الجمال والإسلام صنوان لا يفترقان. الإسلام دين السلام والخير والرحمة، والجمال علامة السلام والخير والرحمة. ولهذا فإن الفنون الجميلة بمختلف ألوانها ذات وشائج قوية وعميقة بالمقاصد العامة للشريعة. فهذه الفنون من أدوات تحقيق المقاصد، وازدهارها دليل على الاقتراب من أعلى مراحل تحققها في الواقع. وما ازدهرت مقاصد الشريعة في الواقع إلا بمذاق الفنون الجميلة.

وفي تصوّرنا أن النشأة الأولى للفنون الإسلامية ترجع إلى لحظة نزول أول آية من آيات الذكر الحكيم على قلب النبي الأمين. فآيات الكتاب المقروء، هي وآيات الكون المنظور، من أعظم آيات الجمال الذي يطرح في النفس الطمأنينة واليقين بخالق الكون ومُنزِّل الكتاب – سبحانه وتعالى -. أما إذا بحثنا عن بداية تجلي الجماليات في صور مادية، فإن نشأتها -بالتقريب- ترجع إلى العام الأول للهجرة النبوية من مكة إلى المدنية؛ حيث ظهر نموذجها الأول في تخطيط مسجد قباء وهو أول مسجد بناه الرسول – صلى الله عليه وسلّم -. وكان نزوله – صلى الله عليه وسلّم – أرض قباء في ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة، الموافق سبتمبر من سنة 622م.

ورغم ندرة المعلومات التي وصلتنا عن تفاصيل تصميم ذلك المسجد ومكوناته المعمارية، إلا أن المتوافر من تلك المعلومات يؤكد في أغلبه على أن خلوه من التعقيدات وامتلاءه بالبساطة والانسجام بين عناصر المسجد المعمارية والوظيفية، هي أوضح المعالم الجمالية الأولى التي تجلت في مسجد قباء، ومنه انتقلت تلك العناصر إلى بقية المساجد في طول بلاد الإسلام وعرضها. ولم يمض وقت طويل حتى “اتخذ الفن الإسلامي المعماري الجديد أهم أشكاله المميزة خلال العقدين الأخيرين من القرن الأول الهجري، وهما العقدان الأوّلان من القرن الثامن الميلادي، وأشهر الأمثلة على ذلك هو الجامع الأموي في دمشق”(1). ودخل”المسجد” في صلب التخطيط العمراني للمدن والأمصار، وأصبح لا يمكن تصور مدينة إسلامية إلا بوجود المسجد الجامع في وسطها. ثم تكاثرت الفنون المرتبطة بتصميم المساجد وتشييدها، وتطورت بمرور الزمن مع انتشار الإسلام ودخول أمم ذات حضارات عريقة فيه، ومنها حضارات الصين، والهند، وفارس، وروما، واليونان(2).

ودون الدخول في تفاصيل تاريخ الفنون التي عرفتها الحضارة الإسلامية في تاريخها الطويل، فإن مقتنيات المتاحف والمعارض المتخصصة في الفنون الإسلامية وآثارها شرقًا وغربًا، وشمالاً وجنوبًا -وأحدثها هو متحف “السلام عليك أيها النبي” بمكة المكرمة(3)- تدلنا على أن الفنون الجميلة بمختلف أنواعها نالت حظًّا وافرًا من العناية والاهتمام، وأنها أيضًا قد انفتحت على مختلف الخبرات الحضارية وهذبتها واستوعبتها وأضافت إليها وصبغتها بطابعها الإسلامي الخاص. كما تدلنا تلك الآثار على أن “وجود الله” هو الأساس العقيدي الذي صبغ كل أعمال الفن الإسلامي، وكما يقول روجيه جارودي: “إن كل غرض حتى ذلك الأكثر استعمالاً، سواء كان سيفًا أو إبريقًا، أو طبقًا من نحاس، أو سرج حصان، أو منبرًا، أو محرابًا في مسجد… هو محفور ومرصع أو مطروق ليشهد أنه علامة على وجود الله”(4).

