لا شك أن “القُنْدُس” مهندس بارع في عالم الحيوان، ينتمي للقوارض المائية فيشيد -بأسنانه الحادة التي تشبه الإزميل- السدودَ والمساكن من أخشاب الأشجار. يتراوح عرض السد -الذي يقيمه زوج القندس- من متر إلى مائة متر، ثم يبني بيته وسط البركة جاعلاً مدخله تحت سطح الماء لحمايته من الأعداء. ويبلغ طول الأنفاق المؤدية لمسكنه أمتارًا، إذ تؤدي النهاية العليا للنفق إلى غرفة تتسع لإيواء أسرته مغطاة بطبقة من الطين المتماسك الجيّد الصرف لوجود أعواد خشبية بأسفله. إنه يبني مسكنه عبر تكديس الأعواد الخشبية والطين تاركًا فتحة تهوية علوية، ثم يحفر بفمه التربة ليكوّن الأنفاق والغرفة الرئيسية، وقد يكوّن الطين المتساقط من بين الأعواد الخشبية أرضيةَ الغرفة. وعادة ما تحصل القنادس على المواد اللازمة للبناء بإسقاط الأشجار ليلاً، ويمكن قرض جذع شجرة قطرها 30 سم في ليلتين مع العمل الدؤوب. ومن ثم تُفصل الفروع عن الجذع وتُجزَّأ إلى قطع يبلغ طول كل منها قدمًا.
وفي الحفر والتنقيب يبرع “الغرير” الأوربي، وهو من الثدييات البرية اللاحمة التي تقتات على الجرذان والزواحف، وأرجله مزودة بمخالب طويلة تساعده على الحفر والصيد، لذا يعيش في “شبكة” طويلة من الأوجار (الأنفاق)، وحجرات النوم المبطنة بالتبن وأوراق الشجر. وما يرثه من جحور عن آبائه يضيف إليها دهاليز جديدة وبعض الحجرات. وقد يعيش في الجحر نحو 35 حيوانًا، ويبني في الجحر منافذ إضافية لتمكنه من الهروب السريع. وقد عُثر على جحر له 178 مدخلاً، ويتكون من 50 حجرة، ويربط فيما بينها نظام دهاليز تصل في مجموعها إلى طول 880 مترًا، ويهتم بشدة بنظافة جحره، حيث يبني “مراحيض” للتبرز بعيدًا عن الجحر. وهناك شواهد “لدفنه” أفرادًا من عائلته بعد نفوقهم. ويمكن للغُرَير العيش 15 عامًا، لكن يكثر اصطياده طمعًا بجلده ووبره الجميل.
وترتبط الحيوانات بمساكنها التي شيدتها أو ولدت ونشأت فيها؛ فلا يبتعد “الأرنب ثلجي القبقاب” لمسافة أكثر من نصف كلم من مكان ميلاده، فإذا طارده ثعلب جرى ليدخل حدود منطقته ومسكنه. وتتنقل الخفافيش إذا أُزعجت من كهف لآخر، ولكنها تعود للعيش في مسكنها الأصلي مرة أخرى.

