“الموسيقى قانون أخلاقي.. إنها تمنح الكون روحًا، والعقل أجنحة، والحزن جمالًا، والمخيلة قدرة على التحليق.. إنها تمنح الحياة بهجة وسرورًا، بل إنها لب النظام الذي يقود إلى كل ما هو خير وعدل وجميل” (أفلاطون).
إن الموسيقى التي تحيطنا من كل جانب، مسجَّلة كانت أم طبيعية أم صامتة هادئة، موجودة في الحقيقة. وقد استنبط القدماء اسم “الموسيقى الكونية” لاعتقادهم بأن النجوم والكواكب في السماء تغنّي. وقد نرى الإنجيل يتحدث عن السماوات التي تسبّح الله فيقول: “سبّحيه أيتها الشمس والقمر، سبّحيه يا جميع كواكب النور، سبّحيه يا سماء السماوات، ويا أيتها المياه التي فوق السماوات” (المزامير 148:3-4)، ويقول القرآن: ﴿يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾(الجمعة:1).
وللموسيقى تأثيرات شتى؛ تشفي الروح تارة وتسقم الجسم تارة أخرى، تسمو بالخيال تارة وتهبط به تارة أخرى، تُدمِع العين تارة وتشرح الصدر تارة أخرى… إنما كل ذلك يعتمد على نوع الموسيقى التي نسمعها. وليست الموسيقى إلا إكسيرًا للحياة وغذاء شافيًا لها.
وقد تطرب الروح والحياة بصدى النغمات، وجمالية الإيقاعات التي تتردد في هذا الكون، وفي حال انضمام هذه النغمات بالألحان الموسيقية بطريقة من الطرق، كان لها الأثر الكبير على العقل والجسم والوجدان. وهل الجسم إلا أداة يشبه آلة العزف فينهل من معين الموسيقى فيتغذى بنغماتها المثيرة الرقيقة ويرتوي… وهل القلب إلا وعاء يختزن في أعماقه النغمات الساحرة الأخاذة!..

الموسيقى لغة كونية

الموسيقى لغة كونية تخاطب كل المخلوقات، حتى إن الأصمّ يشعر بالموسيقى ويحس بها من خلال الاهتزازات أو الذبذبات التي تنبعث منها. ثم إن الموسيقى، لغة تخترق حواجز أصوات اللغات البشرية، وتكشف عن كل التفاصيل السرية في الكون والكائنات.
بالإضافة إلى ذلك، فإن النباتات والحيوانات أيضًا، تستجيب لنداء الموسيقى. وقد بيّنت الدراسات العلمية، أن هناك تأثيرات ملحوظة للأصوات الموسيقية ونغماتها، في نمو النباتات بمختلف أنواعها وأجناسها، كما بيّنت الدراسات العلمية أيضًا، أن البقرة تزداد حليبًا إبان سماعها الموسيقى الهادئة الكلاسيكية.
فهذا التأثير الذي أحدثته الموسيقى، أدى إلى استخدامها عند القدماء من الإغريق، والهند، وبلاد ما بين النهرين، في شفاء الأرواح والأبدان العليلة.
فقدماء الإغريق -مثلاً- استخدموا الموسيقى لتهيئة أجواء من الطمأنينة والراحة النفسية التي تساعد -باعتقادهم- على شفاء المرضى. وقد رأى “ديموقريطس” أن أنواعًا من الأمراض يمكن أن تعالَج بصوت المزمار، وكذلك “أبقراط” استخدم الموسيقى للشفاء من الأمراض. كما أدرك أفلاطون وسقراط وفيثاغورث تأثير الموسيقى في الشفاء من الأمراض والتخلص منها، بالإضافة إلى نصيحة هوميروس بالموسيقى من أجل التخلص من العواطف السلبية والحالات العصبية.

الموسيقى شافية للروح

لقد سميت الموسيقى في مصر -من قبَل الكهنة الأطباء- بـ”شافية الروح”، وتم استعمالها في معالجة الأمراض الجسمية والاضطرابات العصبية وتخفيف آلام المخاض. في حين نرى أوراق البردي (1550 قبل الميلاد) -وهي من أقدم الوثائق الطبية التي تم العثور عليها- كتب عليها العزائم التي كان يهتف بها لشفاء المريض.
وفي الهند قديمًا، رأى مؤرخو علم الموسيقى، أن الصحة هي التدفق المتوازن للطاقة من دورة العقل والجسم. وعندما يختل تدفق الطاقة أو يعاق، يصاب الجسم بالمرض، لذلك قاموا باستخدام الصوت كعلاج لإعادة التناغم والتوازن للجسم والعقل.
إن جوهر العلاج بالموسيقى والأصوات عند الهنديين، كان يقوم على ترتيب النغمات المختلفة حسب الأوقات المختلفة في الأيام والليالي والفصول المختلفة. وفي سبيل إعادة نظام الجسم، كان على المعالجين معرفة تأثير النغمات على كيمياء الجسم. وبتعبير آخر، فإن انتقاء اللحن -المسمى عندهم بـ”الرجا”- كان يعتمد على المرض الذي يُطلب الشفاء منه.
هذا وقد تطور في العهد العباسي (750-1257) العديد من فنون العلاج، فأقيمت المشافي والمدارس الطبية في أرجاء العالم الإسلامي، بالاعتماد على الطب العربي الإغريقي، وتم تطبيق طرق عديدة في العلاج منها الموسيقى، والروائح الطيبة، وصوت خرير المياه، وقراءة القرآن… وقد تم استخدام قراءة القرآن في شفاء المريض منذ عصر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. وقد استخدم أطباء هذا العهد الموسيقى -خصوصًا- في معالجة الأمراض العقلية والكآبة النفسية.

