فكرة التوافق الإنساني مع الكون والنواميس، فضلا عن كونها واحدة من أكثر المبادئ في التصور الإسلامي خصوصية وأهمية، فإنها ترتبط بالمسألة الجمالية ارتباطًا وثيقًا، ذلك أن الوفاق يتضمن في تصميمه -ابتداء- بُعدًا جماليًّا، هو بُعد التساوق والتناغم والانسجام والتوحد والاندغام بعد النغمة التوافقية والإيقاع المرسوم والتنسيق الشمولي، الذي يضع كل شيء وكل كائن في مكانه المحدد، ويمنحه دوره الهادف على خارطة الوجود الكبير بعد الروافد التي يتدفق ماؤها الفرات، يتقافز ويتلامع هنا وهناك متمردًا متباعدًا عاصيًا -كما قد يبدو للوهلة الأولى- ولكنه في المنظور الأخير، يتقارب ويتعانق وينضاف بعضه إلى بعض، لكي تصب كل قطرةٍ منه في بحر الوجود الكبير.
إن الله هو البدء والمنتهى، وهو الظاهر والباطن، وإليه -وعلى تغاير الأحوال والمجريات والحركات- يرجع الأمر كله، وفي هذا ما يمنح الجمالية الإسلامية ساحة ليست كالساحات، ومدى في الزمان والمكان ليس كالأمداء.
والذي نود أن نخلص إليه ها هنا، أن في مقابل هذا كله، سعيًا إيمانيًّا للتوافق باتجاهات أخرى لا تقل أهمية وتأثيرًا. ولنأخذ مثلاً النفس الإنسانية؛ فإذا كان التوافق في قاعدته العريضة تلك، يتطلع صوب الآفاق، فهو هنا يمضي عمقيًّا صوب النفس، لكي يمنحها كل ما يتجاوز بها التبعثر والتشتت والتمزق والارتطام، ويعيدها إلى سويتها المطلوبة، إلى توازنها وفاعليتها والتئامها، إلى تساوقها مع العالم من جهة، ومع حشود مفرداتها الذاتية من جهة أخرى.
إن الجمالية الإسلامية، تنطوي على وفاق مدهش بين سائر الثنائيات التي مزّقت كيان الإنسان والعالم. وليس التناقض -مثلاً- بين الجماليات البورجوازية والماركسية، وبينهما وبين الدينية النصرانية سوى نموذجين فحسب لهذا الانشطار. فهنالك أيضًا الذات والموضوع، الفرد والجماعة، الروح والجسد، الأرض والسماء، المحدود والمطلق، الضرورة والحرية، النظام والمرونة، المنظور والغيب.
وإذا كانت الجمالية النصرانية والدينية المحرفة عمومًا تنهج نهجًا مثاليًّا، وكانت الجماليات الوضعية تلتصق بالواقع التصاقًا محمومًا قد يبعدها بالكلية عن المثل وعن انعكاساتها القيمية، فإن الإسلامية تتحقق بالتوازن ها هنا أيضًا في سياقِ احتوائها للثنائيَّات والتوفيق بينها؛ إذ تسعى لتحويل المثال إلى أمرٍ واقعٍ وفق صيرورة جادَّة يلتحم فيها المثالي بالواقعي.
وهكذا يبدو الجمال ها هنا ضرورةً من الضرورات، لأنه السبب والنتيجة، المقدمة والمعطيات، فهو الذي يُعِين النفس على التحقق بسويتها، وهو -الذي بتحقيقه هذا الهدف العزيز- يمنح الوجود البشريّ طبقات غنيةً مضافة من الجمال لحشود لا تعدّ ولا تحصى من الأبناء البررة المؤمنين الذين يحيون أقصى درجات الوئام والتناغم مع أنفسهم، وأعلى نغمات التوافق مع ذواتهم.