ورغم كثرة البحوث في قضايا الفنون الإسلامية ومشكلاتها النظرية والعملية، إلا أن السؤال عن علاقة هذه الفنون بالمقاصد العامة للشريعة، لم يحظ بما يستحقه من الدرس والتأصيل. ولا تزال أغلب البحوث في الفنون الإسلامية معنية بالجوانب التاريخية، أو الفقهية (الحلال والحرام)، أو المعمارية والهندسية، أو بعلاقات التأثير والتأثر بين الفنون الإسلامية وغيرها من فنون الحضارات الأخرى. أو هي معنية بمسائل وموضوعات مفردة مثل فن الرسم، أو فن التصوير، أو فن التمثيل، أو فن الشعر، أو فن الموسيقى، أو فن الغناء، أو فن الزخرفة والزركشة؛ دون محاولة اكتشاف علاقة كل هذه الفنون بالمقاصد العامة للشريعة.

قديمًا تناول علماء المسلمين الفنون الجميلة ومسائلها بقدر كبير من التوسع مع التعمق الفلسفي. فالمعتزلة مثلاً ربطوا الأخلاق والجمال بالعقل وبالشرع معًا، وذهبوا إلى أن ما حَسُنَ في نظر العقل يكون حسنًا في نظر الشرع. وابن سينا (370-428هـ/980-1037م) رأى أن “جمال الشيء وبهاؤه هو أن يكون على ما يجب له”(5). وابن طفيل كتب رسالة في “فن الموسيقى” استعاد فيها النظرية الكلاسيكية حول التوافق بين أجناس الألحان والأمزجة البشرية، وأكد على الامتدادات التربوية والتطبيقية لهذا التوافق، بما في ذلك التطبيقات الطبية عنده(6). أما الإمام أبو حامد الغزالي فقد قسم الجمال إلى “جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس، وجمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة”(7). وشرح الغزالي كيف أن الموسيقى أو فن “السماع” “يثمر حالة في القلب تسمى الوجد، وأن الوجد يؤدي إلى تحريك الأطراف بحركات غير موزونة تسمى “اضطرابًا”، أو بحركات موزونة تسمى التصفيق والرقص”. وأكد على أن كل سماع، يتم عن طريق قوة إدراك، وأن قوى الإدراك الحسية هي الحواس الخمس… وأما القوى الباطنة فمنها قوة العقل وقوة القلب، وكل قوة من هذه القوى تلذذ بموضوعها إذا استحق هذا الموضوع هذا الشعور باللذة. ويُرجع الإمام الغزالي كل ألوان الجمال والخير إلى الله تعالى المتصف بصفات الجمال والجلال فيقول: “لا خير ولا جمال ولا محبوب في العالم إلا وهو حسنة من حسنات الله، وأثر من آثار كرمه، وغَرفة من بحر جوده سواء أُدرك هذا الجمال بالعقول أو بالحواس، وجماله تعالى لا يتصور له ثان، لا في الإمكان ولا في الموجود”(8). ونستشف من تلك الرؤى العقيدية والفلسفية للفنون والجماليات الكونية والنفسية، أن فلاسفة المسلمين قد أدركوا عمق علاقة الفنون بمقاصد الشريعة، وخاصة بمقاصد حفظ الدين وحفظ العقل وحفظ النفس. ومقتضى كلامهم أن التأمل في الجماليات مؤد حتمًا إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى، وإلى الاتزان العقلي، والهدوء النفسي على مستوى الأفراد والجماعات. ومن ثم يسهم الاهتمام بتلك الجماليات وفنونها في تقوية ما نسمّيه “الصحة العامة” و”السلم الأهلي” وفق مصطلحاتنا المعاصرة.

أما حديثًا، فبحوث العلماء في موضوع الفنون الجميلة وعلاقتها بمقاصد الشريعة قليلة، بل هي نادرة جدًّا كما أسلفنا، ومنها مثلاً كتاب الدكتور محمد عمارة “الإسلام والفنون الجميلة”، ومنها أيضًا كتاب الرئيس علي عزت بيجوفتش “الإسلام بين الشرق والغرب” ففيه فصل عميق المعنى حول الفنون الجميلة ومقاصدها.

