الحديث عن الأسرة اليوم يحاول أن يستنطق أنوار “لا إله إلا الله” على مستوى البناء الصحيح لعنصري الأسرة الأساسيين الذكر والأنثى. إن أهم شرط في بناء أية مؤسسة والإبداع في بنائها وتشييدها وتزيينها وإغراء الناس من حولها، هو شرط الحرية، والحرية شرط في الإبداع على مختلف المستويات.

كان المبدعون أناسًا أحرارًا سواء تنفسوا جو الحرية في محيطهم أو قاوموا جو العبودية من خلال تنسمهم لجو الحرية، وربما كانوا في قمة الحرية وهم في غل العبودية المفروضة عليهم في الظاهر، أما داخل أنفسهم فقد كانوا يرفضون أن يكونوا عبيدًا وأن يكونوا تابعين خانعين، ومن ثم كانوا مبدعين على مستوى التفكير، على مستوى المواهب المتعددة لدى البشرية كانوا في قمة الإبداع، بل إن الكثير من المبدعين إنما أنتجوا إنتاجات موفقة ألهمت البشرية كلها، وقد نالوا من ألوان التعذيب الهمجي من قِبل المستعبدين للإنسان، الذين كانوا يرغبون في أن يعبدهم البشر من دون الله تعالى.

إن شرط الحرية هو شرط ضروري، ولا مناص من الحرية لأسرة وهي تحاول أن تبدع إبداعًا في بناء نموذج من خلال أبوين كريمين، ومن خلال إنتاج ذرية صالحة وإنسان قوي متوازن متماسك. ولقد تيسر ذلك لهذه الأسرة الحرة الأبية الكريمة بفعل إحساس كل فرد فيها بالحرية. ومقتضى أن يكون حرًّا، هو ألا يكون عبدًا إلا لمن يستحق أن يكون له عبدًا. هنا تأتي “لا اله إلا الله” التي من معانيها المقررة عند علمائنا؛ لا معبود بحق سوى الله.

عندما تعتنق الأسرة “لا إله إلا الله” وتحيا في إطار هذا المناخ -مناخ الحرية- تؤسس لعلاقات نموذجية وقوية وطيبة، ومن ثم كان أفضل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وأفضل ما قاله إخوانه الأنبياء السابقون؛ هذه الكلمة “أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له”.

لقد خلق الله الناس أحرارًا، فلا يحق للرجل أن يستعبد امرأته، ولا للمرأة أن تستعبد وتذل زوجها. إن هذين الاتجاهين من كلا الطرفين، اتجاهان صادمان متصادمان مع “لا إله إلا الله”. إن الذي يصر أن يكون متكبرًا داخل الأسرة، مهيمنًا مستحوذًا، عنيدًا غلابًا يحاول المستحيل عقديًّا، إنه سيصطدم بجدار اسمه “لا إله إلا الله”.

تدعوه “لا إله إلا الله” إذا كان واعيًا بمقتضياتها، إلى رفض هذا النوع من التفكير، ومن ثم يتم تبني مشروع نور “لا اله إلا الله”، والاحتكام إلى هذا المشروع الذي يجعل من الذكر والأنثى منسجمين، متوازيين، متوازنين، متحابين، متوادين متراحمين في هذا الاتجاه، سيبدعان إبداعًا رائعًا على مختلف المستويات وفي كل المجالات.

لقد كان الأولون يرفضون أن يكون الإنسان عبدًا لأحد إلا لله تعالى. لو كان جائزًا لأحد أن يتخذ إلهًا من البشر لاتخذنا محمدًا صلى الله عليه وسلم وهو سيد البشر، ولكن محمدًا صلى الله عليه سلم علمنا أن نعلن ولاءنا له من خلال “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله”.

وفي مواقع رائعة من السمو الروحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قرر كتاب الله تعالى هذه الحقيقة: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسراء)، (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)(الفرقان:1)؛ إن كون محمد صلى الله عليه وسلم عبدًا لله، وكوننا جميعًا عبيدًا لله، فهذا يجعلنا -ذكورًا وإناثًا- في أسرنا نتنسم الحرية، فتحس المرأة -وهي تطيع زوجها- بأنها لا يمكن أن تكون أمة إلا للواحد القهار؛ إن طاعتها لزوجها ورعايتها لحقوقه، إنما تنبثق من طاعة المولى عز وجل، ذلك أن هذا القانون لم يضعه شخص اسمه زوجها، إنما وضعته شريعة مصدرها رب العالمين.. كذلك الرجل، عندما يكلف بخدمة زوجته ورعايتها وصونها، والتضحية من أجلها، والنفقة عليها وقد تكون غنية، إن هذه المطالب الشرعية إنما يقوم بها الرجل لكونه عبدًا لله الواحد القهار.

