إن من خصائص الشريعة الإسلامية صلاحيتها لكل زمان ومكان، وشمولها لكل مناحي الحياة، فتنظم مختلف المجالات من عبادات ومعاملات، والمحور الأساس الذي تدور عليه شريعتنا الغراء هو الإنسان، وهذا الأخير إما أن يكون منتجًا، وإما أن يكون مستهلكًا.

ومن هذا المنطلق، أصبح ضروريًّا حماية المستهلك، خاصة وأننا نسمع ما يؤدي إليه عدم حماية المستهلك من انتشار الأوبئة وانتقال الأمراض والتي غالبًا ما تؤدي إلى الوفاة.

ولأهمية هذا الموضوع الذي له مساس بحياة الناس اليومية في عصرنا الحالي، فإننا نلمس إشارات قديمة فقهية في كتب النوازل الفقهية تجسد وقائع حية في حماية المستهلك.

فما المقصود بحماية المستهلك؟

تعني حماية المستهلك في اللغة: دفع الاعتداء والظلم، عن من يقوم بعملية الإنفاق والإنقاذ.

ويراد به في الاصطلاح الفقهي: الإتلاف فيما ينفع، أو هو زوال المنافع التي وجد الشيء من أجل تحقيقها وإن بقيت عينه قائمة.

 وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية أن الاستهلاك: إجراء الشيء من أن يكون منتفعًا به منفعة مطلوبة منه عادة مع بقاء عينه.

ولا شك أن موضوع حماية المستهلك من المواضيع التي تجذب اهتمام الكثيرين، نظرا لما يمكن أن يترتب عن الاستهلاك من انعكاسات سلبية على المستهلك في الحالة التي تنعدم أو تضعف فيها الحماية المفترضة.

ونظرا لكل هذه الاعتبارات، فلقد أقر الإسلام قاعدة مهمة تتحدد مقوماتها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة: “من غشنا فليس منا”. أخرجه الإمام مسلم، وعملاً بمقتضيات هذا الحديث الشريف فإن التاجر وجب عليه التحلي بقيم الصدق والأمانة والثقة.

وانطلاقًا من هذا الحديث فإن فقهاء النوازل، وظفوا في فتاواهم تدابير وقائية واحترازية لحماية المستهلك، تتجلى في مجموعة من النماذج منها على سبيل المثال لا الحصر:

هل يباع القمح وما شاكله بدون غربلة؟

نص النازلة

سئل، عن أهل الأفران البائعين للخير هل يغربلون القمح؟ وكذا من يبيع القمح والشعير والفول والعدس والحمص وجميع القطاني، فقال: عن مالك، لا يبيعون ذلك حتى يغربلوه، رواه ابن وهب، وابن عمر: أرى أن يلزموا من ذلك، قلت: في المدونة يغربل القمح للبيع وهو الحق الذي لا شك فيه، فظاهره مثل تقييد ابن عمر.

يتبين في النازلة أنها قضية تهتم بالحفاظ على صحة الإنسان وحمايته من خلال طعامه اليومي الذي هو الخبز، لذلك تحتم على أهل الأفران البائعين للخبز غربلة القمح، تفاديًّا لأن يكون مضمنًا للتراب والأحجار والغبار وغيره مما قد يضر بالمستهلك ويضعف جودة المنتوج.

وهذه النازلة وغيرها من النوازل الشبيهة لها، تندرج في إطار مهام المحتسب الذي توكل إليه رقابة ما يجري في الأسواق عمومًا، وعلى أهل الحرف والمهن خاصة.

ومن لم يمتثل لمثل هذه السلوكيات فإنه يتصدق بخبزه تأديبا له، ويقام من السوق ولا يعمل خبزا، والتصدق هنا من باب العقوبة لأن غش الناس في طعامهم وشرابهم من عظائم المنكرات التي يجب إنكارها، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من غش في طعامه بسبب لم يقصده، إنما بسبب ماء نزل من السماء ويتوعده بأنه ليس منه وخارج عن سنته وطريقته، فكيف بمن يتعمد غش الناس في طعامهم وشرابهم ويوقع بهم الضرر الجسيم في صحتهم وأجسادهم. ومن هنا عمل الخلفاء الراشدون بمبدأ الحسبة في الأسواق وغيرها ومتابعة الغشاشين والمفسدين وسار عليه من بعدهم من ولاة أمر المسلمين وجعلوها منصبًا وظيفيًّا تحاسب عليه الدولة.

ومن خلال النوازل السابقة يتبين أن الفقهاء كانوا يقومون بتدابير احترازية لحماية المستهلك، مثل التصدق بالخبز المغشوش، أو الحبس مع التصدق، أو الإخراج من السوق ومنعه من مزاولة المهنة لمدة معينة، تدابير وقائية لمنع الإضرار بالمستهلك، وحمايته من الجرائم المحتمل الوقوع فيها، وفيها منع لتكرار الغش وخداع المستهلكين.

ومما ذكر أيضًا في كتب الحسبة كتدابير احترازية لحماية المستهلك، أن يكتب والي الحسبة في سجل خاص أسماء الخبازين، ويحدد مواضع الأفران ومواقعها، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، ويفتش عنهم أفرانهم ويأمرهم في حالة الفراغ من إحماء الفرن من مسحه بخرقة نظيفة قبل الشروع في طبخ الخبز.

وتفعيلاً لهذه المقتضيات، فإنه يأمرهم بنظافة أوعية الماء وتغطيتها، وغسل المعاجن ونظافتها، والقماش الذي يغطى به الخبز والأوعية التي يحمل فيها، وعندما يبدأ عملية العجين، يجب عليه أن يلبس ثوبًا خاصًا مقطوع الأكمام، وعليه أن يتلثم لأنه ربما عطس أو تكلم فقطر شيء من فضلاته في العجين، وعليه أن يشد عصابة بيضاء على جبينه لئلا يتساقط عرق منه، كما عليه أن يحلق شعره لئلا يسقط مع العجين شيء.

وفي الأحوال التي يعجن فيها نهارًا، فإنه يشترط أن يكون ثمة إنسان في يده مذبة يطرد بها الذباب.

المتتبع للنوازل الواردة في موضوع طعام الإنسان عمومًا يجد أغلب المفتين بمختلف أزمنتهم وأمكنتهم يتفقون على منع مثل هذه السلوكيات التي كانت تصدر عن أصحاب المهن، لدرجة أنهم ينهون عنه أشد النهي مع زجرهم وتأديبهم، وإن عادوا أخرجوا من السوق.

وترتيبا على كل ما سبق، نخلص إلى أهمية ما يلي:

– الحفظ على أدبيات الحرف والمهن.

– استحضار البعد المقاصدي في وقاية وحماية الإنسان درأً للأمراض وانتشار الأوبئة.

– كما أبرزت النوازل السالفة حضورًا لافتًا لمؤسسة الحسبة قصد حماية المستهلك.

وإذا كانت النوازل القديمة أسهمت في حل وكشف القضايا المنوطة بصحة الإنسان، فما أحوجنا اليوم لتفعيل القوانين لحماية المستهلك، سواء على مستوى المؤسسات أو الأجهزة الحكومية. في القيام بأعمال المراقبة والتفتيش اللازمة على أنواع الغذاء المختلفة، مع ضرورة إجراء التفتيش اللازم على المطاعم والمجازر، وكذا المحلات التابعة لها، بفحصها للتأكد من خلوها من الأمراض والأوبئة، وذلك كله حرصًا على حماية الصحة العامة للمواطنين وسلامتهم.

 

 

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.