العلاج بالموسيقى

وفي هذه الفترة نبغ الأطباء في استنباط طرائق وأساليب عديدة في العلاج، من ذلك استخدامهم الموسيقى في علاج المرضى النفسيين أو المصابين بخلل عقلي. فأبو بكر الرازي (834-932) اهتم بمرضى الكآبة ولا سيما الذين عانوا من الحزن، حيث شملت جلّ أعماله الطبية، سماع الموسيقى التي أنشدت من الأصوات الجميلة. وأبو نصر الفارابي (870-950) الذي منحه الله عددًا من المواهب، اخترع عددًا من الآلات الموسيقية وعزف عليها بمهارة عالية، كما أنه أوجد نظام النغم العربي المستعمل إلى يومنا هذا، فقال الفارابي في كتابه “الموسيقى” مبديًا معايير الجمال في الموسيقى: “الموسيقى تقوي المزاج، وتهذّب الأخلاق، وتثبت العاطفة، وتنمي الروح. إنها مفيدة للصحة الجسمية، وإذا مرضت الروح مرض الجسم أيضًا. كما أن الموسيقى التي تشفي الروح، تعيد إلى الجسم صحته وحيويته من جديد”. وابن سينا (980-1037) الذي عُرف في الغرب باسم “أفي سينا” قد تأثر كثيرًا بالفارابي وقال: “إن أهم أنواع المعالجة المؤثرة، هي تعزيز الطاقة العقلية والروحية للمريض، ليقوى على مقاومة المرض بواسطة بيئة مليئة بالبهجة والسرور، وبطريق عزفِ أفضل أنواع الموسيقى، وإحاطته بمن يحب من الناس”.
وأما في العهد العثماني (1299-1923) فقد استعمل “موسى بن هامون” الذي كان طبيب القصر في عهد السلطان سليمان القانوني (1491-1566)، العلاج بالموسيقى في آلام الأسنان والاضطرابات العقلية الولادية. وقد ذكر السلطان السلجوقي “غياث الدين” في إحدى كتاباته، بأن علماء الهند نصحوا الأطباء بدراسة الألحان والموسيقى، وأن هذا العلم ضروري للأطباء، مثله تمامًا مثل التشخيص بالاعتماد على خفايا النبض، ومن ثم يمكن للمريض أن يشفى من مرضه إبان سماعه إلى بعض ألحان الموسيقى.

الموسيقى عبر الزمن

ومنذ قرون طويلة، وفي ثقافات مختلفة وأديان متنوعة، تم الجمع بين الموسيقى والرقص في عبادة الله. ووفقًا للعهد القديم فإن النبي داود عليه السلام ملك بني إسرائيل، رقص أمام الربّ تعبّدًا وإجلالاً له (2 صموئيل 6:14). وكذلك تقول الروايات الإسلامية أن النبي داود عليه السلام عبَد الله، وبلغتْ تسبيحاته من القوة ما بلغتْ؛ إذ سبَّحتْ معه الجبالُ والنباتات والحيوانات وتجاوبت مع ندائه: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾(الأنبياء:79).
وعليه، فقد أدرك المتصوفة قوة الموسيقى فاستعملوها في طقوسهم الدينية، وكذلك في الاضطرابات العقلية والعصبية. واعتقدوا أن الأدوات الموسيقية التي استعملوها، لها خصائص علاجية تختلف عن الأدوات الأخرى. فالناي والمزمار ومزمار القصب من الآلات الموسيقية المهمة، وقد عثر على الناي في حفريات “أور” ولوحات القبور، كما كان يعتقَد أنه يزيل الهموم ويجلب أنماط النوم الصحي، وكانوا يزعمون أن العود يفيد في تسكين آلام الرأس والسوداوية. وكذلك تم استخدام طبل ناغارا، في التخفيف من السوداوية ومن الإنهاك الجسدي والعقلي.
وقد اعتبرت القيثارة من أقدم الآلات الموسيقية في العالم، حيث اقترنت لمدة طويلة بالملائكة والجنة، وكانت رمزًا للانتعاش والراحة، بصوتها الأثيري السماوي، الأمر الذي جعلها تستخدَم من قبَل حضارات عديدة في أعمال العلاج. وكان فيثاغورث يرى أن أوتار القيثارة رمز لنظام الأعصاب. وتروي الروايات القديمة بأن النبي داود، كان صغيرًا يرعى الغنم، فقام بالعزف على القيثارة ليخفف الآلام الذهنية للملك شاؤول إذ ابتلي بالأرواح الشريرة.(1 صموئيل 14:16-17، 21-23).
هذا وقد استخدم الأوربيون الموسيقى في العلاج قبل عصر التنوير أو عصر العقلنة. إذ كان دير “كوني” العظيم في جنوب فرنسا، مركزًا لعلاج المرضى وإراحة الميت بالأناشيد والتراتيل والعزف على القيثارة. وفي إزالة الكآبة كتب “روبرت بيرتون” بأن الموسيقى هي قوة عظيمة تطرد الأمراض، وأنها علاج قوي تدفع اليأس والكآبة، بل إنها تطرد الشيطان نفسه.