إن الفكر الذي يلغي الذكورة، ويجعل الأنثى هي كل شيء وتهيمن على كل شيء، إنه لا يقل خطورة في دمار البشرية وخرابها عن الفكر الذي كان يعلي من جانب الذكورة.

إن هذا الشعار -شعار “لا اله إلا الله”- شعار عقدي منهجي يؤطر حركة الزوجين معًا ويبني أسرة قوية مثمرة. عندما يكون الإنسان حرًّا يستطيع أن يحقق مستويات راقية تثمر للحياة منفعة كبيرة، ومن ثم إذا شاء الله تعالى أن يهب لهذه الأسرة إناثًا أو ذكورًا، أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا، فإنه عز وجل سيهب هبة كاملة لأصحاب “لا اله إلا الله”، الذين رضوا أن يكون الله وحده لا شريك له ربًّا لهم، وأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم لهم رسولاً مبشرًا مبلغًا، يبلغهم منهج الله عز وجل، الذي يكون هو دائمًا السقف الأعلى(فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)(النساء:34). إذن إذا أحس الذكَر بقوته البدنية، وأنه أقوى من امرأته لأنها أنثى، فإن هذا الإحساس لا يجوز إلا أن يؤدي إلى ما هو أفظع وهو العلو والكبر.. فإن الله هو الأعلى وهو العظيم، فلا يحق لهذين الزوجين إلا أن يسبحا الله الأعلى، ويقولا “سبحان ربي الأعلى”، “سبحان ربي العظيم”.

هذا المناخ التعبدي العقدي يستطيع -لو وعته الأسرة- أن ينشئ فعلاً مؤسسة تغري العالمين بالاقتداء بها مع ازدياد مظاهر العنف في العالم كله، هذا العنف الذي تعاني منه المجتمعات المتقدمة والمتخلفة بنسب متفاوتة.

الذي نخلص إليه أن الأسرة عندما تعتنق الأسرة “لا إله إلا الله” وتحيا في إطار هذا المناخ -مناخ الحرية- تؤسس لعلاقات نموذجية وقوية وطيبة، ومن ثم كان أفضل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وأفضل ما قاله إخوانه الأنبياء السابقون؛ هذه الكلمة “أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له”.

الأكرم هو الأتقى

نحاول أن نتأمل بعض الإضاءات من خلال كتاب الله تعالى، المتعلقة بجانب الأسرة وبالخصوص جانب المرأة. إن الأصل في الناس أن خالقهم هو رب الناس، ملك الناس، إله الناس.. والأصل أنهم خلقوا من ذكر وأنثى.

إن هذا المصدر المشترك والجامع الرابط بين البشر كلهم -ذكورهم وإناثهم- يجعل بني آدم كلهم متجهين وجهة واحدة، مدعوين إلى أن يراجعوا كثيرًا من الأفكار المتعلقة بالأسرة وغيرها، أفكار تصطدم مع هذا الأصل الجامع المشترك.

إن القرآن عندما يقرر (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات:13)، فإن هذا التقرير الإلهي يجب أن يعلق في كل أنحاء العالم، ذلك أن البشرية في ظل هذا النداء ترى نفسها ملزمة بأن تشطب على كل ما يتعارض مع أصل التعارف.

اللائق بالناس أن يتعارفوا، والأصل في الشعوب والأمم و المجتمعات أن تتعارف وأن تتآلف، وأن تبحث عن النقاط المشتركة، والشيء المشترك بين بني البشر على الأقل حقيقتهم؛ كلهم مخلوقون من قِبل إله واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، “كلكم لآدم وآدم من تراب”، لو أن الناس حكموا هذه القاعدة الكلية، لصححوا مفاهيم وقيم عديدة.

والذي يتأسف له الإنسان غاية الأسف، هو أن في تراثنا وفي تقاليدنا وفي أفكارنا ما يصدم هذا الأصل الإلهي المقرر من خلال هذه الآية؛ ومن أغرب ما قرأت لدى بعضهم: إن الله قد فضل الذكور على الإناث في مواضع عشرة، ثم ذكر الإرث والشهادة والطلاق، وذكر غير هذه الأمور، فقلت: مَن الذي سوغ لهذا الشخص أن يجزم بأن الله فضل الذكور على الإناث؟ وكيف غاب عنه قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)؛ الأكرم عند الله هو الأتقى.

