اعتاد الصائمون منذ مطلع الرسالة على أن يرتبط إفطارهم وإمساكهم في أيام شهر رمضان المبارك بأذاني المغرب والفجر؛ حيث يتعالى أذان المغرب كل يوم معلنًا الإفطار وانتهاء يوم من أيام رمضان، ويتعالى أذان الفجر معلنًا الإمساك عن الطعام والشراب، عملاً بقوله تعالى: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(البقرة: 187).
ومع اتساع رقعة المجتمع الإسلامي، بدأت تظهر وسائل مساعدة للأذان تنبه الصائمين في رمضان ببدء الإفطار، خاصة ممن يبتعدون عن المساجد ولا يسمعون صوت المؤذن، ففي عدد من الدول والجمهوريات الإسلامية التي خضعت للحكم الشيوعي ردحاً من الزمان مثل يوغسلافيا وروسيا وألبانيا كان إفطار المسلمين في رمضان يتم على دقات الطبول، بعد أن منع الأذان في المساجد.

ورغم كثرة مساجد القاهرة ومآذنها، فقد عرفت هذه المدينة التاريخية مدفع الإفطار في العصر المملوكي، وكانت أول مدينة إسلامية تستخدم هذه الوسيلة عند الغروب إيذاناً بالإفطار في رمضان. ولظهور هذا المدفع في القاهرة قصة طريفة؛ حيث جاء ظهوره بمحض الصدفة. 
فقد ظهر مدفع رمضان أول ما ظهر عام 865هـ/1461م في عهد والي مصر “خشقدم” في اليوم السابع عشر من رمضان تحديدا.

ففي هذا العام تولي سلطنة مصر السلطان – الظاهر أبي سعيد سيف الدين خشقدم الناصري المؤيدي- وكانت العلاقات بين مصر والدولة العثمانية تشوبها العديد من الشوائب. مما جعل السلطان خشقدم يعد عدته لمواجهة الخطر العثماني الطامع في ضم مصر إلى الدولة العثمانية وكان من الطبيعي أن يكون من ضمن أسلحته المدافع، والتي راح الجند يجربونها وجاء انطلاق أول قذيفة متفقًا مع وقت غروب الشمس في يوم 17 رمضان فظن الناس أن ذلك إيذانا لهم بالإفطار، ففرح الناس فرحًا شديدًا، وفي اليوم التالي اجتمع مشايخ الحارات والعلماء والفقهاء، وتوجهوا ليقدموا الشكر للسلطان علي استحداث هذه الوسيلة الجديدة، فلما رأى السلطان سرورهم أعجب بذلك وقرر اعتمادها عادة يومية فأمر بإطلاق المدفع عند غروب شمس كل يوم من أيام شهر رمضان إيذانًا بتناول طعام الإفطار. وزاد على طلقة الإفطار طلقة أخري للإمساك.

الحاجة فاطمة:

ويحمل مدفع الإفطار بالقاهرة اسم “الحاجة فاطمة”، وسبب تسميته بهذا الاسم يرجع إلى زوجة الوالي “خوش قدم”، حيث يروى أنه عندما ذهب العلماء والأعيان لمقابلة السلطان لطلب استمرار عمل المدفع في رمضان، لم يجدوه، والتقوا زوجته التي كانت تدعى “الحاجة فاطمة” والتي نقلت طلبهم للسلطان، فوافق عليه؛ فأطلق بعض الأهالي اسم “الحاجة فاطمة” على المدفع واستمر هذا حتى اليوم، إذ يلقبه الجنود القائمون على تجهيزه وإطلاقه حاليًا بنفس الاسم. وهناك رواية تاريخية أخرى ترجع هذا الاسم إلى ابنة الخديوي إسماعيل حاكم مصر والتي سميت بالحاجة فاطمة نسبة لها. وأن المدفع لم يسم بهذا الاسم إلا في عهد الخديوي إسماعيل.

رواية أخرى:

وهناك رواية أخرى مشهورة عن ظهوره تقول إن والي مصر (محمد علي الكبير) كان قد اشترى عددًا كبيرًا من المدافع الحربية الحديثة في إطار خطته لبناء جيش مصري قوي، وفي يوم من الأيام الرمضانية كانت تجري الاستعدادات لإطلاق أحد هذه المدافع كنوع من التجربة، فانطلق صوت المدفع مدويًّا في نفس لحظة غروب الشمس وأذان المغرب، من فوق القلعة الكائنة حاليًا في نفس مكانها في حي مصر القديمة جنوب القاهرة، فتصور الصائمون أن هذا تقليدًا جديدًا، واعتادوا عليه وسألوا الحاكم أن يستمر هذا التقليد خلال شهر رمضان في وقت الإفطار والسحور فوافق، وتحول إطلاق المدفع بالذخيرة الحية مرتين يوميًّا إلى ظاهرة رمضانية مرتبطة بالمصريين كل عام.