عمارة الطيور

تخصص الطيور “مساكنها” لوضع البيض ورعاية أفراخها، وتبني الأعشاش على الأشجار أو داخلها، أو في شقوق صخرية أو على سطح الأرض، أو على نباتات عائمة، أو في أماكن أخرى غير معتادة. وعبر فصول العام، ما زالت مثيرة للدهشة هجرةُ الطيور -أكبر المهاجرين في الكائنات الحية- إلى حيث بناء الأعشاش والدفء والغذاء، ثم عودتها أو عودة صغارها بمفردهم إلى موطنهم الأصلي. فخرشَنة القطب الشمالي تتواجد في أقصى شمال أوربا وأمريكا، وتهاجر في الخريف جنوبًا إلى أستراليا وإفريقيا، حيث تبقى حتى فبراير-أبريل، ومن ثم تعود إلى موطنها في رحلة عجيبة، وتبلغ نحو 35.500 كلم في السنة الواحدة.
والطيور ثاقبات الأخشاب، والطائر الخياط، وطيور الأكوام والديوك البرية، وطيور السنونو، والرفراف، وعصفور الجنة، وطيور الحب، والطائر الأزرق، وسمان الغابة، وماسك الذباب ذو العرف وغيرهم، بارعون في بناء وإنشاء المساكن بمواصفات “إبداعية جمالية”، ومعايير “تميز وأمان وتأمين”، وحرفية عالية. فثاقبات الأخشاب -مثلاً- تبدع عشها بالنقر في جذوع الأخشاب أو الأعمدة الخشبية، وتبطنها بنشارة الخشب المتساقطة أثناء النقر. كما تعيش البومة والراقون والسنجاب، داخل جذوع الأشجار الجوفاء أو داخل الأشجار العجفاء.
وتنتقي الطيور مواد بناء أعشاشها بكل عناية واعتبار، كما يبرع كل نوع من الطيور -على كثرتها الهائلة- في التعامل معها بدقة واقتدار. فتستخدم الطيور البحرية الأعشاب البحرية الطافية والمقاومة لحركة الأمواج في بناء أعشاشها. أما الطيور التي تعيش في مناطق الأعشاب الطويلة، فتنشئ أعشاشًا عميقة واسعة لتفادي السقوط عند هبوب الرياح. في حين تشيد الطيور الصحراوية أوكارها على قمم الأشجار حيث انخفاض درجة حرارتها بنحو 10 درجات عن درجة المحيط، وإلا فإن درجة حرارة اليابسة (تربو على 45 درجة مئوية) تؤدي إلى موت الأجنة داخل البيض.
وبعد عناء البناء والتشييد يتم توفير سبل “الحراسة والتأمين” قدر المستطاع، كي لا يتم “سرقة البيض”، أو سرقة كل البيت حتى من الأقرباء، فيطارد زوجُ طائر أبي الحناء طيورَ أبي الحناء الأخرى، ويمنعها من الاقتراب من الشجرة التي اتخذها مسكنًا له. ويقوم الطير الواحد بمئات من رحلات الطيران لإنشاء عش للتمويه فقط، حيث لا يستطيع منقاره إلا حمل قطعة أو قطعتين من لوازم بناء العش.

مساكن الزواحف والأسماك

من الساحل البرازيلي تهاجر سلاحف البحر الخضراء للتكاثر، قاطعة مسافة 2500 كلم، عابرة المحيط الأطلسي نحو السواحل الإفريقية، وعند جزيرة “Ascension” تضع بيضها في مساكن رملية، ثم تعود إلى موطنها دون أن تضل طريقها. وفي “أمريكا الجنوبية” أيضًا، يعمد الضفدع “الحداد”، و”صانع الفخار” لعمل إناء من الطين على مدى 2-3 ليالي، ومن ثم ينادي أنثاه لتضع البيض في آمان داخله. وقد يصنع الذَكَر من سمك “أبو شوكة” عشًّا مريحًا وواسعًا لتضع أنثاه فيه نحو 300 بيضة.