إن الله خلق في الحياة عنصرين في الإنسان هما الذكورة والأنوثة، والحياة كلها قائمة على هذه الازدواجية، وإلغاء النوعية وإلغاء الزوجية حماقة في الحياة، وتفاهة في التفكير، ومصادرة للواقع، وإلغاء لطبيعة الأشياء.

إن مساءلة هذه الفكرة ومثيلاتها ضروري، حتى لا يقع طغيان المجتمع الذكوري الذي اغتال الأنثى وقد نجاها الكتاب من الوأد. مجتمع كان يغيب الأنوثة ويضحي بهذا الجانب، وفي سبيل ذلك يبحث عن كل ما يمكن أن يؤول من النصوص، لصالح هذا الإعلاء الذكوري وإلغاء الأنوثة، رغم أن الشريعة تخاطب الإنسان، وتخاطب الذين آمنوا بوصفهم أناسًا اختاروا قيمة هي الإيمان، تخاطب الذين كفروا من حيث إنهم أصروا على البقاء على قيمة سلبية في الحياة وهي قيمة الكفر، تخاطبهم بوصف النفاق من حيث إنه صفة خسيسة في الإنسان الذي يروغ روغان الثعالب، تناديهم باسم العباد من حيث إنهم مستحقون لأن يكرمهم الله الذي هو خالقهم وهم عبيده.

إن هذه النداءات القرآنية، وهذه الخطابات الإلهية في كتاب الله تعالى، تجعل من كل فكر يرمي إلى إلغاء جانب من جزء الإنسان -أنثى أو ذكر- يجعل هذا الفكر فكرًا يستحق منا -بعد أن نحترمه ونحترم اجتهاده- أن نناقشه وأن نسائله.

كما أن الفكر الجديد الذي قد غزا ديارنا، وقد انبهر له جيل الدهشة الحضارية فمسهم طائف من الاستلاب تحت ضغط الواقع العالمي وصرخات منظمات حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، وغيرها من المنظمات الناطقة بأهواء العالمين أو صنف منهم.. إن الفكر الذي يلغي الذكورة، ويجعل الأنثى هي كل شيء وتهيمن على كل شيء، إنه لا يقل خطورة في دمار البشرية وخرابها عن الفكر الذي كان يعلي من جانب الذكورة. إن الله خلق في الحياة عنصرين في الإنسان هما الذكورة والأنوثة، والحياة كلها قائمة على هذه الازدواجية، وإلغاء النوعية وإلغاء الزوجية حماقة في الحياة، وتفاهة في التفكير، ومصادرة للواقع، وإلغاء لطبيعة الأشياء.

عندما نقرأ كتاب الله عز وجل نتلمس من خلاله تصحيح أفكارنا وتجديدها؛ نلاحظ أن القرآن يضرب مثلاً للذين كفروا ويضرب مثلا للذين آمنوا: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(التحريم:11)؛ لقد قدَّم القرآن الكريم هذه المرأة نموذجًا للذين آمنوا، ليس لكونها أنثى، بل لكونها استطاعت أن تجسد قيمًا عالية من الصبر، والوفاء، والتضحية، ومعانقة الحق، والدفاع بتحمل ضرائب التزامه.. إنها قد ابتليت بذكر، طاغ، متجبر هو فرعون، ولم تكن أبدًا -آسية لكونها أنثى- أقل شأنًا من فرعون الطاغية، بل كانت آسيةُ امرأة فرعون نموذجًا ضُرب للذين آمنوا.

وفي المقابل يضرب الله تعالى مثل الذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت زوجين صالحين، هما النبيَّان لوط ونوح عليهما السلام، ومع ذلك استطاعتا أن تثبتا رأيهما الشخصي وإن كان سلبيًّا دائمًا في هذا الاتجاه، اختارتا الكفر، واختارتا البقاء مع صف الباطل ومع صف المتكبرين، ضد الحق وأهله المتمثل في زوجيهما ومن كان تابعًا لهما.

على أية حال يمكن أن يُقرأ ما قصه القرآن من عدة زوايا، ومنها أن المرأة دائمًا تستطيع أن تثبت أن لها موقفًا، ولها موقعًا إيجابيًّا تختاره إن شاءت، وسلبيًّا تطمئن وتركن إليه وبئس ما تفعل. وفي جميع الأحوال تثبت أن لها وجودًا مستقلاًّ وشخصيًّا. ومن ثم كانت المرأة مدعوة دائمًا إلى تمثل هذه الاستجابة بشكل حقيقي وهائل في جميع مراحل حياة الإنسان على مختلف العصور.

(*) كاتب وباحث مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published.