وإذا كان الجميل هو الرائع والبديع، والمدهش والمثير، والمتناسب والمتوافق… وإذا كان الإبداع يعني تكوين ما هو جميل ما يمنح الفرح والسرور، واللذة والغبطة، والانسجام والاستقرار، والتصالح والسلام، والمحبة والتوافق، والتوازن والتوحد، والامتلاء والاندماج ما يقف بمواجهة التناقض والتنافر، والتشتت والتمزق، والنقص والحزن، والخوف والقلق، والكراهية والتقاتل… إذا كان ذلك كذلك، أدركنا كم أن الفعالية الجمالية ضرورة من الضرورات في الحياة الإيمانية عمومًا، والإسلامية على وجه الخصوص، وأدركنا كذلك، لماذا منح كتاب الله وسنة رسوله هذه المساحات الواسعة للمسألة الجمالية، وهذا التأكيد المتواصل الذي يملك حضوره الدائم في نسيج المعطيات الإسلامية من أولها حتى آخرها، وأدركنا فوق هذا وذاك، كم أن المسألة الجمالية ترتبط عمومًا وبالمنظور الديني -على وجه الخصوص- بسلّم القيم الأخلاقية والسلوكية، وبالإطار الشامل للحق والخير؛ بحيث إنه ليس من السهولة بمكان، تصوّر نوع من الانفصال التام أو المطلق بين الجمال والقيم، إذ إنه حتى القائلين بهذا الانفصال من النقاد والأدباء والفنانين وفلاسفة الجمال، لا يستطيعون أن ينكروا بأن الجمال لا يمكن إلا أن يمنح الإنسان واحدة أو أكثر من القيم التي ألمحنا إليها قبل قليل، ولا يمكن أن يعطيه متعة فنية خالصة بعيدة عن أيّما تأثير على تكوينه الذاتي ونزعاته الأخلاقية.
لقد جاء الدين لكي يعيد الوفاق إلى العالم إلى الإنسان، لكي يحقق السوية الموزونة للوجود الكبير بقطبيه الإنسان والعالم، وليس ثمة كالجمال وسيلة للتحقق بهذا الهدف العزيز.
إن الغربيين عمومًا يرفضون الرؤية الدينية للجمال. فما قاله قدّيسون كـ”أغسطين” و”الأكويني” وغيرهما، أصبح تاريخًا لا واقعًا متحققًا أو معطى يطمح للوصول إليه. إن هذه الرؤية ترتبط عندهم بالنصرانية المحرفة المرفوضة، النصرانية التي فقدت فاعليتها وقدرتها على التواصل مع الحياة والارتباط بالأرض. وهذا يجعلنا نتشبث أكثر بتحقيق الترابط بين الدين والجمال، بين الإيمان والإبداع، لئلاَّ يخسر الإنسان ما يمكن أن يقدمه الدين الحق للمسألة الجمالية. ولأن الدين الحق في أساسه، يسعى من أجل التحقق بعالم جميل، عالم متوافق يسود التناسق والتناظر والوئام كل جزئياته ومساراته، إنه انبثاق عن الإرادة الإلهية المبدعة، التدرج المرسوم من الجمال المادي إلى الحسي، إلى العاطفي الوجداني، إلى العقلي، إلى الروحي الذي يعرف كيف يكسر مغاليق الدنيا ويفتح بوابات الكون على مصاريعها.
إن الإسلام يحركنا بهذه الاتجاهات كافة لأن تكشّف جماليات الإبداع الإلهي في العالم والوجود من جهة، ولأن وحدة الإنسان والسعي في الاستجابة لمطالبها كافة من جهة أخرى، ولأن تحقيق الوفاق والانسجام بين القطبين الإنسان والعالم من جهة ثالثة تهمّه إلى حد كبير، بل هي واحدة من أهم أهدافه على الإطلاق.
وهذا لا يعني بالضرورة، أن يرغم المؤمنون على أن يكونوا جميعًا أدباء وفنانين، على أن يتلقى كل واحد منهم أمرًا بالإبداع. فإن التعامل الجمالي مع العالم والوجود درجات ودرجات، وهي -عمومًا- يمكن أن تنطوي تحت نمطين أساسيين؛ أولهما مفتوح للمؤمنين كافة، وهو ما يمكن اعتباره تعاملاً عيانيًّا سلبيًّا مع الجمال، بمعنى أنه غير منتج بالمفهوم الحِرَفي للكلمة، وليس بمعنى أنه غير ذي مردود على نفس المتلقي.
إن النمط الآخر من التعامل الجمالي وهو التعامل الإيجابي المبدع، أي الذي ينتج أعمالاً، ما كان يمكن أن يكون لولا وجود هذه الطبقة أو الدائرة الأوسع التي تتلقى التأثيرات الجملية، فتعايشها وتعاينها وتنفعل بها، فتضيف إلى خبراتها وتجاربها رصيدًا ذا قيمة كبيرة. وهذا النمط الإنتاجي يقتصر -كما هو واضح- على دائرة الأدباء والفنانين الذين يتلقون الإشارة عن العالم الذي أبدعه الله سبحانه وتعالى، يتلقون النغمة والحركة واللون والصوت، ويعاينون الكتل والأبعاد والنواميس فيؤلفون ويبدعون.