عمارة الحشرات

تتضح قوانين الهندسة المعمارية ونظام العمل الاجتماعي التعاوني في الحشرات الاجتماعية؛ كالنحل والنمل، وتبرز براعة مُقدّرة، ومهارة فائقة في بناء بيوتٍ معقدة الإنشاء، بالغة الدقة، رائعة الأشكال الهندسية، ذات غرف ودهاليز ومخازن وممرات وأنفاق متشابكة. هذا وقد يصل ارتفاع عش النمل الأبيض إلى سبعة أمتار، لأن عدد البيض قد يصل إلى 30 ألف بيضة في اليوم الواحد، وما سيتتبعه من بناء غرف جديدة، لتسع هؤلاء القادمين الجدد من النمل. وكذلك حشرة “الترميت” الإفريقية، تبني بيوتًا كالقباب والتلال والمسلات، وتزودها بقنوات وفتحات خاصة، كي يرتفع الهواء الساخن إلى الأعلى ليحل بدلاً منه الهواء البارد من أسفل. إنها طريقة رائعة من حيث تكييف الهواء، أليس كذلك؟
ويعتبر إنتاج الحرير في العناكب عملية روتينية تستعمل فيها العديد من أنواع الخيوط الحريرية لحماية البيض من الجفاف والعوامل الجوية، ولصيد الفرائس في آن معًا. فهناك نوع ينصب الشباك للفرائس الطائرة، ونوع آخر يحفر في الأرض فخّه، حيث تكون الخيوط لزجة قابلة للصق الفرائس عليها. وتنسج العناكب أنواعًا وأشكالاً مختلفة من الأنسجة؛ فمنها ما هو على شكل مثلث أو دائرة أو نسيج متشابك أو على شكل أنابيب. أما عناكب الماء فتكيفت لتستطيع العيش بالماء، فتبني بيتًا حريريًّا مقنطرًا بين النباتات تحت الماء. وطريقتها في التنفس؛ حمل فقاعة هواء من سطح الماء تجعلها قرب معدتها بواسطة رجليها الخلفيتين، بينما تنحدر بها إلى بيتها، وهناك تطلقها فيصعد الهواء إلى قنطرة بيتها آخذًا محل بعض الماء. وباستطاعة العنكبوت الصياد الذي يعيش في مياه أميركا الشمالية والمكسو بشعيرات صغيرة، أن يجعل في بيته من الهواء ما يكفيه للبقاء تحت الماء لمدة 45 دقيقة.

سلوك غريزي

هل تشييد هذه المساكن والأعشاش “سلوك غريزي” لهذه الكائنات الحية؟ إن الكائنات الحية من ثدييات، وطيور، وزواحف، وبرمائيات، وأسماك، وحشرات، تقوم بالتخطيط قبل الشروع في تنفيذ البناء؛ فتختار أولاً المكان الأمثل والأكثر أمنًا لبنائها، ثم تنتقي من مواد البناء المتوافر والمناسب للظروف البيئية، مما يوفر راحة وسكينة داخلية وخارجية. حتى إن طيرًا يبني عشه لأول مرة، يملك قدرة عجيبة في البناء وينجز مهمته دون خبرة سابقة له. فضلاً عن أن العديد من أنواع الحيوانات عبر العالم تبني مساكنها بالكيفية العمرانية والنسق المعماري ذاته.

والخلاصة

دعونا، وفق ما يحث عليه الأستاذان “بديع الزمان سعيد النورسي”، و”فتح الله كولن” أن “نتأمل في بستان هذه الكائنات، وننظر إلى جنان هذه الأرض”. وفي هذا التأمل الإيماني والنظر المعرفي “تنبيه للغافل الغارق في عبادة الأسباب، ليعلم أن الأسباب ليست إلا ستائر أمام تصرف القدرة الإلهية، لأن العزة والعظمة تقتضيان الحجاب، أما الفاعلُ الحقيقي فهو القدرة الصمدانية”. ولعل المقولة الأخيرة للأستاذ “النورسي” تـذهب عن البعض ما قد يشعر به من مظاهر الدهشة مما يرد في هذه السطور وأمثالها. وليس من شك في أن التفكر والتدبر في “آيات الآفاق” تمثل نهجًا وبرهانًا علميًّا وتعليميًّا وتربويًّا وفكريًّا وفلسفيًّا يؤدي إلى تبين الحق والرشد والشهود، يقول تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ((فصلت:53).
(*) كاتب وأكاديمي / مصر.

About The Author

ناصر أحمد سنه

أستاذ الجراحة والتخدير والأشعة ـ كلية الطب البيطري ـ جامعة القاهرة.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.