رغم كثرة مساجد القاهرة ومآذنها، فقد عرفت هذه المدينة التاريخية مدفع الإفطار في العصر المملوكي، وكانت أول مدينة إسلامية تستخدم هذه الوسيلة عند الغروب إيذاناً بالإفطار في رمضان.

الذخيرة الحية:

وقد استمر المدفع يعمل بالذخيرة الحية حتى عام 1859م، ولكن امتداد العمران حول مكان المدفع قرب القلعة، وظهور جيل جديد من المدافع التي تعمل بالذخيرة (الفشنك) غير الحقيقية، أدى إلى الاستغناء عن الذخيرة الحية. كما كانت هناك شكاوى من تأثير الذخيرة الحية على مباني القلعة الشهيرة، ولذلك تم نقل المدفع من القلعة إلى نقطة الإطفاء في منطقة الدرَّاسة القريبة من الأزهر الشريف، ثم نُقل مرة ثالثة إلى منطقة مدينة البعوث قرب جامعة الأزهر.

ستة مدافع:

وقد كان في القاهرة حتى وقت قريب ستة مدافع موزعة على أربعة مواقع: اثنين في القلعة، واثنين في العباسية، وواحد في مصر الجديدة، وآخر في حلوان، وكانت تطلق مرة واحدة من أماكن مختلفة بالقاهرة، حتى يسمعها كل سكانها. ولعمل المدفع تقليد سنوي متبع، ففي اللحظات الأولي التي تعلن فيها دار الإفتاء المصرية عن شهر رمضان، تنتقل المدافع في سيارات المطافئ لتأخذ أماكنها المعروفة، في موكب مهيب من دار الدفاع الجوي إلي قلعة صلاح الدين، ويظل طوال الشهر الكريم محل اهتمام الجميع ينتظرونه وقت الإفطار والسحور.
ولم تكن هذه المدافع تخرج من مكانها إلا في خمس مناسبات، هي: رمضان والمولد النبوي وعيد الأضحى ورأس السنة الهجرية وعيد الثورة، وكان خروجها في هذه المناسبات يتم في احتفال كبير، حيث تحمل على سيارات تشدها الخيول، وكان يراعى دائماً أن يكون هناك مدفعان في كل من القلعة والعباسية خوفاً من تعطل أحدهما.
إهمال المدفع: أدى توقف المدفع في بعض الأعوام عن الإطلاق بسبب الحروب، وخاصة فترات الحروب العالمية، كما أن النصف الثاني من القرن العشرين لم يحمل للمدفع كرمز رمضاني الكثير من التقدير ففي القاهرة حيث نشأ هذا التقليد. توقف إطلاق المدفع سنوات عديدة في الستينات والسبعينات لأسباب أمنية. وفي عام 1983م صدر قرار عن وزارة الداخلية المصرية يقضي بإطلاق مدفع الإفطار من مكانه القديم في قلعة صلاح الدين الأيوبي الأثرية. غير أن الهيئة العامة للآثار اعترضت على ذلك بدعوي أن الطلقات المستمرة تؤدي إلى إحداث اهتزاز عنيف في أساس القلعة وجدرانها. فأمرت وزارة الداخلية بنقل مدفعين من المدافع الثلاثة إلى أحد المرتفعات القريبة من المكان (مدينة البعوث قرب جامعة الأزهر). وأبقيت الثالث أمام القلعة للذكري.
ونصبت مدافع أخرى في أماكن مختلفة من المحافظات المصرية، ويقوم على خدمة المدفع أربعة من رجال الأمن الذين يُعِدُّون البارود كل يوم مرتين لإطلاق المدفع لحظة الإفطار ولحظة الإمساك.
كانت هذه مراحل تطور مدفع رمضان منذ بداية ظهوره حتى دخل الألفية الثالثة عبر وسائل الإعلام الحديثة كالإذاعة والتلفزيون التي لا تزال تحافظ على هذا التقليد الجميل.

*باحث في التراث العربي والإسلامي عضو اتحاد كتاب مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.