وفي كل الأحوال، يبدو التعامل الجمالي مع العالم -كما قدمنا- ضرورة من ضرورات الحياة الإيمانية، لأنه يعينها على التحقق بسويتها، ويغنيها بالمزيد من الرصيد المذخور، وإذا كانت تعاين وتتلقى وتنفعل، أم تنتج وتبدع وتعطي، فإن الأمر سواء في نهاية التحليل.
وقد يكون من فضول القول، التأكيد على أن هذا المنظور الإيماني الشامل للوفاق، والذي تعين عليه المعطيات الجمالية، سينطوي بالضرورة على واحد من أكثر صيغ الوفاق أهمية وإلحاحًا، ذلك هو الوفاق الاجتماعي.

فإن وفاق الفرد مع ذاته وتناغمه مع العالم والكون، لا يمكن أن يقطعها تنافر أو اصطراع اجتماعي يقبل المنظور الإسلامي إقرارهما في ساحة الحياة. إن هذا يمثل -فضلاً عن ارتطامه ببداهات الأخلاقيات الإسلامية- ارتطامًا أشد وأنكى بصيرورة الحياة التي جاء هذا الدين، لكي يصوغها ويقودها وفق أكبر قدر من التناسب والتلاحم والاندماج.
ومن بداهات الأمور، أن هذا الدين جاء منذ لحظات تنزّله الأولى، لكي يعلن الحرب على التفتّت الطبقي، على تمركز الثروة في مساحات وبقع ضيقة من نسيج المجتمع، وضياع المساحات الأخرى في الفقر والحرمان. إن استقطابًا خاطئًا كهذا، يتجاوز تدمير القيم الأخلاقية إلى وقف حركة الإيمان نفسه عن التحقق والانتشار. فما لم يجد الناس حدًّا أدنى من الكفاية، فإنهم -في الأعم الأغلب- لن يكون بمقدورهم التوجه إلى السماء.
إن الوظيفة الاجتماعية للجمال تتأكد إسلاميًّا، استنادًا إلى هذه البداهات. فإن هذا الدين لا يمكن أن يرضى عن قصيدة أو عمل أدبي أو فني -أيًّا كان- يتغنى بالترف ويصبّ جامّ غضبه على الفقراء والمعدمين. إن حالة كهذه، إذا ما حدث وأن شهدها تاريخنا، تتكرر المرة تلو المرة، فإن هذا لن يخرج عن نطاقه التاريخي الصرف، ولا يمكن أن ندين العقيدة من خلال وقائع وممارسات لم يكن للعقيدة دور في تشكليها.
هذه مسألة بدهية، وإن الجمالية الإسلامية لتلتقي ها هنا مع سائر الجماليات الواقعية والواقعية الاشتراكية في نزوعها الالتزامي إزاء الجماعة، فهي جميعًا -كما يبدو- تمثل نضالاً من أجل التغيير، ولكن إذ تتحدد الأولى في دائرة اجتماعية طبقية ضيقة نجد الإسلامية تتحرك في مدى العالم كله، تغييرِ العالم وإعادة بنائه بشكل متناسق متوافق مع السنن والنواميس.
إن الجمال الإسلامي إذ يرتبط هذا الارتباط الوثيق بالمنظور الإسلامي للوفاق الكوني، باعتباره قاعدة توافقية، فإنه سوف ينداح باتجاه دائرة شاملة لا تكاد الجماليات الأخرى تغطي سوى جانب محسور ضئيل منها.
ثمة توازن من نوع آخر نلحظه في الجمالية الإسلامية، وطالما كان مثارًا للجدل والنقاش في المذاهب الأخرى، ذلك هو ما يسمى بمعضلة الشكل والمضمون، وهي مسألة ترتبط بالمنظور النقدي كما أنها تتصل بالأسس الجمالية اتصالاً وثيقًا.