الدكتور عمارة بيَّن في كتابه أن الفنون يجب أن تكون جميلة في ذاتها، وجميلة في تأثيراتها ووظائفها ومقاصدها، وأن “فنون الدعة والبطالة والتواكل، الاسترخاء والسطحية والتفاهة، غير فنون الحمية والعمل والعزم والانتماء والنهوض”. الأولى فنون جميلة بناءة، والثانية فنون ولكنها ليست جميلة بل هدامة. وهو يرى أن “الفن الجميل (…) مهارة يحكمها الذوق الجميل والمواهب الرشيدة، (…) لإثارة المشاعر والعواطف”. وذهب الدكتور عمارة أيضًا إلى أن خروج المهارات والفنون عن المقاصد الرشيدة يجردها من شرف الاتصاف بالجمال”، واستشهد على ذلك بقول ابن سينا الذي أوردناه قبل قليل وهو أن “جمال كل شيء وبهاؤه هو أن يكون على ما يجب له”. وينتهي الدكتور عمارة إلى أن الفن المتسق مع الإسلام هو الذي يحقق مقاصده في أمته وفي الإنسانية، عندما تشيع فيه الصبغة التي صبغت بها عقيدته وميزت بها أيديولوجيته إبداع الإنسان الفنان، إنها خيوط غير مرئية تلك التي تربط الوضع الإلهي بالإبداع الإنساني الجميل”(9).

أما الرئيس بيجوفتش، فقد رسم -في الفصل الثالث من كتابه- معالم نظرية إسلامية في الفنون من منظور إسلامي وبرؤية فلسفية عميقة. وكشف لنا ببراعة عن عمق الصلة بين الدين والفن والأخلاق عندما قال: “الدين يؤكد على الخلود والمطلق، وتؤكد الأخلاق على الخير والحرية، ويؤكد الفن على الإنسان والخلْق (…) وفي جذور الدين والفن هناك وحدة مبدئية”. وذهب بيجوفتش إلى أن وجود عالم آخر ونظام آخر -إلى جانب عالم الطبيعة- هو المصدر الأساسي لكل دين وفن، فإذا لم يكن هناك سوى عالم واحد، لكان الفن مستحيلاً. وهو يعتبر العمل الفني من حيث هو إبداع “ثمرةً للروح”. وبينما يكون المطلوب في العلم أن يكون دقيقًا، فإن المطلوب في الفن هو أن يكون صادقًا، لأنه يعكس النظام الكوني دون أن يستفسر عنه(10).

أول كلمة نزلت من القرآن الكريم هي نقطة البدء في إدراك علاقة الفنون الجميلة بمقاصد الشريعة عند الأستاذ محمد فتح الله كولن. وهي النقطة الأعمق في إدراك هذه العلاقة بعيدة الغور كثيفة الفروع. فبينما الأستاذ يتأمل في حكمة بدء نزول القرآن بأمر “اقرأ”، نجده يؤكد على أن أمر “القراءة” موجه إلى أشرف المخلوقات – صلى الله عليه وسلّم – “الذي تجلت فيه جميع الكمالات”، والكمال والجمال هما ذروة الحسن والروعة. ويمضي الأستاذ “كولن” موضحًا أن الكون المعروض أمام أنظارنا -لنتأمله ونفهم معناه ومحتواه- شاهد على قدرة الخالق وعظمته وجماله. هذا الكون في رأيه “ليس إلا تجليًا من تجليات اللوح المحفوظ”، وهنا يصل الأستاذ إلى ذروة سنام إدراك الجمال المجرد من كل عيب، الجمال المصفى من كل شائبة. وقد جعل الله كل شيء في هذا الكون من أحياء أو جماد -عدا الإنسان- “قلمًا” لكي يقوم كل موجود بوظيفة تسجيل ما أودع فيه من تجليات وحكم”(11).

تلك نظرة عابرة على أصل أصول الرؤية الإيمانية عند الأستاذ كولن للفنون الجميلة. ونحن بصدد تعقب تفاصيل هذه الرؤية في أبحاثه وتأملاته النظرية، وأيضًا في مشروعات وبرامج “الخدمة” المطبقة على أرض الواقع.

إذا نظرنا الآن إلى المدارس الغربية الحديثة في مجال الفنون الجميلة من حيث فلسفتها ووظائفها وأنماطها المختلفة، فسوف نجدها بالغة الثراء، وسنجد أن فيها ما لا يجافي الرؤية الإسلامية ويتفق معها حينًا، كما أن فيها ما يجافيها ويتناقض معها أحيانًا. ولا يصح أن نتجاهل “جماليات” الرؤية الغربية بحجة أن لها قبائح، مثلما لا يصح أن نتهاون بشأن قبائحها بحجة أن لها جماليات.

