob).

وفقًا لوصف NOAA يرتفعُ التَّرددُ بسرعةٍ لمدّةِ دقيقةٍ واحدةٍ تقريبًا وسعةُ التَّردد كافية ليتم الاستماعُ إليهِ بواسطةِ العديدِ من أجهزةِ الاستشعار، وفي مدىً أكبرَ من خمسةِ آلافِ كيلومتر. ولا يعتقدُ أنَّ مصدرهُ من صنعِ الإنسانِ (غواصةٍ أو قنبلةٍ)، ولا من الأحداثِ الجِّيولوجيةِ المعروفةِ (البراكين أو الزلازل)، ومع ذلك فإن هذا الصوت يُماثلُ كائنًا حيًّا، وذلك ما جعلَ مصدرهُ لغزًا محيرًا، لأنهُ مختلفٌ للغايةِ عن الأصواتِ المعروفةِ ولأنهُ أعلى مراتٍ عديدةٍ من أعلى الأصواتِ المسجَّلةِ لكائنٍ حيٍّ وهو الحوت الأزرق.

رصد العلماء في خندق “ماريانا” ومن خلال تسجيلات، أصوات حيتان ودلافين مرت بالمنطقة، كما أمكن الاستماع إلى صوت محرك سفينة فضلاً عن أنهم سجلوا أصوات زلزال ضرب المنطقة.

وقد نَسبَ مصدرَ الصَّوتِ بشكلٍ مبدئيٍ لظواهرَ زلزاليةٍ جليديةٍ كبيرةٍ، وذلك لأنَّ العديد من الزلازل الجًّليدية تشتركُ في صورٍ طيفيَّةٍ مشابهةٍ لبلوب، وأيضًا لأنَّ السِّعة اللازمة لاكتشافها تتجاوزُ مداها خمسة آلاف كيلومتر، وتمَّ معرفةُ ذلكَ أثناءَ تتبعِ جبل الجليد A53a الذي تفككَ قربَ جزرِ جورجيا الجَّنوبيَّة في بدايةِ العام 2008، وإذا كانَ هذا بالفعل هو أصلُ صَّوتِ “بلوب” فإنَّ جبالَ الجليدِ التي ساهمت في توليدِ الصَّوتِ كانت في الغالب بين مضيقِ برانسفيلد وبحر روس، أو ربما في كيب أدار، الذي هو مصدرٌ معروفٌ جدًا لإشاراتِ التَّجميدِ.

أصوات أخرى غامضة

تم تسجيل الصوت جوليا “Julia” بتاريخ الأول من مارس عام 1999، وقالت NOAA أن مصدرَ الصوت هو في الغالبِ جبلٌ جليديٌ ضخمٌ اصطدمَ بالأرضِ قبالةَ أنتاركتيكا. تم أيضًا تسجيلُ الصَّوتِ تبطئ “slow down” بتاريخ التاسع عشر من مايو عام 1997 في المحيط الهادئ الاستوائي، وتمت تسميتهُ بذلكَ لأنَّ ترددَ الصَّوتِ ينخفضُ ببطءٍ في حوالي سبع دقائق، ولأنَّ طيفيات اهتزازات الصَّوت صادرةٌ عن احتكاكٍ مشابهٍ لطيفيةِ التباطؤ. وسُجل صوتٌ آخرٌ قطار “Train” بتاريخ الخامس من مارس عام 1997، ويرتفع الصَّوت إلى ترددٍ شبه ثابتٍ، ووفقًا لـ NOAA فإنَّ مصدرَ الصَّوتِ على الأغلب هو اصطدامُ جبلٍ جليديٍ هائلٍ بالأرض في بحر روس قربَ كيب أدا.

خندق “ماريانا”

يعد خندق “ماريانا” أعمق جزء معروف في محيطات الأرض، ويقع بين اليابان شمالاً وأستراليا جنوبًا، ويتميز بأعماق تصل إلى 36000 قدم. وقد قام علماء تابعون للإدارة الوطنية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي بجامعة ولاية أوريغون وقوات خفر السواحل الأميركي، بإرسال جهاز، في مهمة لمدة 3 أسابيع، لاستخدامه في التنصت على قاع خندق ماريانا، ورصد العلماء من خلال تسجيلات هذا الجهاز، أصوات حيتان ودلافين مرت بالمنطقة، كما أمكن الاستماع إلى صوت محرك سفينة فضلاً عن أنهم سجلوا أصوات زلزال ضرب المنطقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.