الابتعاد عن الموسيقى

عندما تقدم العلم في أوربا، واعتُمد فيه على العقل والعقلنة، استبعدت فكرة استعمال الموسيقى كدواء. وما الطريقة التحليلية المتبعة اليوم في الطب، إلا إشارة إلى ندرة الأطباء الذين يستعملون الموسيقى أو يقبلون عليها كعلاج للمرضى، وهذا أدى مع مرور الأيام، إلى التباعد في العلاقة بين الروح والجسد، وبالتالي أضحت الموسيقى شكلاً من أشكال الفن وأداة للتسلية والترفيه. ومع مرور الأيام، نسي الغرب أثر الموسيقى في العلاج النفسي، ولم تعاود الظهور إلا بعد الحرب العالمية الأولى.
ونحن اليوم، نكتشف وندرك ما عرفه الفارابي قبل ما يزيد عن ألف سنة: “إذا مرضت الروح مرض الجسد أيضًا”. وقد ظهر العلاج بالموسيقى بعد الحرب العالمية الأولى والثانية في أمريكا. فالموسيقيون المحليون -سواء الهواة منهم أم المتخصصون- ذهبوا إلى مشافي المحاربين القدامى بغية أن يعزفوا الموسيقى ويكونوا سببًا في عافية أبدان الجنود وأرواحهم. وعندما بدأ الدكتور “محمد أوز” -وهو طبيب تركي متخصص في جراحة القلب والصدر ومشهور في العالم- بتشغيل أشرطة الموسيقى الصوفية، قبل إجراء العملية الجراحية وفي أثنائها وحتى بعدها، وجد المرضى -نتيجة لسماعهم الموسيقى- أقل اكتئابًا وإرهاقًا من المرضى الآخرين، وأنهم تماثلوا للشفاء بشكل سريع وملحوظ، وأنهم خرجوا من المستشفى قبل غيرهم. ومن ثم كتب الدكتور أوز في معالجة القلب، وضمّن ذلك نتائج استخدام المقامات الموسيقية التركية أثناء معالجة مرضى السبات في عيادته، حيث استيقظ 29% من المرضى من سباتهم، بعد سماعهم المقامات الموسيقية هذه.

الموسيقى دافع للإبداع

أفادت الدراسات أن الطلاب الذين يعزفون على شكل أوركسترا في مدارسهم، حصلوا على علامات ومعدلات عالية جدًا. كما أن تعلّم العزف على آلة موسيقية، تطوِّر من إقامة الجسر في الجسم الثفني بين الجزء اليساري واليميني من الدماغ.
ويذكر “كامبيل” أن الجسم الثفني للموسيقيين أسمك، ومتطور أكثر عن الناس الآخرين. وهذا يعزز من الفكرة القائلة بأن الموسيقى توسع من المسارات العصبية وتحفز على التعلّم والإبداع. وكما تبيّن دراسة أخرى، أن قادة العازفين والعرفاء في الفرقة الموسيقية من الطلاب، حصلوا في القراءة على نقاط أعلى من الطلاب الآخرين في قسم اللغة الإنكليزية، والعلوم الطبيعية، والكيمياء، والرياضيات.
وبالتالي عندما تكون أصوات الآلات في تنافر ضمن الأوركسترا، فإنها تسبب تنافرًا في أداء الجسم، وأفكارًا سلبية في مجريات العقل، الأمر الذي يؤدي بالمرء إلى الاعتلال في الصحة الجسمية والعقلية. وينبغي أن تُجرى المزيد من الدراسات، لاكتشاف المحفزات الكيميائية الخفية التي تحرر العواطف والأحاسيس المدفونة المكتومة التي تؤدي إلى الإصابة بالمرض.
إن الموسيقى في جوهرها شيء غير ملموس، لكنها تقاس بالاهتزازات والأمواج الصوتية والذبذبات، ولكن هذه العوامل أيضًا، لا تكفي لتفسير الموسيقى وكيفية تأثيرها فينا. ولعل الأفضل أن يقال: “إن الموسيقى هبة من الله لنا، تخفف من وطأة معاناتنا في هذا العالم، وتذكّرنا بفعل الخير، وتذكّرنا برحمة الله الواسعة، بالإضافة إلى أنها تساعدنا على أن نتصل بالله في مستويات أعمق، بل إنها السبيل الموصل إلى الجنة في لمحة بصر.
ـــــــــــــــــــــــ
(*) الترجمة عن الإنكليزية: د. حمزة حمزة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.