هناك من علماء الغرب وفلاسفته المعاصرين من ذهب إلى أن الشيء الجميل هو نتاج الممارسة الاجتماعية التاريخية، ويعتبر “هيجل” من أشهر القائلين بذلك. وهناك من لاحظ -بحق- أن ظاهرة الانسجام وهي أساس الشعور بالجمال والسلام، وكذلك “عدم الانسجام” الذي هو أساس الشعور بالقبح والعنف، ترجعان إلى تاريخ طويل في حياة الإنسان. ومنهم من ركز على علاقة الفن بالحياة وبالدين وبالعلم، وخلصوا إلى أن الفن أداة ربط اجتماعي، ووسيلة تطهير للنفس الإنسانية، وضمانة للتماسك والتجانس بين أبناء المجتمع الواحد. وهناك علماء وفلاسفة آخرون ربطوا بين الجمال والأخلاق ونبهوا إلى الدور التربوي لكليهما، بل وأقاموا علاقة وثيقة بين “الخير والحق والجمال”(12). ومن هؤلاء مثلاً الأديب الروسي بلنسكي (1811-1848م) الذي قال: “إن الجمال شقيق الأخلاق. والصور الفنية الإيجابية التي تعكس حياة الناس ونبلها وجمالها، تفرض الاحترام والحب والإعجاب المخلص. وتعطي أنماط الأبطال الحقيقيين في الحياة للقارئ والمتفرج متعة وبهجة جماليتين. أما الصور السلبية فهي تثير مشاعر الاستنكار الأخلاقي، والاحتقار التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا في طابعها بمشاعر الازدراء والاحتقار التي نحسها عندما ندرك ما هو قبيح ودنيء. ومن ثم فإن وحدة الجمالي والأخلاقي هي أساس الدور التربوي ودور التحويل الأيديولوجي اللذين تقوم بهما الفنون في الحياة الاجتماعية”(13).

للفنون إذن، مهمات لا غنى عنها في كل حضارة من الحضارات وإن اختلفت مرجعياتها الفلسفية، أو تباينت غاياتها النهائية. وتكاد أغلب الرؤى الحضارية والفلسفية تشترك في أن أهم مقاصد الفنون تتمثل في تنمية العاطفة والوجدان، وتنمية مهارات الحواس وتدريبها على الإجادة والإتقان، وتحفيز الإنسان على الإبداع والابتكار وتأكيد الذات، وضبط الانفعالات وترويض النزعات الجامحة ووضعها في حالة اتزان، وتقدير العمل اليدوي ومهارات الصناعة، وفتح المجال أمام الخيال واستثماره في خدمة الإنسان والعمران، وكلها مقاصد تندرج تحت الإطار العام لمقاصد الشريعة.

ولكن، رغم نبل تلك المقاصد أو الغايات، إلا أن الفنون لم تَسلم من سوء الاستخدام لتأجيج الصراعات الدينية والمذهبية، أو لتحقيق مآرب اقتصادية وسياسية على حساب الغير، حتى إن بعض الحركات ذات “النزعة الإنسانية” العالمية لا تخفي رغبتها في استبدال الفن بالدين(14). وفي سبيل ذلك تقوم تلك الحركات بتسخير المعارض الفنية، والمسلسلات التلفزيونية، والأفلام السينمائية، والأعمال المسرحية والغنائية، ومختلف الفنون التشكيلية، من أجل تدمير الدين والاستغناء بالفن عنه.

وإذا كانت الفنون الإسلامية تشترك مع غيرها من الفنون في أغلب تلك الغايات، إلا إنها تظل مرتبطة بتصور الوجود حسب رؤية الإسلام للكون والحياة والإنسان والخالق تعالى. ووفق هذا التصور فإن الفنون الإسلامية ترسم صورة الوجود من زاوية التصور الإسلامي لهذا الوجود. ولهذا اتسع نطاق عمل الفنون الجميلة في حضارتنا الإسلامية، ولدينا سوابق بارعة الجمال في النقش والنحت، والرسم والزخرفة، والتصوير والحفر، والموسيقى والشعر، والغناء، والخط، والمنمنمات، وأيضًا في أصول تنظيم المدن والأمصار وتخطيطها، وهندسة البناء… إلخ.