ابتدءًا، فإن الإبداع الأدبي والفني، يقتضي بالضرورة تأكيدًا متوازيًا على الشكل والمعنى معًا أو المبنى والمضمون، وإلا فقدَ خصائصه الجمالية. ومعروف أنه بتضخيم المضمون على حساب التقنيات والأشكال، يفقد العمل تناسبه وشروطه الجمالية. ولكن ماذا في الحالة الثانية؟ والجواب أنه يغدو تزويقًا وتزيينًا، يصبح عملاً حرفيًّا لا تشحنه الفكرة ولا تجري في شرايينه دماؤها، فتمدّه بالنبض والحرارة والحياة.
إن قدر ما هو جميل أن يمنحنا معاني وأشكالاً، أفكارًا وصورًا، أن يبني معماره من المادة المحسوسة والفكر غير المنظور، وبدون تحقق التناسب بين القطبين، فلن نكون إزاء عمل فني مؤثر وجميل، سنكون قبالة صنعة صرفة أو حشد من التعاليم قد تنطوي على قيمة ما، ولكنها تفتقد إشعاع الجمال المؤثر الذي يبهر الحس ويهز الوجدان.
إن الجمالية الحقة هي غير الأسلوبية أو الشكلية، إنها تنطوي على القيم الجميلة للشكل والمضمون معًا. وهذا التلاحم -بالنسبة للجمالية الإسلامية- لا يثير أية حساسية ولا يشكل أية معضل، تمامًا كما أنه ليس ثمة أية حساسية أو معضلة بالنسبة لسائر الثنائيات الأخرى التي بعثرتها المذاهب والأديان، وجاء الإسلام لكي يوحّدها ويلمّ شتاتها.
فإننا بمجرد أن نرجع إلى كتاب الله عز وجل، فسوف نجد في تراكيبه المعجزة، ذلك الوفاق المدهش بين الشكل والمضمون حتى في أشد آياته وسوره بُعدًا عن المنظور العقيدي للكون والحياة وقربًا من التشريع والتقنين. صحيح أن الهدف الأخير في نهاية المطاف هو منح الإنسان “التعاليم” و”القيم” التي تقوده عبر الصراط، ولكن هذا لم يدفع بمسألة الشكل إلى الخط الثاني أو يهملها، وإنما ظل التوازي قائمًا منذ فاتحة الكتاب وحتى آخر سورة فيه، وظل الإعجاز الأدبي مقترنًا بالإعجاز المضموني، لكي يدلاّ معًا على تفرّد هذا القرآن.
باختصار شديد؛ فإن الجمالية الإسلامية كما أنها تولي اهتمامها البالغ للخارج، للموضوع، لمطالب الجماعة وقوانين التاريخ وسنن الحياة، فإنها تتوغل عمقيًّا لكي تمنح الأديب أو الفنان الفرصة نفسها، من أجل أن يعطي اهتمامه للذات المتفردة، وللقوانين الداخلية لمطالب العمل الجمالي وشكلياته وتقنيّاته. ولا يجد الأديب المسلم أبدًا ما يرغمه على التضحية بالشروط الجمالية لصالح المضمون، ولا ما يدفعه لتجريد أعماله من المعنى وتحويلها إلى تزويق صرف.
قد يقضي ظرف تاريخي ما، بتغليب أحد القطبين، الأمر الذي قد يؤثر على مطالب العمل الإبداعي، لكن القاعدة التي يكاد يتفق عليها المعنيّون بالأدب الإسلامي كافة، هو أن هذا الأدب لن يكون أدبًا بحق ما لم يضمّ جناحيه على الشكل والمضمون معًا.
والجمالية الإسلامية تعكس -بالضرورة- بعدًا كونيًّا في مواجهة الجماليات الوضعية، الإقليمية أو البيئية أو الاجتماعية أو الواقعية أو العرقية، وهي جميعًا جماليات تتموضع في مكان محدد بخلاف الجمالية الإسلامية.
وهي جمالية ذات بعد غيبي-روحي في مواجهة الجماليات الوضعية ذات المنظور المادي أو المرئي أو الحسي، الذي يتحرك على مستوى الطول والعرض دون أن ينفذ إلى الأعماق. في الميزة الأولى انفساح أفقي في المكان فيما وراء الحدود المتعارف عليها، وفي الميزة الثانية امتداد في العمق فيما وراء المنظور.
وبالرجوع المتذوّق إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، يجد المرء نفسه وجهًا لوجه إزاء الخصائص الأساسية للجمالية الإسلامية التي تتميز في هذا الكتاب المعجز الذي لا تنقضي عجائبه عن سائر الجماليات.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.