في كتب أصول البنيان والخطط العمرانية للأمصار والمدن الإسلامية(15) نجد تشديدًا على ضرورة توافر الجوانب الجمالية، وتأكيدًا على وجوب مراعاة معايير الجودة في التخطيط وهندسة البناء، ونجد اهتمامًا خاصًّا بما نسميه جماليات “المجال العام” من السقايات، والنافورات، والمفترجات، والميادين الرحبة، والأشجار الوارفة، والاستراحات العامة… إلخ. ولم يهتم المعماريون المسلمون وحدهم بتلك الجوانب الجمالية، وإنما اهتم بها أيضًا كتاب الحكمة السياسية والأحكام السلطانية في معرض حديثهم عن إنشاء الأمصار. ومن ذلك الشروط التي ذكرها الماوردي في كتابه “تسهيل النظر” ومنها: سعة المياه المستعذبة، وإمكان الميرة المستمدة، واعتدال المكان الموافق لصحة الهوى والتربة، وقرب المكان مما تدعو إليه الحاجة من المراعي والأحطاب، وتحصين المنازل من الأعداء(16). ولابد أن مراعاة تلك الشروط في تأسيس المدن استلزم تطبيق معايير جمالية متنوعة، وكان من شأن ذلك أن يوفر ضمانات لا غنى عنها لسلامة الصحة النفسية والاتزان العقلي لسكان المدينة؛ فالمشاهد الجميلة، والألوان المتناسقة، والمساحات الخضراء والزهور المبهجة، والموقع الملائم للهواء النقي… كلها تؤثر إيجابيًّا على المزاج النفسي العام، بخلاف مشاهد التلوث والقبح والفوضى والعشوائية التي تضر بالصحة النفسية وتشجع على العنف وارتكاب الجرائم، ومن ثم إلحاق الأذى بالنفس، والمال، والنسل، والعقل، والدين في آن واحد، أي إهدار المقاصد العامة للشريعة.

وبالنظر في أحوال مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة، نجد أن ما يقدمه مبدعو الفنون الجميلة، يتسم بالهزال والركاكة ولا ينطوي على ابتكارات جديدة، وتغلب عليه ملامح التبعية لمدارس الفنون الغربية. وقد أسهمت بعض الرؤى السلفية المتشددة في تكريس هذه الحالة الفنية المتردية مثلما أسهمت بعض الرؤى المتغربة في ذلك أيضًا. وكانت النتيجة هي ما نراه من تشوه في الوعي، وتمزق في الوجدان، واختلال في عمليات التنشئة على المستويات الفردية والجماعية، ومن ثم تكونت أجيال مجروحة الهوية في مختلف مجتمعاتنا المعاصرة. وكان للمدارس الأجنبية التي نشأت في بلادنا الإسلامية دور خطير في تشويه وجدان أجيال عدة من أبناء المجتمعات الإسلامية وخاصة من أبناء الطبقات العليا وأصحاب السلطة والثروة. وقد كان إنشاء ثلاثة آلاف مدرسة أجنبية في أرجاء الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر وحتى إلغاء الخلافة في سنة 1924م، كفيل بتكوين نخبة منفصلة عن هويتها ومعادية لأمتها نتيجة ما تلقته من مقررات تربوية وفنية وتعليمية تنتمي لتراث فلسفي وحضاري، له مقاصد وغايات لا تنسجم بالضرورة مع غايات المجتمعات الإسلامية ولا مع مقاصدها العامة.

إن أهم ما يكشف عنه التاريخ الحديث والمعاصر للفنون في مجتمعاتنا الإسلامية، هو أنها أصبحت في خدمة عمليات إعادة تشكيل الوجدان -الفردي والجماعي- بعيدًا عن المرجعية الإسلامية ومقاصدها العامة، بل وعلى نحو معاد لهذه المرجعية. ونعتقد أن “الفنون الحديثة” في بلادنا بجملتها، قد أسهمت في تعميق حالة الانقسام الثقافي بين اتجاهات متعارضة، بعضها يتمسك بهويته الموروثة، وبعضها ينفتح على هويات وثقافات أخرى وافدة. وكان من نتائج ذلك أن مجتمعاتنا عاشت -ولا تزال تعيش- ضمن سيناريوهات سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية ليست فاعلة فيها ولا منتمية وجدانيًّا إليها، بل كانت في أغلب الأحوال مادة استعمالية لتلك السيناريوهات. وبمرور الوقت زادت التحديات التي تواجه مبدعي الفنون الجميلة الإسلامية، وزاد انفصالهم عن استلهام مقاصد الشريعة، وزاد ابتعادهم عن خدمة هذه المقاصد. وبات من يتصدى للإبداع الفني والجمالي بمرجعية إسلامية، بحاجة ماسة إلى تأهيل رفيع المستوى، وحرفية بارعة، ورؤية فلسفية واسعة الأفق تستجيب لمقاصد الشريعة وتكون في خدمتها، على النحو الذي كان عليه أسلافه من مبدعي الفنون الجميلة في عصور الازدهار الحضاري الإسلامي.

(*) أستاذ العلوم السياسية، جامعة القاهرة / مصر.

الهوامش

(1) تراث الإسلام، لجوزيف شاخت، وكليفورد بوزورث، ج1، ترجمة: محمد زهير السمهوري وآخرين، الكويت، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكتاب رقم:11، ص:297.

(2) الفنون الجميلة في العصور الإسلامية، لعمر رضا كحالة، دمشق، المطبعة التعاونية 1972، ص:5-21.

(3) تم افتتاح “متحف السلام عليك أيها النبي” في مكة المكرمة مع مطلع العام الهجري الجديد 1434هـ/يناير 2013م، والمتحف يحتوي على 1500 قطعة من الآثار وأعمال الفنون الجميلة القديمة التي كانت على عهد النبي – صلى الله عليه وسلّم -، أو هي محاكاة لها. وهو توثيق لعصر النبي وصحابته الكرام – رضي الله عنهم -. وقد لقي المتحف إقبالاً كبيرًا وترحيبًا واسعًا من جمهور المسلمين، الأمر الذي يؤكد أهمية الفنون الجميلة في مخاطبة الوجدان وترقية المشاعر وغرس القيم النبيلة في نفوس الناس.

(4) وعود الإسلام، لروجيه جارودي، مكتبة غريب، القاهرة 1976، ص:190.

(5) كتاب النجاة، لابن سينا، معهد المخطوطات العربية، القاهرة 1938، ص:79.

(6) تاريخ الفكر العربي الإسلامي، دومينيك أورفوا، ترجمة: رندة بعث، مراجعة: سهيل سليمان، المكتبة الشرقية، بيروت 2010، ص:540.

(7) إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي، دار المعرفة للنشر، بيروت ب.ت، ج2، ص:316.

(8) المرجع السابق، ج2، ص:306.

(9) الإسلام والفنون الجميلة، لمحمد عمارة، دار الشروق، القاهرة 1411هـ/1991م، ص:11،7.

(10) الإسلام بين الشرق والغرب، لعلي عزت بيجوفتش، ترجمة: محمد يوسف عدس، دار النشر للجامعات، ط2، القاهرة 1997، ص:137-176. وانظر إلى المرجع السابق.

(11) أسئلة العصر المحيرة، لمحمد فتح الله كولن، ترجمة: أورخان محمد علي، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة 2008، ص:7.

(12) فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة، لمحمد علي أبو ريان، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية 1993، ص:25-49، وص:65-79.

(13) الموسوعة الفلسفية السوفيتية، إشراف: ف. روزنتال، وب. يودين، ترجمة: سمير كرم، بيروت 1974، مادة الجمالي والأخلاقي.

(14) الشريعة الإسلامية والفنون، لأحمد مصطفى القضاة، بيروت، دار الجيل. عمان، دار عمار، 1408هـ/1988م، ص:25.

(15) منها مثلاً كتاب: أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللخمي بن الرامي البناء، الإعلان بأحكام البنيان، تحقيق: فريد بن سليمان، دار النشر الجامعي، تونس 1999. وكتاب: زكي محمد حسن، أطلس الفنون الزخرفية والتصاوير الإسلامية، مطبعة مصر، القاهرة 1937. وكتاب: محمد عبد الستار عثمان، المدينة الإسلامية، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، أغسطس 1988. وانظر قائمة ببلوجرافية بعناوين مراجع في الفنون الإسلامية ملحقة بهذا البحث.

(16) تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك، لأبي الحسن علي بن حبيب الماوردي (ت:450 هـ)، تحقيق ودراسة: رضوان السيد، مركز ابن الأزرق لدراسات التراث السياسي، بيروت 1432هـ/2012م.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.